; في المنتدى الفكري: التعددية في العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري: التعددية في العمل الإسلامي

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 860

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-مارس-1988

مما يشجعنا على طرح قضايا المسلمين وقضايا الحركة الإسلامية في هذا الركن ثلاثة أمور:

1.     سيل الرسائل التي يصلنا من الإخوة القراء، والتي تطلب المزيد من طرح هذه المناقشات المثمرة على قادة الحركة الإسلامية العالمية ومفكريها وكبار الدعاة الإسلاميين في الساحة العربية والإسلامية.

2.     استجابة المفكرين والدعاة الإسلاميين للمشاركة، وإثراء الحوار في القضايا الإسلامية والدعوية المطروحة.

3.     اعتقاد مجلة المجتمع بأن طرح حاجات الداعية المسلم في أسلوب الحوار بين أصحاب التجربة والاختصاص لا بد وأن يكون خطوة أساسية في مجال البناء الدعوي.

وإذا كانت قضايا فقه الدعوة كثيرة، فإننا سنعمل -إن شاء الله- على طرح ما هو في قائمة الأولويات، آملين من المفكرين الإسلاميين وقادة هذه الصحوة الاستمرار في الاستجابة لهذا الحوار.

في منتدى هذا الأسبوع التقت "المجتمع" مع كل من الأساتذة:

1.     الأستاذ كامل الشريف، وزير الأوقاف الأسبق في المملكة الأردنية الهاشمية.

2.     الدكتور مانع حماد الجهني، الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي في المملكة العربية السعودية.

3.     الأستاذ يوسف العظم، النائب في البرلمان الأردني.

وقد طرح المنتدى قضايا هذه الحلقة وفق الأسئلة التالية:

المجتمع: هناك مواقف مختلفة للدعاة من التنظيمات الحزبية في الساحة الإسلامية، فكيف ترون موقف الإسلام من التنظيمات الحزبية؟

كامل الشريف:

أجاب على هذا السؤال الأستاذ كامل الشريف فقال: "أنا شخصيًا من أنصار حرية الحياة الحزبية، وأعتقد أنه إذا أبيح تعطيل الأحزاب السياسية في بلد ما فإن أول المضروبين هم الإسلاميون، وإذا أتيحت الحركة كاملة فإن أول المستفيدين هم الإسلاميون، فالإسلام لا يُخشى عليه أبدًا في مناخ الحرية؛ لأنه دين الأغلبية، ودين الحق، ودين الحركة، كما أن الإسلام هو الذي يجب أن يكسب الآخرين وليس العكس، أقول إن بعض الإسلاميين الذين يدعون إلى كبت الحياة الحزبية بحجة أن الإسلام حزب واحد، وأن الإسلام لا يعرف الحياة الحزبية، أعتقد أن نظرة هؤلاء قصيرة جدًا، فالإسلام مع الحوار ونحن نجد في القرآن الكريم آيات عديدة عن المجادلة حتى مع المشركين ومع الديانات الأخرى، أقول هنا إن الإسلام أشبه بالشجرة اليانعة التي لا تمنع الشمس والهواء، ولذلك فأنا من أنصار الحياة الحزبية التي تمارس عملها في إطار حياة سياسية إيجابية، وأعتقد أن هذه الحالة تخدم الإسلام، ولا تضره أبدًا."

تعددية العمل الإسلامي:

المجتمع: هل تعتبرون أن التعددية في العمل الإسلامي المعاصر ظاهرة صحية، أم مرضية؟

د. مانع الجهني:

أجاب د. مانع حماد الجهني بقوله: "الأصل في العمل الإسلامي الوحدة، وتوجيهات الإسلام تحث دائمًا على الوحدة والتعاون وجمع الكلمة، وتحذر مما يناقض ذلك من الفرقة والنزاع، ولذلك يجب أن تنصب الجهود نحو تحقيق الوحدة ما أمكن فكريًا وتنظيميًا، بحيث تصبح فكرة إيثار الوحدة وكراهية الفرقة أمرًا بديهيًا لدى كل مهتم بالعمل الإسلامي.

