العنوان ماذا يجري في مصر؟ «احتمالات الفهم والتفسير»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1977
مشاهدات 66
نشر في العدد 334
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 25-يناير-1977
انفجر الموقف -جملة واحدة- في مصر، ففي منتصف الأسبوع الماضي اهتزت أرض مصر بمواكب ومظاهرات صاخبة عاصفة لم تشهد مصر مثيلًا لها منذ انقلاب ۲۳ يوليو عام ١٩٥٢.
كانت المظاهرات كبيرة الحجم، عنيفة الأسلوب، طويلة زمنيًا وهو وضع لم تستطع السلطة أن تواجهه بإجراءات استثنائية كإطلاق الرصاص، وإنزال الجيش إلى الشوارع، وفرض حظر التجول.
وكانت «مناسبة» اندلاع المظاهرات: رفع أسعار مجموعة من السلع فقد كانت قطاعات من المظاهرات تنادي بتخفيض الأسعار.. وتوفير الضرورات للفئات الفقيرة. وقولنا: أن رفع الأسعار كان «مناسبة» للانفجار الشعبي العام يعني أن «الأسباب» كانت موجودة. وفرق كبير بين المناسبة والسبب.
فتوجه بعض المظاهرات إلى بيوت بعض المسئولين وإحراق مظاهر الترف فيها.. ثم التوجه إلى ملاهي شارع الهرم وبعض المؤسسات السياحية.. إلخ والاحتجاج على كل ذلك بأسلوب عنيف. هذا السلوك لا يمكن أن يكون قد ولد بين يوم وليلة – أي في الفترة ما بين رفع الأسعار واندلاع المظاهرات.
إن أسبابًا دفينة تكمن وراء هذا السلوك، سواء اعتمدنا -في التحليل- معايير مدرسة التحليل النفسي، أو منهج التحليل الاجتماعي، أو قواعد التحليل السياسي، أو وضعنا في الاعتبار: تراكمات المرحلة التاريخية.
من هذه الأسباب:
- البؤس الذي يلف الشعب المصري. ويطحن رجاله ونساءه وأطفاله.
ونحن نعرف مدى تأثير «البطون الجائعة» في التغييرات الاجتماعية.. قديمًا وحديثًا.
- الفساد الذي يتحدى الضمير الشعبي ويستخف به أيما استخفاف.. الفساد المالي أو الاجتماعي أو الإداري. أو الفني.
إن الفساد يشكل وضعًا مناهضًا «لفطرة الإنسان» ومن ثم تكون النقمة عليه متوقعة في أية لحظة.
- التفاوت الطبقي الذي يزيد المتخمين.. تخمة.. ويزيد المحرومين.. حرمانًا.
والناس -أي ناس- قد يقبلون بالحرمان بشرط أن تكون هناك مساواة في الحرمان أما أن تتمتع قلة بكل شيء. وتحرم الكثرة من كل شيء فهذا هو الاستفزاز الذي يشعل المشكلات.
- الوعود الكثيرة المخيبة للآمال. فعقب حرب أكتوبر أغرق أولاد أمين -والإعلام عمومًا- المجتمع المصري بوعود عن المعونات الأمريكية الضخمة لمصر.
وفي كل يوم كانوا ينشرون أرقامًا ضخمة عن حجم هذه المعونات. وهي أرقام تشكل – في مجموعها- ازدهارًا اقتصاديًا يجعل مصر واحدة من أكثر الدول تقدمًا في العالم.
لكن هذه الوعود كانت وهمًا في وهم، ومن ثم ارتدت خيبة أمل عميقة في نفسية الشعب.
احتمالات
مع التسليم بوجود هذه الأسباب ينشأ سؤال قوي وهو: من الذي استثمر هذه الأسباب؟ ولمصلحة من كانت هذه الانفجارات؟
وما المقصود منها؟
هناك جملة احتمالات مطروحة.
- أن هذه المظاهرات والأحداث كانت عفوية تلقائية، نابعة من الشعب ذاته.
ومنطق هذا الاحتمال يتلخص في:
- أن شدة الضغط تؤدي إلى الانفجار تلقائيًا.
- أن التراكمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية عبرت عن نفسها في مراحل تاريخية كثيرة بطريقة عفوية.
- أن رفع الأسعار مناسبة كافية لإحداث الانفجار.
- الاحتمال الثاني: أن الشيوعيين كانوا وراء الأحداث والمظاهرات فالشيوعيون دومًا -يقول الاحتمال- يستغلون الظروف السيئة للشعوب. وظروف الشعب المصري هي أنسب مناخ للتحرك الشيوعي.
جـ - الاحتمال الثالث: أن النظام كان وراء الأحداث ومنطق هذا الاحتمال يتلخص في: أن الأحداث الكبيرة ستتخذ كمبرر جديد لطلب معونات اقتصادية كبيرة.
قرائن هذه النقطة:
- أثناء الأحداث وجهت لجنة الميزانية في مجلس الشعب المصري إلى صندوق النقد الدولي وإلى أمريكا وأوروبا والبلدان العربية النفطية.. نداء تطلب فيه تقديم عون اقتصادي عاجل لمصر.
- أثناء الأحداث كتب توفيق الحكيم مقالًا يطلب فيه من الدول العربية النفطية أن تسارع إلى إنقاذ مصر بعائدات النفط.. وإلا فإن آبار الذهب ستتحول الى آبار لهب.
- قبيل الأحداث كتب إحسان عبد القدوس قصة بعنوان: «أرجوك خذني من هذا البرميل» شن فيه هجومًا سياسيًا- بأسلوب فني- على دولة نقطية.
- وجه شيخ الأزهر نداء إلى دول عربية نقطية يناشدها فيه إنقاذ مصر من المشكلات الاقتصادية التي يستغلها الشيوعيون لتحقيق مآربهم.
- كتب مصطفى أمين مقالًا وضع فيه خيارين: أما أن تقدم الدول العربية النفطية أموالًا كافية لمصر.. وأما أن تنسحب مصر من الصراع مع العدو الصهيوني.
- سبق الأحداث ولحقها حديث طويل ومتشعب عن المصاعب الاقتصادية التي تمر بها مصر.
- التعجيل بالحل السلمي.. أي كأنما كانت الأحداث خطابًا مفتوحًا إلى أمريكا. والعدو الصهيوني. والفلسطينيين. ينذرهم بأن «زوال النظام» يعني ضياع فرص الحل السلمي. وحتى لا يحدث ذلك ينبغي التعجيل بالحل.
- إلغاء الحرية النسبية الموجودة. أي كأنما الأحداث بمثابة تمهيد لإلغاء هذه الحريات النسبية.
الترجيح يحتاج إلى مزيد من المعلومات
احتمال العفوية.. معقول. لكن ليس معنى ذلك إسقاط عامل التدبير.
نقول بالعفوية في المسيرة والحجم لا في البداية والقصد.
ولا ننكر أن الشيوعيين يريدون تكوين رصيد شعبي لهم. خاصة بعد أحرقوا أنفسهم بالارتباط بالسلطة.
بيد أن الأحداث كانت أكبر من حجم الشيوعيين.
إنه لمن الغباء السياسي والإعلامي: منح الشيوعيين في مصر هذا الحجم الضخم.. فالتهويل في السياسة له نفس مخاطر التهاون والتصغير.
لئن كان هؤلاء هم الذين فعلوا كل الأحداث التي وقعت في الأسبوع الماضي في مصر فتفسير ذلك أنهم:
- قادة الشعب المصري وموجهوه.
- أبطال يقودون الشعب المصري إلى نيل حقوقه في الغذاء والكساء والدواء وفرص العمل والحياة الكريمة.
ومن هنا نشأ احتمال إضافي موجزه: أن الرابح من هذه الأحداث جهتان:
- النظام الذي سيظفر بمعونات اقتصادية.
- الشيوعيون الذين أضفى عليهم الإعلام صفات البطولة وبوأهم مراكز القيادة الشعبية.
وهو ربح سياسي شعبي لا يلغيه بيان شيخ الأزهر. ولا المعتقلات.
ومن المفارقات أو الموافقات أن الشيوعيين في مجلتهم «روز اليوسف» قد كتبوا –قبل الأحداث بأسبوع- عن حريق القاهرة عام ١٩٥٢ فهل هذا توافق عفوي؟
هل كانوا يعلمون بما سيقع بعد أسبوع؟
وهل هم من الغباء بحيث يكشفون مخططهم قبل التنفيذ بأسبوع. أم أنهم كانوا مطمئنين لوعد ما؟
على كل حال: الترجيح بين الاحتمالات يحتاج إلى مزيد من المعلومات
في الحلول
ولكن ما هي الحلول.
إن الترقيع لا يفيد.
نعني بالترقيع: التغييرات الوزارية. والقروض، والمسكنات والمهدئات إن حرب أكتوبر كانت بريقًا، ولكن بريقها قد انطفأ في زحمة المتاعب ووسط ضجيج البطون الجائعة.
لا بد من حل حقيقي جريء يتمثل في:
- اعتماد مصر على الإنتاج الذاتي لا على القروض. ذلك أن القروض جهد غير ذاتي.
وليس هناك أمة نهضت بجهود غيرها.
نعم: نحن نطالب العرب الأغنياء بالمشاركة في تنمية مصر وغير مصر من العالم العربي –الإسلامي.
بيد أن القاعدة الأصلية في النهضة هي:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)
وهذا المعنى يقودنا إلى الفقرة التالية.
- الإدارة الطاهرة على كافة المستويات. فمصر تحتاج إلى قيادة تضرب المثل والقدوة في التقشف واستقامة السلوك. وتقدير حرمة الأموال العامة.
- العدالة في توزيع الموجود.. الزيت، الرز، الدجاجة، الغرفة، سرير المستشفى، إلخ.
وهذه الحلول لا تتحقق إلا في إطار شامل ينتظمها جميعًا وهو: الإسلام. فبالإسلام يندفع الشعب الى الإنتاج لأن دوافع العقيدة ترفع مستوى الإنسان للعمل من أجل إعمار الدنيا والظفر برضوان الله في الدار الآخرة.
والإسلام هو الذي يطهر الإدارة كلها ويجعلها قدوة فاضلة للشعب.
والإسلام هو الذي يوفر العدالة فعمر - رضي الله عن عمر- كان لا يأمل السمن ولا اللحم ما دامت البيوت الفقيرة لا تحصل عليه.
وهذه الحلول تنسحب على كل الدول العربية ومن ثم ننادي بتطبيقها في هذه البلدان لأنها إذا وجدت نفس الأسباب حدثت نفس النتائج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل