العنوان ملاحظات حول دورة رمضان في تلفزيون الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987
مشاهدات 88
نشر في العدد 818
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 19-مايو-1987
* على إدارة مراقبة البرامج في التلفزيون أن تأخذ بعين الاعتبار مضامين الأعمال الفنية.
* دورة رمضان التلفزيونية لهذا العام شهدت تحسنًا كمًّا وكيفًا.
مثلما يطلب الناس في رمضان أجود الأطعمة ويتفننون في إعداد الأطباق الدسمة، فهم يطلبون كذلك أجود البرامج التلفزيونية، وتراهم يتلهفون لمشاهدة ما يقدمه إليهم المطبخ التلفزيوني الذي يشهد قبيل شهر الصيام حركةً ونشاطًا غير عاديين؛ لإعداد دورة تلفزيونية رمضانية تليق بهذه المناسبة، وترضي أذواق المشاهدين الصائمين. ومن الطبيعي أن تأخذ البرامج الدينية حيزًا أكبر ضمن هذه الدروة؛ إذ بذلك يحتفي التلفزيون بهذا الشهر الفضيل، ويتفاعل مع مشاعر المسلمين، ويشارك في إشاعة الجو الروحاني الذي يتسم به شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وإذا كان من الصعب تتبع كل ما يعرضه التلفزيون من برامج، فإن مشاهدتنا لأهم المسلسلات والبرامج اليومية الثابتة تعطينا فكرة عن هذه الدورة، ويمكن أن نخرج منها بالملاحظات التالية:
حشد من الأعمال الفنية يغلب عليها الطابع الكوميدي والتثقيفي
حشد تلفزيون الكويت مجموعة كبيرة من المسلسلات المحلية والعربية المنوعة، ومن التمثيليات والأفلام العربية والعالمية، وعمل على أن تكون البرامج متوازنة؛ بحيث لا يغلب جانب على جانب، ومضامينها متنوعة بحيث يجد كل مشاهد ما يرضي رغبته، ومثلما اعتنى المشرفون على هذه الدورة، والمخططون لها بالكم، فقد اعتنوا كذلك بالكيف، فكان مستوى برامج هذه الدورة أحسن منه في سابقتها، وقد غلب على المسلسلات الطابع الكوميدي الفكاهي والتثقيفي في نفس الوقت، مثل: مسلسل «صائمون والله أعلم»، والمسلسل العربي «البشاير»، والمسلسل المحلي «ضيعة أم سالم»، أما المسلسلات الأجنبية على القناة الثانية فيغلب عليها الطابع البوليسي وطابع المغامرات، مثل، مسلسل «الفريق الأول»، ومسلسل «المغامرون»، ومسلسل «الصبي المغامر».
برامج دينية جديدة في ثوب قديم
رغم وجود برامج دينية جديدة مثل برنامج «الأحاديث الموضوعة» الذي يعده ويقدمه الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وبرنامج «بعد الإفطار»، وهو من تقديم الدكتور أحمد هاشم والشيخ محمد عبد الواحد والدكتور إسماعيل الدفتار، إلى جانب دروس الشيخ الشعراوي، ورغم أن هذه البرامج تهدف إلى تمكين الصائم من فهم أمور دينه ودنياه، فإن هذه البرامج تظل محدودة ضمن زحمة البرامج الأخرى، علاوة على أنها تقدم في ثوب تقليدي، وتعتمد على أسلوب الوعظ المباشر الذي يجده البعض مملًا، ولو قدمت مضامين تلك الدروس بطريقة غير مباشرة، في قالب تمثيلية أو سكاتش أو حتى حوار للاقت استحسانًا أكثر وإقبالًا أكبر، ولا يعني هذا طبًعًا التقليل من قيمة تلك الدروس وفائدتها، وبالنسبة لدروس الشيخ الشعراوي بالخصوص نلاحظ أنها ذات مستوى عالٍ، وبعض عباراتها تحتاج إلى خلفية ثقافية وزاد لغوي لفهمها لا يتوفر عند عامة الناس، وربما نخشى أن لا تعم فائدتها وأن تظل مقصورة على عدد من المثقفين.
التعاون الخليجي مطلوب لكن ليس على حساب الجودة
دخلت ضمن هذه الدورة بعض الأعمال الخليجية مثل مسلسل «زهرة الجبل» ومساء الخير يا خليج القطريين، وهذه بادرة طيبة تعزز التعاون فيما بين تلفزيونات الخليج، وتساهم في سد بعض الثغرات والنواقص على مستوى إنتاج البرامج التلفزيونية الخليجية، ولكن الذي يؤسف له أن بعض هذه البرامج لا تلقى من النجاح إلا الشيء القليل، فمسلسل «زهرة الجبل» مثلًا قيل: إنه برنامج للأطفال، ولكن الأطفال يعرضون عن مشاهدته، فيبقى لا هو للكبار ولا هو للصغار، وقد احتج البعض على عرضه في الموعد المحدد له ضمن الدورة.
برامج رمضان وجبة دسمة
قال مدير إدارة البرامج التلفزيونية في حديث له إلى جريدة الوطن عن ملامح دورة رمضان التلفزيونية: «دورة رمضان البرامجية لها طابع خاص، وفيها نحرص على تقديم أقوى البرامج اجتماعية كانت أو درامية أو منوعات، وهي وجبة دسمة تتمشى مع هذا الشهر الفضيل».
حقًّا ينطبق هذا التصريح على أغلب المسلسلات، ونذكر منها بالخصوص المسلسل التاريخي المحلي «ضيعة أم سالم» الذي أخرج في قالب قصة إنسانية تعود إلى العهد العباسي، تدور حول استغلال أحد رموز السلطة آنذاك لمنصبه في أعمال غير مشروعة، وإذا كان هذا المسلسل لا يخلو من مضامين جيدة، إلا أن من تابع لابد أنه شعر بضرب من التكلف أبعده شيئًا ما عن واقعيته.
ومن المسلسلات الجيدة العربية مسلسل «صائمون والله أعلم» الذي هو عبارة عن موضوعات منفصلة، وكل حلقة منه تتعرض إلى قضية اجتماعية من قضايانا المعاصرة، وقد استطاع كاتب هذه الحلقات الأستاذ أحمد بهجت أن يكشف لنا تناقضات الإنسان المسلم في عصرنا الحاضر، وقد أبرز ذلك التناقض بالخصوص عندما تعرض في حلقة من حلقات هذا المسلسل إلى يوم القيامة، فظهرت لنا المفارقة العجيبة بين شعور الإنسان وإيمانه بهول هذا اليوم وتناسيه وعدم التفكير فيه في نفس الوقت، وكأن هذه الحلقة اقتباس من قوله سبحانه وتعالى في سورة لقمان: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ (لقمان: 32).
* مسلسل آخر يحمل فكرةً جيدةً ومضمونًا جيدًا هو مسلسل «بشاير» الذي يعرض حوالي منتصف الليل؛ حيث يتصدى هذا المسلسل بأسلوب كوميدي شيق إلى فكرة الاستهلاك والتنافس فيه والافتخار بما يجمع من قشور الحضارة الصناعية، كما يحذر بطريقة غير مباشرة من الانخداع ببهرج المدنية وزينتها وأضوائها التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تزيد الإنسان همًّا وكدًّا، وتجعل حياته جحيمًا لا يطاق، ويدعو بالمقابل إلى الاستثمار في الأرض، والعودة إلى الأصول من خلال فصل القصة، ذلك المهندس الزراعي الذي تغرب مدة خمس عشرة سنة؛ ليجمع رأسمال يمكنه من تحقيق حلمه، وهو شراء قطعة أرض بور يحرثها ويعمل بها ليلًا ونهارًا؛ ليجعل منها جنة خضراء. ومعلوم أن النزعة الاستهلاكية هي السائدة في مجتمعاتنا النامية، وقد شجعت عليها عدة عوامل لا يتسع المقام هنا لشرحها.
ونحن متفائلون بما بقي في جعبة التلفزيون الكويتي من مسلسلات وبرامج ينوي عرضها في النصف الثاني من شهر رمضان.
برامج القناة الثانية ما لها وما عليها
بالنسبة لما يعرض على القناة الثانية هنالك مسلسلات كثيرة تضفي على روح المغامرة هالة من الإكبار والتعظيم، وتجعل المشاهد ينظر بكل إعجاب إلى أبطال المغامرة، حتى لو كانت هذه المغامرة خارجة عن حدود النظام والأخلاق، وإذا كانت الحبكة القصصية جيدة في هذا المسلسلات مثل مسلسل المليونيرة ومسلسل «فالكن كريست» وغيرها إلا أن العناصر الفنية توظف لخدمة قيم وأفكار لم تكن تمت بصلة إلى مجتمعنا الإسلامي، ولكنها للأسف بدأت تزحف عليه، وتتسرب له شيئًا فشيئًا، فالتركيز على المال وأهميته في صنع الحياة السعيدة، والإيحاء بوجوب الحصول عليه بأية وسيلة إنما يخدم المادة التي تتنافى مع ديننا الحنيف، يضاف إلى ذلك ما نشاهده أحيانًا من مشاهد فاضحة كتبادل القبل والأحاديث الغرامية التي يخجل المرء أن يشاهدها وهو وسط أفراد عائلته، والأدهى من ذلك بعض الألفاظ البذيئة والساخرة بصفة عامة من بعض المقولات الدينية، والتي لا تنم إلا عن إلحاد وكفر والعياذ بالله، وهذه يمررها المترجم حتى لا يجرح شعور المشاهد المسلم، وقد غاب عنه أن الكثير منا في هذه الأيام أصبح يفهم اللغة الإنجليزية حتى لو لم يتكلمها أو لم يكتبها.
لذلك نرى أنه من واجب مرقبة البرامج ألا تراعي فقط قوة هذه المسلسلات والأفلام الأجنبية من حيث عناصرها الفنية ونجومية أبطالها، بل أن تأخذ بعين الاعتبار كذلك مضامين هذه الأعمال الفنية وأهدافها التي ترمي إليها، والقيم والأفكار التي تدعى إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتعمل على غرسها في عقول المشاهدين.
إننا ندعو إلى الحرص على انتقاء المادة التلفزيونية من منطلق أهمية الدور الذي يلعبه التلفزيون في حياتنا؛ حيث إن هذه المادة الحية التي نسمعها ونراها على الشاشة الصغيرة تتغذى عليها عقولنا وأذواقنا، وتتفاعل مع أحاسيسنا ومشاعرنا كمسلمين لنا معتقداتنا وأفكارنا وقيمنا، وإبداؤنا لهذه الآراء إنما يندرج في إطار طموحنا لما هو أفضل وما هو أجود وأنفع للناس. عمومًا مثلما ذكرنا في البداية فإن دورة رمضان لهذا العام قد شهدت تحسنًا كمًّا وكيفًا، وإن كان البعض قد اعترض على بعض ما جاء فيها، ونحن وإن كنا نؤمن بأن إرضاء الجميع غاية لا تدرك، فإن إرضاء الأغلبية طموح يجب السعي إليه وتحقيقه بقدر الإمكان، ولعل التفاعل الذي رأيناه أخيرًا بين الصحافة والتلفزيون، والمتمثل في النقد الذي وجهته بعض الصحف اليومية لدورة رمضان يعكس اهتمام الجميع بهذه البرامج التلفزيونية، ورغبتهم بأن يقدم التلفزيون دائمًا المفيد والممتع والأفضل والأجود، وعسى أن يرضي ما تبقى في هذه الدورة أصحاب الاعتراضات المشروعة.