إذا تعذرت الوحدة لسبب أو آخر، يكون التعاون، فإن تعذر التعاون يكون التعايش، وليس وراء ذلك إلا الهلاك.

على أن الوحدة لا تعني -بالضرورة- أن يكون جميع العاملين أنماطًا متماثلة، ولا كل الجمعيات ذات برنامج واحد حتى في التفاصيل والاختيارات، وإنما المهم أن تكون الأولويات والقواعد الأساسية واحدة، ثم لا مانع من التعدد، وهذا ما يحلو لبعضهم أن يُطلق عليه شعار (التنوع ضمن إطار الوحدة)."

الثوابت والمتغيرات في العمل الإسلامي:

الأستاذ كامل الشريف: "في العمل الإسلامي ثوابت ومتغيرات، ويجب التفريق الحكيم بين ما هو ثابت، وما هو متغير."

المجتمع: أي هل سيُسمح بتعددية الأحزاب السياسية في إطار الدولة الإسلامية؟

يوسف العظم:

تناول الإجابة على هذا السؤال الأستاذ يوسف العظم الذي قال: "لا بد من تحديد مفهوم «الحزب» أولًا.

•       هل يعني مجموعة منظمة من الناس في تجمع واحد هدفه الوصول إلى الحكم مهما سلك هذا التجمع من سبل واتخذ من وسائل؟

•       أم يعني تنظيمًا مهمته تغيير نظام الحكم، وإزالة الحكومة الإسلامية، وإحلال حكومة مكانها تحكم بفكر ضال، وآراء دخيلة مستوحاة من الديانات المحرفة والمبادئ العلمانية والوجودية والمادية وغيرها من «الصيغ اللادينية»؟

•       أم أن «الحزب» في هذا السؤال يعني فئة من الناس لها من البرامج والأهداف ما تسعى لتحقيقه وفق معطيات الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية؟

الصيغتان الأوليان مرفوضتان في المجتمع الإسلامي؛ لأنهما تتنافيان مع العقيدة الإسلامية وروح الحوار الموضوعي الهادف، وما زلنا حتى اليوم نرى في البلاد الديمقراطية المزعومة أنها ترفض إقامة أحزاب في بلادها تتبنى آراء غير آراء المؤسسة السياسية الحاكمة، وإلا فدلني على حزب في روسيا يخالف رأي الحزب الشيوعي، أو دلني على حزب شيوعي يمارس نشاطه بحرية في الولايات المتحدة؛ إذن لماذا يطالب «عملاء» الشرق والغرب معًا أن تقوم في ظل الدولة الإسلامية أحزاب علمانية ملحدة تتنافى آراؤها وأفكارها مع القاعدة الأولى التي تقوم عليها الدولة الإسلامية: التوحيد.

إذن الصيغة الثالثة هي المقبولة أن تقوم فئة أو فئات شعارها التسديد والمقاربة والتوجيه والنصح شريطة ألا يلجأ صاحب الرأي المخالف لاستخدام القوة وإثارة الفتنة التي توقع الأمة في تمزق ومتاهات تؤدي إلى الفرقة والضعف والضياع، وألا يلجأ المخالف لرأي الحاكم لتكتيل الناس في فوضى وتجميعهم لإثارة الشغب، ما لم يكن الحاكم يمارس أمورًا تخالف الكتاب والسنة، والحكم في ذلك العلماء المخلصون والمجتهدون العاملون، مما ذكرت يتبين أن الإسلام لا يمنع قيام تجمع من الناس يتبنى من الفكر، ويمحص من الرأي ما يعود على الأمة بالخير وعلى الدولة بالتطور نحو الأفضل، ويشترط لذلك أن يكون التكتل أو التنظيم قائمًا على أصول العقيدة الإسلامية وإن اختلفت رموزه في الأسلوب مع الحاكم، وتبني وسائل أخرى شرعية غير التي يعمل وفقها صاحب السلطة."

عوامل بناء «الرأي العام» الإسلامي:

المجتمع: ما هي عوامل بناء «الرأي العام» الإسلامي؟

كامل الشريف:

وكانت الإجابة للأستاذ كامل الشريف الذي قال: "الرأي العام الإسلامي يجب أن يبنى بمقياس نبوي إسلامي، وبمقياس الدعوة المثالي والقدوة الحسنة، مع إبراز نماذج صالحة وعدم الملل من كل ذلك، نحن يجب ألا نتوقع معجزة، أو أن يأتي بطل من الغيوم والسحاب ليرد لهذه الأمة اعتبارها ومكانتها، وإنما الأبطال يفرزهم مناخ العمل، والمناخ العام لا يمكن تغييره إلا بوسائل التغيير، مهما كانت بطيئة، وهي كما قلنا تربية النشء والمرأة والبيت، ويستخدم في هذا طبعًا وسائل كثيرة كالمساجد، والمناظرات، والأندية، والاجتماعات، ومخيمات الشباب وغيرها. كل هذه الوسائل التي تقوم بإيجاد الرأي العام الحساس ضد الشر الحريص على الخير الذي يتعاون مع غيره لإقامة الحكم الإسلامي في الأرض، وأعتقد أن الحركات الإسلامية قد بدأت بداية طيبة في هذا الاتجاه، وعليها أن تستمر فيه؛ لأن هذا الجهد الذي يبدو بسيطًا هو أخطر الجهود."

الرأي المخالف:

المجتمع: ما هو مصير حرية الرأي في ظل الدولة الإسلامية؟ وهل يمكن للفرد أو الجماعة إبداء رأي مخالف؟

الأستاذ يوسف العظم:

وحول هذه القضية فصل الأستاذ يوسف العظم القول فأجاب: "يجوز للمفرد أو الجماعة من الناس أن تبدي رأيًا مخالفًا لرأي الحاكم المسلم في ظل الدولة الإسلامية، شريطة ألا يكون هذا الرأي مخالفًا لعقيدة الأمة القائمة على التوحيد، أو أن يقول بما يتنافى مع أمر ونهي ثابت في الكتاب والسنة، أو أن ينادي بإصرار أعمى وعناد أصم بما يخالف إجماع علماء الأمة وفقهائها وقادة الرأي فيها، وأن يسعى لترويج رأيه لإشاعة الفوضى والفساد مثلما عُرف من الآراء الدخيلة الفاسدة التي تستهدف عقيدة الأمة ووجودها وكرامتها.

لقد عرف تاريخ أمتنا معارضين كثرًا كانوا يخالفون الحكام والقادة، ويختلفون مع العلماء قبل إجماعهم في كثير من المواقف، وما تعدد المذاهب في الفقه الإسلامي سوى دليل ناصع على جواز الاختلاف في الرأي والخلاف في تبني فكر وخطة غير التي يتبناها الحاكم، والمتتبع لصفحات التاريخ الإسلامي يطلع على كثير من المواقف التي خالف فيها رجال من أبناء الأمة حكامها، وكانوا يناقشونهم فيما يرون حتى يتم التفاهم والاتفاق على ما فيه خير الأمة وصالحها، وبقدر ما تتسع آفاق الحكام لآراء المخالفين كانت الأمة تسعد ويقوم بين أبنائها صور مشرقة من تبادل الخبرات وحسن المعاملة ووضوح الحوار.

إننا ما زلنا نقرأ كيف خالف بلال -رضي الله عنه- رأيًا لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وكان هدف الاثنين -رضوان الله عليهما- مصلحة الأمة المسلمة، وكيف خالف بعض الناس أبا بكر وعثمان -رضي الله عنهما- فاستُمع للرأي المخالف، ولم يقع الأذى بأصحاب ذلك الرأي، بل حدث العكس إذ ذهب ذو النورين عثمان ضحية تعنت مخالفيه في الرأي، وكان علي -رضي الله عنه- يؤكد أن المخالف للإمام في الرأي له نصيب في بيت المال أسوة بغيره من المسلمين.

أما إذا قصد بالرأي المخالف إدخال الفاسد من العقائد، وتسريب المدمر من السلوك، فهذا ما لا يرضى به عاقل لبلده أو أمته."

بين الأصالة والمعاصرة:

المجتمع: الحركة الإسلامية الحديثة بين الأصالة والمعاصرة، كيف تستطيع الحركة الإسلامية الجمع بين الأصالة والمعاصرة؟

د. مانع الجهني:

تفضل الدكتور مانع حماد الجهني فأجاب على السؤال الأخير من هذه الحلقة فقال: "ابتداء لا بد من تنبيه إلى أن لفظتي (الأصالة والمعاصرة) فيهما أكثر من منزلق خطر، والانطباع الأول الذي يتبادر إلى الذهن منهما أن الأصيل هو ما كان قديمًا، وأن المعاصر ما كان جديدًا، وإذا أمكن قبول هذا الانطباع بشيء من الحذر فينبغي التيقظ إلى أن إعطاء إجابات حاسمة ونهائية تقبل مدلول إحدى اللفظتين قبولًا نهائيًا، وترفض مدلول الأخرى رفضًا نهائيًا خطأ كبير، ففي كل من مدلولي اللفظتين خير وشر؛ وإذن فينبغي أن يكون رائدنا في قبول ما نقبل ورفض ما نرفض هو الحق، لا الأصالة ولا المعاصرة.

بعد هذا التنبيه نعود إلى الجمع المطلوب بين الأصالة والمعاصرة لدى الحركة الإسلامية. إن في العمل الإسلامي ثوابت، ومتغيرات، ويحسن بنا التفريق الحكيم بين ما هو ثابت وما هو متغير.

أما الثوابت فأهمها استمرار الدعوة إلى الله، والتركيز في العمل على الأولويات الأساسية من حقائق الإسلام وكلياته، وتبني فكر أهل السنة والجماعة باعتباره يمثل الإسلام أحسن تمثيل، والتأكيد أن الولاء للأفكار وليس للأشخاص، والتأكيد على أهمية العمل الجماعي وضرورته.

أما المتغيرات فهي تتصل بالأساليب التي ينبغي على العمل الإسلامي أن ينشط من خلالها، مثل: المحاضرة، والندوة، والكتاب، والعمل المسجدي، والمجلة، والصحيفة، والبرلمان، وما إلى ذلك.

وإذا كانت الثوابت أمرًا مطلوبًا باستمرار، فإن المتغيرات ينبغي أن تخضع دائمًا للتبديل حسب الحاجة، ولا يجوز الجمود عليها أبدًا، بل إن الجمود على وسائل بعينها بعد أن ثبت عجزها أو عدم ملاءمتها لظرف ما هو ضرب من الانتحار.

والوسيلة التي تصلح في زمان قد لا تصلح في آخر، بل قد تصلح في بلد ما ولا تصلح في بلد آخر في نفس الزمان، والوسائل ليست غايات، وإنما هي أدوات للعمل، ولا يجوز أبدًا أن تتحول الوسيلة إلى غاية."

وفي ختام إجابته قال الدكتور مانع: "المهم أن يعرف العمل الإسلامي ما الثابت وما المتغير؟ وأن يرفع من الشعارات ما تُطيفه المرحلة وما تُطيفه قدرته، ثم يعمل من خلال جميع الوسائل، وعليه أن يجدد فيها باستمرار، ويراجع فيها باستمرار، وأن يقتبس فيها باستمرار حتى من تجارب غير المسلمين، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس باتباعها، وبطبيعة الحال يكون مقيدًا فيما يختار بنظافة الوسيلة وحلها، فالوسيلة في العمل الإسلامي جزء من الغاية، ولا يمكن لنا أبدًا أن نصل إلى غاية نظيفة باستعمال وسيلة غير نظيفة."

المجتمع: نشكر الإخوة الأفاضل الذين شاركونا في الإجابة على أسئلة هذه الحلقة، آملين من الإخوة أصحاب الرأي مراسلتنا لإثراء قضايا المنتدى، وإننا بالانتظار، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :