; البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون.. نقد وتحليل | مجلة المجتمع

العنوان البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون.. نقد وتحليل

الكاتب عبد الله بن سالم الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1975

مشاهدات 64

نشر في العدد 234

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 28-يناير-1975

البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون نقد وتحليل تعتبر الإذاعة في العصر الحاضر حجر الزاوية في الإعلام والثقافة بل والدعاية، نظرا لأنها تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، بعيدين كانوا أم قريبين، زيادة على أنها تدخل دون استئذان كل بيت، وتطرق دون حاجب كل أذن، فهي كامنة في أجهزة الالتقاط كمون النار في الهشيم ما تكاد تدير مفتاحها حتى تتسابق إليك الإذاعات وتتزاحم. فالإذاعة خادم ومرافق لكل فرد، والدين ثقافة ومنهج لكل إنسان، ومن هنا كان للإذاعة دور كبير في نشر هذه الثقافة وذلك المنهج، وحملهما إلى اتباعهما وروادهما. كذلك فإن ساعة في إذاعة خير من ألف ساعة على منبر، أو مئة كتاب في خزانة، فالمنبر مهما حشدت حوله من حضور، والكتاب مهما زدت في عدد نسخه لن يصل أي منهما إلى ما تصل إليه ومن تصل إليه ذرات الأثير، وموجات الصفير. لذا كان من الضروري جدا أن نعول على استخدام الإذاعة (الخادم) في كل ما يتقدم للسامع الفائدة والثقافة، وكان من ألزم الواجبات أيضا أن ترتفع بمستوى البرامج الدينية المذاعة إلى مستوى من الاختصار الذي يبتعد بالسامع عن الملل، والتشويق الذي يدفع به إلى المتابعة، والعمق الذي يحول الكلمة إلى تأثير فيه واستجابة منه. برامجنا الدينية: ويؤسفني جدا أن أضيع في متاه حين أتعرض لبرامجنا الدينية المذاعة و«المتلفزة» هذا المتاه الذي تشعب إلى ثلاث شعب. 1- فإما أن يتعرض لهذه البرامج غير أصحاب الاختصاص بها، وتكون النتيجة بالتالي أن نخبط خبط عشواء، ونلقي بالكلام على عواهنه دون النظر في صحته أو خطئه. وأضرب لذلك مثلا: في يوم عيد الأضحى الفائت، وحوالي الساعة التاسعة والنصف صباحا عدت بعد صلاة العيد ومعايدة الأصدقاء لتناول الفطور، وعن ببالي فتح المذياع فإذا أنا ببرنامج للأطفال تقدمه إحدى المذيعات المعروفات كان الحوار يدور بينها وبين بعض الأطفال وفيما هي تشرح لهم أن العيد مرتبط بالحج الذي هو أحد أركان الإسلام أخذت تعد هذه الأركان الخمسة: 1- شهادة أن لا إله إلا الله. 2- وأن محمدا رسول الله. 3- إقام الصلاة. 4- صوم رمضان. 5- حج البيت. ومضت في الحديث دون أن تتبنه إلى ركن الزكاة الذي حذفته ووضعت مكانه «أن محمدا رسول الله» التي هي جزء من الركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله… وقد يكون هذا خطأ عابرا منها إلا أنني تساءلت: أين المراقبة، أم أن المراقبة غافلة عن أمثال هذه البرامج؟! ومهما أردنا أن نبرر هذا الخطأ فهل نستطيع تبرير غلطة أخرى في نفس البرنامج ونفس الوقت. قالت المذيعة وهي تريد توضيح فكرة الأضحية… أن سيدنا إبراهيم رأى في منامه أنه يذبح ولده إسماعيل فقام من فراشه وعمد إلى ولده ليذبحه، فانظروا يا أطفال كيف أن إبراهيم ذبح ولده وفلذة كبده أن رأى في المنام ذلك سبحانه أمره بذبحه؟!… إن هذا لمن أعجب العجب… فهل إبراهيم لم يؤمر بالذبح، وإنما انساق وراء أضغاث أحلام تمثلت له في المنام… أعتقد أن من يفعل ما يراه وهو نائم لمجرد حلم هو إنسان سخيف جدا، أما إبراهيم عليــــه السلام فقد كان نبيا رسولا، ومعروف لكل مؤمن بالأديان السماوية أن رؤيا الأنبياء حق لا تكذب، بل قد تكون أمرا إلهيا، وهذا هو السبب في تصميم إبراهيم على تنفيذ رؤياه… وانظر إلى قول إسماعيل عندما شاوره أبوه في أمر ذبحه قال: يا أبت افعل ما تؤمر. كما أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. ولقد سألت نفسي عن السبب في هذين الخطئين المتلاحقين، فكان الجواب هو جهل المذيعة بالدين وقواعده، ومن جهل شيئا لا يجوز له الخوض فيه. 2- وأما أن يتعرض للبرامج الدينية أصحاب الاختصاص، ولكـن دون أن يتم التدقيق فيها بشكل جيد قبل عرضها أو إذاعتها، وهذا يفسح المجال لبعض الأخطاء التي قد لا يمكن احتمالها أو السكوت عنها، وخير مثال هنا ما رأيته على شاشة التلفزيون في برنامج ديني يرد فيه أحد العلماء الأفاضل على الأسئلة، ولما سئل عن الترحم على الكافر والاستغفار له بعد موته أجاب بأن هذا لا بأس به ولا مانع منه، بل وأسهب فضيلته في الشرح، مع أن الله سبحانه قال في قرآنه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة:113) ويرد الله على الاستشهاد باستغفار إبراهيم لأبيه ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ ﴾ ولو أن هناك مراجعة لهذا البرنامج -وأمثاله- من قبل لجنة خاصة لما فتح المجال أمام هذه الزلات والأخطاء وثمة نوع آخر من الأخطاء... أذكر مرة أن أحد الابتهالات لسليمان داود الذي يدعوه المذيعون وكل صاحب دعاء ديني بالشيخ وما هو من العلماء أبدا، كان يدعو الله سبحانه في ابتهاله أن يغفر الذنوب والخطايا، ثم ختم ابتهاله بما معناه يا رب إنك تعلم أن ذنوبي كانت بتقدير منك ولا دخل لي فيها ولا إرادة، وهذا كلام لا يصح في الإسلام أبدا، فالله تعالى يقول﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التحريم:7) ولا يعقل أن يحاسب الله على عمل حملك عليه حملا، وقسرك قسرا 3- وثالثة الأثافي أن نهمل طريقة تقديم البرامج الدينية ونهمل أهمية روعة الإلقاء وتأثير فن الإخراج، فمن المعلوم أن أي برنامج إذاعي يحتاج إلى قالب فني يصاغ فيه ليكسبه جوا من التشويق والمتعة تشدان السامع إلى جهاز الراديو وتدفعان به إلى الإنصات. والبرامج الدينية عامة تحتاج إلى تشويق وإمتاع وجاذبية، فهي دسمة المواضيع صحيحة الفكرة سليمة الهدف إلا أن هذا لا يكفي، فالسامع العادي لن تهمه وتستوقفه إلا إذا أثرت في كوامن العواطف وشهية الاطلاع ورغبة المتابعة. ونستطيع توفير شيء من هذا بالإلقاء الجيد، والسبك المتراص والعمق المناسب والموضوع الحيوي فإذا أضفنا إلى ذلك الوقت المناسب والإخراج الإذاعي الناجح والانتقام الموفق، نكون وصلنا إلى نصف الحل وأقول نصف الحل. أي نكون وفقنا إلى رفع مستوى البرامج الدينية إلى مستوى البرامج العادية التي تستقطب عددا من المستمعين المدمنين على استماعها. كذلك فإن مما لا يرضي الذوق أبدا بل ويشوه الدين أن نزج بتلك البرامج «الخاصة» في جو غير مناسب وبصورة غير مدروسة، وهذا ما يحدث عندما يوضع ابتهال «مثلا» ديني باهت عقب مجموعة أغان متأججة مما يحدو بالمستمع إلى إقفال المذياع أو الانصراف عنه، وهو نفسه ما يحدث عندما يقطع مسلسل شيق في التلفزيون للإعلان عن موعد الأذان فترى المشاهدين قد علت وجوههم علائم السخط والإشاحة... خاصة الشباب والأطفال. وبالطبع فأنا لا أدعو إلغــــــاء الابتهالات أو الإعلان عن موعد الأذان بل أدعو إلى تهيئة الجو المناسب لهما، فالابتهال يحتاج إلى ما يمهد له من برنامج فكري أو حتى فاصل كلامي والأذان يجب أن لا يقطع بسبب برنامج شيق، ففي هذا أكبر تحريض للناس وإثارة سخطهم وإنما على المشرفين ترتيب برنامج ينتهي قبل موعد الأذان ثم ليسبق الأذان حديث قصير يمهد الجو، ليحتل الأذان مركزا مقبولا ومحببا. ومن قبيل التشويه ما يتبع بعض البرامج الدينية أحيانا من أغان خليعة أو إعلانات مثيرة صارخة، تجعل المستمع أو المشاهد ينتقل من جو الخشوع والطمأنينة إلى جو الإثارة فجأة وبشكل يعني على أي أثر قد يتركه البرنامج الديني في النفس. متطلبات جديدة للحياة: والمطلوب منا نحن الذين نتعرض للتوجيه الديني إزاء النقلة الواسعة التي قلبت حياتنا ومجتمعنا رأسا على عقب، أن نتأقلم مع هذه الحياة وأن نفهم طبيعة هذا المجتمع لنلم شمل صفوفنا الممزقة، ونوحد صوت كلماتنا المتضاربة، وأن نواكب الظرف الذي نعيش فيه، ولا نبقى نراوح في أماكننا القديمة أو نصر على التمسك بخلفيات تشدنا إلى الوراء وتمنعنا من الانطلاق والانفتاح. فهذه النقلة الواسعة والتغيير الجذري قد غيرتا كثيرا من القيم والمسلمات لتضع مكانهما قيما ومسلمات أخرى تحتاج منا إلى تأمل عميق وتفحص شامل. وإذا كان حديثنا حول البرامج المذاعة فإن هذه الأحاديث يجب تشملها أيضا ضرورة التغيير، إن لم يكن في المضمون وهو غير ممكن أحيانا ففي الأسلوب والطريقة. وأنا أعني بالتغيير في البرامج الدينية أن نتناول بها المواضيع التي تهم المسلم ذا الثقافة العادية والمتوسطة، سواء في مجال الفكر أو الحياة أو القانون أو السياسة. فتناول هذه «المواضيع الحياتية» كطبيعة العقيدة الإسلامية، وأسس المجتمع الإسلامي، أو أهمية تنظيم حياة الفرد المسلم، أو وجوب استغلال الوقت كعنصر ثمين لا يعوض، أو قضايا العمل والمرأة والإيجار في الإسلام…الخ. إن تناول هذه المواضيع الحياتية التي يعاني منها أو يعيش معها كل فرد يعطينا جسرا إلى آذان المستمعين أو همزة وصل إلى قلوبهم، ليلقوا إلينا بأسماعهم ويقربوا منا بقلوبهم. إن الإنسان إنما هو مجموعة انفعالات وأحاسيس وأفكار، وإذا وفقنا إلى طريقة ناجحة للتعامل مع انفعالاته وأحاسيسه وأفكاره فإننا سنحتل المركز الأول في سلم الأولويات في حياته،.. أما أن نعامله كما نريد دون الاستجابة لما يريد هو في أعماقه، فستبقى صرخاتنا ضائعة في واد، وجهودنا تتبدد وكأنها نفخ في رماد.
الرابط المختصر :