العنوان دور أوروبا في مستقبل العمل الإسلامي
الكاتب أحلام علي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 75
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-يناير-1997
حوار
المجتمع تحاور الداعية الإسلامي عبد الحليم خفاجي حول:
- ألمانيا في موقع القلب من أوروبا ولها نوع من الخصوصية جديرة بالاستفادة بها.
- نتطلع إلى اليوم الذي يتكون فيه في كل بلد أوروبي حزب إسلامي من أبنائه يكون له حق المشاركة في الحياة السياسية.
الأستاذ عبد الحليم حسين خفاجي ولد ببنها محافظة القليوبية في فبراير عام ١٩٣٤م، حصل على ليسانس الحقوق، ثم أدخل السجن في عهد عبد الناصر وظل به لمدة ستة عشر عامًا وبعد الإفراج عنه عمل مفتشًا للتحقيقات بوزارة التربية والتعليم بمصر.
ثم سافر إلى الكويت وعمل بوزارة العدل التي ظل بها حتى سافر إلى ألمانيا حيث عمل مساعدًا لمدير المركز الإسلامي بمدينة ميونخ لعدة سنوات. بعدها تفرغ لإدارة مؤسسة بفاريا للنشر والإعلام منذ ثلاثة عشر عامًا وإلى الآن، وتذخر المكتبة العربية والإسلامية بالعديد من مؤلفات الأستاذ خفاجي منها حوار مع الشيوعيين تحت أقبية السجون، وعندما غابت الشمس.
وقد نشرت الأول مجلة «المجتمع»، أثناء تواجده بالكويت على مدى ثلاثة وثلاثين حلقة، كما نشر الثاني في جريدة اللواء الأردنية في ستين حلقة، ومن مؤلفاته أيضًا «ملك السجن»، و«الرد على سلمان رشدي» باللغة الألمانية بالاشتراك مع اثنين من الكتاب بالإضافة لمؤلفات أخرى قيمة.
وبدأ حوارنا معه بالسؤال التالي:
- متى بدأ عملكم بالمركز الإسلامي بميونخ؟! وهل كان اختياركم لأوروبا وألمانيا تحديدًا دوافع وأسباب؟!
- ذهبت إلى ألمانيا كمساعد لمدير المركز الإسلامي بمدينة ميونخ د. علي جريشة في ١٥ مايو ١٩٧٥م، وذلك بناء على عهد قطعته مع أخ عزيز ونحن في معتقل أبو زعبل حيث عاهدنا الله إن أخرجنا من بطن الحوت أن نلتمس طريق الدعوة في أوروبا تحقيقًا لبشارة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبعد سبع سنوات لي بالكويت وصلني منه خطاب يذكرني بالعهد فاستجبت لدعوته وكان الخير في ذلك والحمد لله، ويبدو أن نفوس المسلمين تتجاوب بشعور خاص ومتميز نحو الشعب الألماني بصفة خاصة، ولعل هذه الحقيقة النفسية قبل أي تحديات عملية كانت وراء خواطرنا الحرة في المعتقل، حيث إن الشعب الألماني أكثر الشعوب الأوروبية تعاطفًا مع العالم الإسلامي، وعندما وصلت إلى ألمانيا وقرأت طرفًا من تاريخها ازددت أملاً في مستقبل الدعوة على أرضها، كما أن ألمانيا في موقع القلب من أوروبا أو هي أم القرى الأوروبية والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (سورة القصص: 59) بالإضافة إلى ثقلها العلمي في العالم الغربي لهذه الأسباب أعتبر أن في ألمانيا نوعًا من الخصوبة جديرة بأن تستفيد منها الدعوة.
- هذا بالنسبة لألمانيا فهل لأوروبا عمومًا دور في مستقبل العمل الإسلامي؟
- أرى مصداق ذلك في نبوءة الرجل الصالح المجاهد التركي الشيخ سعيد النورسي في قوله إن أوروبا حبلى بالإسلام، وإذا كانت هجرة الإسلام الأولى للحبشة؛ حيث اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم لمميزات فيها عن دول الأرض الطاغوتية قائلاً لأصحابه: «إن فيها رجلاً يعدل»، وكانت هذه الدولة النصرانية تتوفر فيها الضمانات الإنسانية ومن ثم كانت هي حاضنة الإسلام الأولى، نجد هذا الأمر يتوفر في دول أوروبا الغربية اليوم والتي كانت قبل غيرها من دول الأرض ملجأ لكل المهاجرين والفارين بدينهم ومبادئهم من أوجه الديكتاتوريات، وهذه الضمانات مهمة في مستقبل العمل الإسلامي، وهي التي كانت وراء قيام المساجد والمراكز الإسلامية ووراء صدور المجلات والصحف العربية في دول أوروبا ووراء عقد الاجتماعات والمؤتمرات وعمل المخيمات بل وحق تنظيم المظاهرات.
وهذا الموضوع «دور أوروبا في مستقبل العمل الإسلامي» جدير بالاهتمام يدفعنا لمزيد من التفكير والتخطيط للوصول بالعمل الإسلامي إلى مستوى يتناسب وعظم المسؤولية أمام الله عما في هذه البيئة الأوروبية من عطاء لم يحظ حتى الآن بكامل الاستثمار، وعندما نستلهم من التاريخ دروسًا وعبرًا نجدها بمثابة قوانين تاريخية نحو دور أوروبا عامة وألمانيا خاصة في مستقبل العمل الإسلامي، ويمكننا أن نخرج بالكثير وأن نفاجأ بالكثير وأن نعمل الكثير أيضًا لدفع عجلة التاريخ التي ستصل حتمًا إلى غايتها الربانية بنا أو بغيرنا حتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار كما بشر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم متمثلًا فيما ذكره الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أم رومية؟ فقال صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولًا «صدق رسول الله»، ولأنه قد تحقق الشطر الأول من الحديث الشريف فهذا مؤشر إيماني هام باقتراب تحقق الشطر الثاني من الحديث بفتح روما إن شاء الله.
- للمراكز الإسلامية في أوروبا دور بارز وبصمات مضيئة في حياة الجاليات الإسلامية فماذا عن دور المركز الإسلامي بميونخ وأنشطته؟
- لقد تم بتوفيق الله افتتاح المركز الإسلامي بميونخ عام ١٩٧٣م بعدما كانت الكنيسة تفرد حجرة فيها للشباب المسلم لصلاة الجمعة، ومن هنا فكر الشباب في إنشاء الجماعة الإسلامية في جنوب ألمانيا والتي قامت بتحقيق فكرة بناء مركز إسلامي يشتمل على المسجد وصالة للمحاضرات وجميع المرافق الحيوية، واستغرق العمل عشر سنوات وافتتح عام ١٩٧٣م، وبعد افتتاحه أشرف المركز على جميع الأنشطة المعتادة مثل: إقامة الصلاة فالصلوات الخمس تقام جماعة في أوقاتها بالمركز وتقام كذلك صلاة الجمعة به، وتترجم خطبة الجمعة إلى اللغة الألمانية، كما يقوم المركز بتنظيم لقاءات وندوات ومؤتمرات منها الأسبوعية والشهرية والسنوية تعرض فيها الأبحاث العلمية والإسلامية ويتم ترجمة المحاضرات إلى اللغة الألمانية، ويدعى لهذه الندوات والمؤتمرات علماء ومفكرون من أنحاء العالم الإسلامي لتوضيح المفاهيم الإسلامية.
وهذه الندوات والمؤتمرات تمثل مؤشرًا ينبثق عن نظرة تفاؤلية لتأكيد دور أوروبا في مستقبل العمل الإسلامي، كما أن هذا المؤشر ينبئ عن الدور الحيوي الذي سيؤديه الإسلام لشعوب أوروبا، بل والغرب كله من ورائها وهي إحدى الميادين الخصبة، فالإسلام لم يهزم أبدًا في حوار مفتوح، ولا توجد عقبات تحول دون أنشطة المركز والحمد لله، اللهم إلا العقبات التنظيمية التي تلاحق كل تطور وظاهرة انتشار المراكز الإسلامية في أوروبا تعد من المؤشرات الحركية التي ينجم عنها انفتاح قلوب بعض علماء أوروبا للإسلام في الوقت الذي لا يجد فيه التنصر فرصة إلا مع الفقر والجهل والمرض في أدغال إفريقيا وأحراش إندونيسيا.
المسلمون في ألمانيا
- ننتقل من الحديث عن المركز الإسلامي إلى الحديث عن المسلمين بصفة عامة في ألمانيا ماذا عن وضعهم الحالي؟!
- يبلغ تعداد المسلمين في ألمانيا ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة «۲.۸ مليون»، وفي مدينة ميونخ وحدها أكثر من سبعين ألف مسلم أغلبهم من الأتراك يليهم البوسنيون، ثم الأفغان ثم العرب وجنسيات أخرى، ولكل طائفة مساجدها وتبلغ جميعها عشرين مسجدًا مختلفة الأحجام أكبرها المركز الإسلامي بحي فريمان مقر الجماعة الإسلامية بجنوب ألمانيا التي تحول اسمها الآن إلى «الجماعة الإسلامية بألمانيا»، بعد اتساع نشاطها.
ولا توجد عقبات من جانب السلطة بل يحظى المسلمون باحترام المسؤولين، والشعب الألماني يتعاطف مع العالم الإسلامي، فتاريخ ألمانيا مع العالم الإسلامي قائم على الصداقة لا على الاستعمار، وفي التاريخ محطات مضيئة بدأت بصداقة هارون الرشيد لشارلمان وصداقة فريدريك الأكبر من بعده، وأقدم المساجد في أوروبا أقيمت على الأراضي الألمانية مثل مسجدي اشفتسجن وبوتسدام وعمرهما ١٥٠ عامًا.
ومن المدهش أنه يوجد في قرية هو هن كامر على بعد ٣٤ كيلومترًا من ميونخ قصر على الطراز العربي في مدخله لوحتان منحوتتان إحداهما بالخط الكوفي وبجوارها ترجمتها بالألمانية يشهد فيها صاحب القصر بشهادة التوحيد وأن البعث حق والنار حق ومن هنا يبعث إن شاء الله، والتاريخ ۲۷۹ هـ الموافق ۸۱۰ م.
- منذبداية عام١٩٩٥م قررتولاية نوردراين ويستفالين تدريس الدين الإسلامي في المناهج اعترافًا منها بالدين الإسلامي الذي يشكل القوة الثانية بعد المسيحية في هذه الولاية، فهل منهج الدين الإسلامي الذي يدرس في هذه المدارس يخضع لإشراف الجالية الإسلامية؟
- عندما كنت مساعدًا لمدير المركز الإسلامي من عام «۱۹۷۹ م إلى ۱۹۸۱م» والتي انتقلت بعدها للعمل وكيلاً للمدرسة الألمانية الإسلامية حتى عام ۱۹٨٣م، أثناء عملي بالمركز تقابلنا مع أحد المحامين من أجل الحصول على الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي لأن الاعتراف يتيح حقوقًا كثيرة منها تدريس الإسلام بالمدارس، وفهمنا أن القانون في ألمانيا يعطي لكل ولاية الحق على حدة في تقدير الموقف شريطة أن يمثل المسلمون جهة واحدة، وكان في ميونخ في ذلك الوقت اثنتا عشرة جماعة إسلامية لم نجد الوقت الكافي للتوحيد بينها وتقديم من يمثل الجميع فنامت الفكرة، فالحكومة الألمانية لا تمانع في إشراف المسلمين على المنهج وتصحيحه كما حدث في ولاية نورد رآين ويستغالين.
ولكني دومًا أحض على الاهتمام بإنشاء المدارس العربية الألمانية المعفاة الالتزام بالتعليم الألماني لنحقق إشرافًا وتوجيهًا إسلاميًا على أبناء من المسلمين وأن تعمم هذه الفكرة في أوروبا كلها.
حقوق المسلمين في ألمانيا
- هل للمسلمين حقوق سياسية أو مشاركة في البرلمان؟
- ذلك حق لكل من يحمل الجنسية الألمانية من خلال انتمائه لأي حزب لذا كان من أهم الأهداف التي يجب أن يضعها الدعاة العاملون في الحقل الأوروبي نصب أعينهم هو أن يتحقق في المستقبل لا مجرد انتشار الإسلام في أوروبا ولا مجرد قيام جمعيات فحسب بل نتطلع إلى اليوم الذي يتكون فيه في كل بلد أوروبي حزب إسلامي من أبنائه يكون له حق المشاركة في الحياة السياسية، ويجب أن نعتبر إخواننا المسلمين الألمان هم رأس الحربة في مجموع أهدافنا، والمهم ألا يشوب ذلك مفاهيم إسلامية خاطئة أو مفاهيم عنصرية.
العدوان العنصري على المسلمين
- توجد ظاهرة دائمة التكرار في ألمانيا «رغم كونها لا تعتبر من الدول الاستعمارية الكبرى»، وهي حرق منازل المسلمين الأتراك وحرق المساجد وقتل الأئمة الأتراك، فهل من تفسير لهذه الظاهرة؟!
- هذه الظاهرة انتهت الآن وقد برزت في أعقاب توحيد ألمانيا الشرقية مع ألمانيا الغربية؛ حيث نبتت موجة من العداوة بين أبناء ألمانيا الشرقية عندما وجدوا أنفسهم في بطالة ودخل منخفض في الوقت الذي يتمتع فيه الأجانب في ألمانيا الغربية بالعمل والدخل المرتفع، وهو ما حرك العداوات التي انتهت الآن والحمد لله.
- المستشرقة الألمانية «آنا ماري شحيل» والتي حصلت منذ فترة على جائزة السلام «أرفع الجوائز الفكرية في أوروبا بعد جائزة نوبل»، تدافع عن الإسلام والمسلمين في مختلف وسائل الإعلام، فهل كان لموقفها أثر إيجابي بخصوص نظرة الألمان للإسلام والمسلمين؟!
- لعلها «مؤمنة آل فرعون» نعم فإن لموقفها هذا أثرًا إيجابيًا كبيرًا ولا سيما وأن لها احترامًا كبيرًا وتقوم بإلقاء المحاضرات في أشهر القاعات دفاعًا عن الإسلام، وذلك منبعث من إيمانها بأهمية التقريب بين العالم الإسلامي وألمانيا، وهذا ولا شك كسب للإسلام والمسلمين.
- لدور النشر رسالة تختلف باختلاف أهداف القائمين عليها فلا شك أن لمؤسسة بفاريا للنشر والإعلام التي تتولى فضيلتك إدارتها رسالة سامية عظيمة فما هي أهم إنجازات هذه المؤسسة خلال فترة إدارتكم لها؟
- نحن أمة رسالتها الأولى هي الكتاب، والأمة غافلة عن ذلك، فالله سبحانه وتعالى أرسل رسله بالكتب ومنها ينبثق كل إصلاح، والشعب الألماني شعب قارئ، وبالنسبة لمؤسسة بفاريا والتي أشرف عليها منذ ثلاثة عشر عامًا أنجزنا خلالها العديد من الكتب الإسلامية باللغة الألمانية، وعلى رأسها أشمل وأوفى ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الألمانية يشرف عليها عشرة من الأكفاء، خمسة من الألمان المسلمين وخمسة من العرب، وعلى مدار ثلاثة عشر عامًا تم إنجاز ستة وعشرين جزءًا حوت كل ما جاء في كتب التفسير المعتمدة في العالم الإسلامي بالعربي أو بالإنجليزي، وستكون رائدة لمثيلتها من الترجمات إن شاء الله، وكذلك قمنا بترجمة أهم الكتب في الفقه والحديث ولأوروبيين أسلموا مثل جارودي وبوكاي.
- نختم حوارنا بنصيحة من الداعية الإسلامي الأستاذ «عبد الحليم خفاجي»، للدعاة العاملين في أوروبا.
- أنصح أولًا: بالحفاظ على أبناء الجالية الإسلامية الموجودين في أوروبا من الذوبان في المجتمع الأوروبي وضغط مشاكلهم الخاصة، ليس ذلك فحسب، بل وتحملهم مسؤولية العمل الإسلامي بعد عودتهم لأوطانهم بحكم أن أغلبهم سيحتل المراكز الرئيسية، والتعجيل بتوحيد العمل الإسلامي داخل كل دولة أوروبية لتوحيده في أوروبا ككل من خلال عدم الوقوف عند الأشكال والمسميات وكذلك فتح آفاق جديدة للإعلام الإسلامي والتنسيق بين مختلف الصحف والمجلات الإسلامية، ومخاطبة المستمع الأوروبي من خلال الوقت المسموح به في الإذاعة والتلفزيون، بالإضافة إلى تنشيط حملات الحج والعمرة إلى الأراضي المقدسة وعمل مكاتب سياحية أو التعاون مع المكاتب القائمة في البلاد العربية والإسلامية وأيضًا لاستقبال الوفود الطلابية في فترة الصيف، فالكويت وحدها يخرج منها مائة ألف شاب أو يزيد سنويًا للمصيف في أوروبا، ومن الممكن أن تحقق الفكرة موردًا ماليًا يغذي المراكز الإسلامية بدل التبرعات والهبات فضلاً عن أداء رسالتها السياحية والتربوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل