العنوان معالم على الطريق: هل يصارع الإسلام وحده الظلام؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 41
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
منذ زمن وإلى عهد قريب كان يظن بعض حسني النية أننا تحررنا من الهيمنة الاستعمارية وتخلصنا من التسلط الأجنبي، لأن جنوده القابعة على أرضنا قد رحلت ومعسكراته المنتشرة في بلادنا قد زالت و إعلامه المرفرفة في أجوائنا قد طويت، ففرحت بذلك الجموع الطيبة، وسعدت بهذا الجماهير المخلصة، وتنفس كثير من المثقفين وأنصافهم الصعداء، وظنوا أن السماء الملبدة بالغيوم قد صفت والأجواء المحملة بالرعود والكوارث قد انقشعت، وأن الرياح قد جرت بما تشتهي السفن، وانتظرت الشعوب النسيم العليل، فإذا به الريح العقيم، وتطلعت إلى الفرج القريب فإذا به الكرب الكتيب، فحارت الأمة حيرتها وحاست حوستها، وبحثت علتها، فإذا بها تجد أن العدو الراحل قد تحول إلى حية رقطاء بين ثيابها، وثعابين سامة في جنباتها، وأنقلب الاحتلال المجسم إلى وحي في النفوس وخطط على الواقع، وهيمنة على الأفكار والتوجهات والمقدرات والآليات والقرارات في الأمم والشعوب، والقارئ الفقيه، والمحلل النبيه والباحث المدقق اليوم يستطيع وبغير مشقة أن يرى المخططات العدائية ضد المسلمين، ويلحظ النوايا السيئة تعمل عملها في ديارهم، منها ما ظهر وافتضح، ومنها ما خفي واستتر.
فبعد زوال الخطر الذي كان يمثله المعسكر الشرقي للغرب بانهيار »سور برلين»، وزوال الاتحاد السوفييتي، وجد المحللون أن الغرب في غمرة اللا نظام العالمي يريد اختلاق خطر جديد يوجه سهامه إليه، ويبدو انه ولأسباب كثيرة وجد ضالته في الإسلام، وفي الحضارة الإسلامية وبات الإسلام في عيونهم خطر أخضر يهدد الكون، على أن دعوى الصدام الحضاري الذي يروج له لا يعدو أن يكون مجرد ذريعة وغطاء فكري لتبرير تسيده وهيمنته على الأمة والغرب بهذه الدعوى يكرس وحدة القطبية في النظام العالمي الجديد، نافيًا ما يتشدق به من قيم التعدد، ويؤكد ازدواجية معاييره نحو الآخرين، وهذه الرؤية الاستعلائية التي تخفي الوجه الحقيقي للنوايا الغربية، هي يقينا التي تدفع نحو الصدام، وتكرس نفي الآخر، ولكن هل ستستمر الأمة العربية والإسلامية، وتظل هكذا أمة شهيدة مهدرة الدماء؟ وماذا ستختار إذن إن كان لها من خيار؟
ومعلوم ومقرر كذلك أن الغرب لا ينسى أن الإسلام قوة منافسة، يشير إلى هذا فمن حرك صمويل بي »هانتينجتون «، -أستاذ نظم الحكومات ومدير معهد جون إم أولين للدراسات الإستراتيجية بجامعة هارفارد- في كتابه »الإسلام والغرب» فيقول: إننا ننظر إلى التفاعل بين الإسلام والغرب على أنه أكثر من صراع بين الحضارات؛ لأن المواجهة القادمة للغرب ستتجه بلا ريب لتأتي من العالم الإسلامي الذي يحمل رسالة يصعب مقاومتها حركة المد الإسلامي من الغرب حتى باكستان سيبدأ الصراع من أجل نظام عالمي جديد»، وقد خلصت بينار لويس إلى هذه النتيجة التي وصلت إليها، وكذلك الكاتب الهندي إم جي، إننا نواجه مزاجًا وحركة ورسالة تتجاوز كثيرًا مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تنتجها، وليس هذا أقل من صراع بين الحضارات، متمثلًا في رد فعل غير رشيد، لكنه تاريخي بالتأكيد من جانب منافس قديم وقوي ضد تراثنا اليهودي - المسيحي، وضد حاضرنا العلماني فضلًا عن الانتشار العالمي لكليهما.
إذًن فالعداء الغربي للإسلام ليس ناشئًا عن ذنب أو جريرة، وإنما ناشئ عن حقد وتجن مع سبق الإصرار والترصد، ويحاول بكل ما أوتي من أسلحة ومكر أن يكيد للإسلام والمسلمين يقول: »ولفرد كانتول سميت» في كتابه الإسلام في التاريخ المعاصر فيما بين (ص ١٠٤ و١١٣): «إن الغرب يوجه كل أسلحته الحربية والعلمية والفكرية، والاجتماعية والاقتصادية لحرب الإسلام، وأنه أوجد "إسرائيل" في قلب العالم الإسلامي كجزء من هذا المخطط المرسوم».
والحقيقة التي يعجب لها كل باحث ومنصف، كمية هذا العداء، وعمق هذا الظلم الفاضح، وكثافة هذه الحرب الضروس لأهل الفضل على أوروبا، وأهل الحضارة التي اقتبس منها الجميع ويقر بها أصحاب الضمائر الحية من الغربيين، وتقول المستشرقة الألمانية »سيجريد هونكة»: »كل موجة علم، أو معرفة قدمت لأوروبا كان مصدرها البلاد الإسلامية، إن أوروبا تدين للعرب وللحضارة الإسلامية، وأن الدين الذي في عنق أوروبا وسائر القارات الأخرى للمسلمين كبير جدًا، وكان يجب على أوروبا أن تعترف بهذا الصنيع منذ زمن بعيد، لكن التعصب الديني واختلاف العقائد أعمى عيوننا، وترك عليها غشاوة حتى نقرأ ثمانية وتسعين كتابًا من مائة فلا نجد فيها إشارة لفضل العرب وما أسدوه إلينا من علم ومعرفة»، ثم لا تملك تلك الباحثة الألمانية بعد قراءة مستفيضة وبحث عميق، إلا أن تقر بقيمة هذه العقول الجبارة، التي أنتجت تلك الحضارة العالمية الفذة فتقول: «إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء من المسلمين ومن العدم، من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري فسيادة المسلمين التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة من نوعها، وأن الإنسان ليقف حائرًا أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة الإسلامية العربية التي لا نظير لها، والتي يحار الإنسان في تعليلها وتكييفها، إن هذا الشعب المسلم الذي حمل لواء النهضة العلمية الفكرية في العالم، ويسير بسرعة البرق، قبض على صولجان السيادة الثقافية في العالم، وظل أبناء الإسلام حاملين لهذا الصولجان دون منازع مدة لا تقل عن ثمانية قرون، كما أن الثقافة العربية الإسلامية قد تفتقت وأزهرت وأينعت أكثر من الثقافة اليونانية، كما أن العرب المسلمين أخصب وأقوى من اليونان».
إن الخوف من الإسلام يكمن في حيويته وسلاحه الفطري الرباني، ولهذا يقول »لورانس براون»: »إن الخطر الحقيقي في الإسلام يكمن في نظامه الفريد وفي قدرته على التوسع وفي حيويته»؛ ولهذا لا يملك أي باحث منصف مهما عادى الإسلام، ووقف في طريقه، إلا أن ينحني إجلالًا لعظمته، ولعل من أغرب ما قرأت قول »غستاف لوبون» في كتابه »حضارة الإسلام (ص ٥٧٢) »: »إن »أرنست رينان» على ما عرف عنه من تعصب وحقد ضد المسلمين، لم يستطع إلا أن يعترف بأنه لم يدخل مسجدًا من غير أن يهتز خاشعًا، ومن غير أن يشعر بشيء من التحسر على أنه ليس مسلمًا»، فأقول سبحان الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ﴾ (فاطر: 28)»، أما الجهلاء وفاقدي البصيرة فإنهم ينادون من مكان بعيد وقد ختم على قلوبهم وأبصارهم وعقولهم ولكن هل يستطيع الباطل مهما علا وبغى وأنتفش أن يقف في وجه الحق وأن يصارع القدر، وهل تستطيع أبواق الضلال وتجار النخاسة أن تحجب ضوء الشمس أو تمنع أشعة النهار؟ لا .. وألف لا، وصوت الحق يجلجل في الأسماع صباح مساء يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، وإن غدًا لناظره قريب ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل