العنوان انحراف شبابنا خطر يهدد بلادنا
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 76
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 60
السبت 22-سبتمبر-2012
في عام ١٩٦٢م، صرح «كيندي» الرئيس الأمريكي أنذاك، أن مستقبل أمريكا في خطر، لأن شبابها غارق في الشهوات، وأنه من بين كل سبعة شباب يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الجسمية والنفسية.
وفي العام ذاته صرح «خروشوف» بأن مستقبل الاتحاد السوفييتي في خطر، وأن شباب روسيا لا يؤتمن على مستقبلها؛ لأنه منحل، وغارق في الشهوات.
ولقد نبهنا القرآن الكريم إلى خطورة هذا الأمر وحذرنا منه، فقال سبحانه: ﴿ ۞ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: 59)
وها هو ذا «لويس التاسع عشر» بعد رجوعه من حملته الثانية الفاشلة على مصر يقول: «إنكم إذا أردتم السيطرة على المسلمين، فلا تستخدموا المدافع والرشاشات والقنابل فذلك لا يؤثر فيهم، ولكن سيطروا على عقائدهم حتى تستطيعوا أن تسيطروا عليهم».
والشباب هم وقود النهضة لكل أمة، وهم حماة حدودها، ورجال مستقبلها، لذا فقد صوب الأعداء سهامهم لشبابنا بنين وبنات.
لا يكاد بيت عربي يخلو من مراهق أو مراهقة، حيث تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن نسبة المراهقين في البلاد العربية تتراوح بين ٢٠٪ إلى ٣٠٪ من السكان، وكثير من البيوت العربية تشكو انحراف مراهقيها، فالأب يشكو، والأم تشتكي، وتلك حقيقة قد تزعج قارئيها وتؤلمهم، ولكن مواجهتها وعلاجها هي الحل السليم، وليس العلاج أن نحاكي النعامة حين تدفن رأسها في التراب.
أجل.. إن كثيرًا من ولاة الأمور يؤثرون الصمت، ويفضلون أن يخفوا الحقيقة
لاعتبارات اجتماعية، خشية الفضيحة والعار، برغم أنهم يعلمون يقينًا أن أولادهم منحرفون فلا يفعلون لهم شيئًا، وخير لهم أن يواجهوا الحقيقة مهما زادت مرارتها واشتدت آلامها، أحرى بهم أن يعترفوا بانحراف أولادهم، لا أقول يذيعون ذلك ويشيعونه، بل أقصد بالاعتراف هنا أن يقروا بذلك في أنفسهم، ولا يتناسوه، وأن يسلكوا طريق العلاج، وأن يصارحوا أهل التخصص والتشخيص والعلاج، بدلًا من أن يكون مصير المراهق في النهاية السجن أو مؤسسة الأحداث أو يصير مجرمًا صغيرًا، فردًا مدمرًا غير سوي، يعيش عالة على المجتمع وليس منتجًا وعضوًا بناءً فيه.
منبت المشكلة
هل يولد الإنسان منحرفًا؟ إن هذا السؤال يضع أيدينا على منشأ المشكلة ومنبتها، فالمراهق الذي الحرف في الحقيقة لم يولد منحرفًا، بل تسبيت الأسرة وخاصة الأبوين في انحرافه بشكل مباشر أو غير مباشر، لأن الأسرة هي المؤسسة الأولى والأعظم تأثيرًا في بناء شخصية أولادها، ومشكلة ولاة الأمور في بيوتنا العربية أنهم لم يدركوا أهمية التربية وفنونها وأهمية مرحلة الطفولة، وخطورة مرحلة المراهقة، وضرورة الاهتمام بتنشئة الأبناء والبنات، وهم أي الأباء والأمهات لا يدركون أهمية أدوار الأسرة في تشكيل شخصية الفرد، وتثبيت قناعاته ومرجعياته الثقافية، وغرس القيم الإيجابية في نفوس الأبناء، وحتى ولاة الأمور الذين يدركون أهمية هذه الأدوار لا يدركون فنون ذلك وآلياته.
من صور الانحراف
تتنوع صور الانحراف وتتدرج من البساطة إلى التعقيد، ومن أهم صور الانحراف وأكثرها انتشارًا وشيوعا في بلادنا:
١- الهروب من المدرسة:
فكثير من أولادنا، وخاصة الأبناء في المرحلتين المتوسطة والثانوية يهربون من المدرسة، ولذلك دواع وأسباب كثيرة، من أهمها: غياب دور الأسرة، وعدم المتابعة، وضعف اتصالها بالمدرسة، وكذلك البيئة المدرسية، وقسوة بعض المعلمين، والملل من المقررات الدراسية، والصحبة السيئة، لذا ينبغي لولاة الأمور توثيق الصلة بالمدرسة ومتابعة أولادهم، وإعطاء حوافز ودوافع متنوعة للأولاد تحبب المدرسة إلى نفوسهم، وتحملهم المسؤولية.
٢- المخالفات المرورية:
فكثير من المراهقين يستهترون بقوانين المرور ويقترفون مخالفات مرورية خطيرة، وهم عندما يرتكبونها لا يدركون خطورتها عليهم وعلى الآخرين، فيتجاوزون السرعات المحددة، ويخترقون الإشارة الحمراء، ويتعمدون «التفحيط» أو «التجحيص».. أي إصدار أصوات مخيفة ومزعجة نتيجة توقفهم فجأة بالسيارة عند السرعات العالية، بل إن كثيرا من أولياء الأمور يسمحون لأبنائهم بقيادة السيارة قبل الحصول على إجازة القيادة من المرور، وقد يترتب على ذلك إزهاق للأرواح، وتبديد للأموال، وسجن، وضيق ونكد!! وذلك كله منشأه تساهل ولاة الأمور.
٣- المعاكسات والمغازلات:
تلك مشكلة لا ينجو منها من شبابنا وبناتنا- إلا من رحم ربي وعصم، حتى صرنا ترى الفتاة تغازل شابًا، وإن كانت معاكسة الشباب للبنات هي الأكثر انتشارًا، ولكن عندما تأتي المعاكسة من الفتاة الأنثى التي عرفت في البيئة العربية بحيائها فذلك ناقوس خطر يطرق أذان ولاة الأمور وجميع المسؤولين، فمشكلة المعاكسات تمثل خطرًا يهدد المستقبل الدراسي والأخلاقي للأمة، وتمتد خطورته لكلا الجنسين الذكر والأنثى على السواء، والعجب أن كثيرًا من الأسر على علم بذلك ولا لا يحركون ساكنًا.
ولقد تحاورت كثيرًا مع شباب من هؤلاء الذين يمارسون المعاكسات، فكنت أسأل الشاب: هل تقبل أن يعاكس شاب أختك؟ فيجيب على الفور: لا، فأقول له: كيف ترضى على غيرك ما لا ترضاه على نفسك؟ فيصمت، وربما يكون رد فعل معظمهم أن يبتسم ابتسامة خفيفة، لا أستطيع قراءتها بدقة، فهي أحيانًا تعبر عن خجل بعضهم، أو الاعتراف بضعفه وتقصيره أو الجهل بالرد أو الاعتراف بالخطأ ويطلب مني الدعاء، وهؤلاء أفضلهم.
ولقد زادت التكنولوجيا من هذه المشكلة، لتوافر الهواتف المحمولة، وانتشار الحاسوب والإنترنت ووسائل الاتصال.. ذلك كله ساعد على تيسير المعاكسات وهذا الأمر يحتاج إلى توعية من ولاة الأمور وتبصرة وتدريب على استثمار مثل هذه الوسائل فيما يفيد وتجنب أضرارها.
وقد يتطور الأمر ويتفاقم، ويتحول إلى لقاءات أو تحرشات، وتجوال في الأسواق، لا لهدف، وإنما لخدش حياء بنات الناس، وخوض مغامرات قد تؤدي إلى الهلاك.
إن المراهق غالبًا ما يعيش صراعًا داخليًا حول جسده وأفكاره التي تصطدم بأفكار الكبار وضوابط الأسرة والمجتمع، هذا حال كثير من المراهقين، والحق أنه ليس جميع المراهقين يعيشون أزمات، لكن مرحلة المراهقة بوجه عام في مرحلة يضطرب فيها المراهق بدرجة أو بأخرى، لأنه يشعر بميلاد جديد، ومرحلة مختلفة عن سائر مراحل الطفولة التي عاشها سلفًا، حتى أن بعض الكتاب والمفكرين وصف هذه المرحلة بأنها ثورة ميلاد.
يقول يوسف إدريس في مقاله بجريدة الأهرام المصرية في يوم ٣/٩/١٩٧٧م: «يخيل إلينا في بلادنا العربية أننا أكثر الشعوب جهلًا في مواجهة هذه الثورة، ثورة الشباب، لم ندرك أنها ليست مسألة هينة مسميها مشكلات المراهقة، وما هي بمشكلات، وما هي بمراهقة وإنما هي ثورة ميلاد».
٤- التدخين وتعاملي المخدرات:
تشير الإحصاءات في العالم العربي إلى أن من المدخنين بدؤوا قبل سن الثامنة عشرة وأضرار التدخين معلومة، وقد تؤدي إلى أمراض تقضي إلى الموت وفي حالات كثيرة وخاصة لدى المراهقين- يتطور التدخين إلى تعاطي المخدرات من خلال السيجارة أو بطرق أخرى، وغالبًا ما يكون الرفيق المراهق سببًا أساسيًا في الأخذ بيد رفيقه إلى هذا الطريق المدمر، وليت هؤلاء الشباب وولاة أمورهم يوقنون أن هذه الفئة من شبابنا مستهدفة من قبل أعدائنا، وخاصة ذوي الأعمار التي تتراوح بين ١٢ و ٣٥ سنة.
٥- العنف والعدوانية:
فكثيرًا ما يشكل المراهقون مجموعات «هي ما يسمونها الشلة»، ويكون بين أفراد المجموعة الواحدة اتفاق بمقتضاها يتدخل الجميع لحماية الفرد ورد العدوان الواقع عليه من أي فرد من مجموعة أخرى، ولهذا العنف والعدوانية مظاهر أخرى كثيرة كالتخريب والسرقة، وإيذاء الآخرين، والكيد لهم.
وتشير الدراسات العلمية بإحدى الدول العربية إلى ترتيب مشكلات الانحراف تنازليًا حسب شيوعها كما يلي: السرقة (٣٥٪)، ثم التشاجر (٢٠٪)، فالانحرافات الأخلاقية (١٥٪) ثم بقية الجنح كالمخالفات المرورية، والهروب من المنزل، وقضايا المخدرات، بيد أن كاتب هذا المقال يرى أن مشكلة المخدرات صارت الآن أكبر خطرًا وأوسع انتشارًا في عالمنا العربي وتحتاج إلى وقفة حاسمة، وعلاج ناجح.
بعض الحقائق عن المنحرفين المراهقين:
(١) العمر:
تشير دراسة عبد الله السدحان التي أجراها على إحدى دول الخليج أن ٦٠٪ من الأحداث المنحرفين تتراوح أعمارهم بين ١٦ و۱۸سنة، وأن ٣٥٪ منهم تتراوح أعمارهم بين ١٣ و ١٦ سنة.
(٢) المستوى التعليمي:
أشارت الدراسة السابقة إلى ارتباط الانحراف بتدني المستوى التعليمي للمنحرف حيث كان ٩٠٪ من المنحرفين دون مستوى المرحلة الثانوية، وأن ١٠٪ فقط هم الملتحقون بالمرحلة الثانوية، وأن 10٪ منهم أميون.
حيث تشير الدراسات العلمية إلى أن ١٠٪ من الأحداث المنحرفين فقط ينتمون إلى أسر تسكن بأحياء راقية، وأن 90% منهم يسكنون الأحياء الفقيرة والمتوسطة.
عوامل الانحراف
(1) غياب دور الأسرة: فقد أثبتت الدراسات أن أكثر المنحرفين ينتمون إلى أسرة مفككة، حيث أكدت أحد الإحصاءات أن ٧٥٪ من هؤلاء المنحرفين انحدروا من أسر مفككة، حيث يكون لدى هؤلاء استعداد كامن للانحراف، وبمجرد أن تحين الفرصة مارسوا الانحراف.
(۲) غياب دور المدرسة: فعلى المدرسة دور تربوي مهم وفعال في تربية النشء، وتقويم السلوكيات وغرس القيم، والملاحظ أن مدارسنا وكذلك المدارس الأجنبية الموجودة في عالمنا العربي لا تؤدي أدوارها الأخلاقية تجاه تلاميذها، قلمة تغيرات كبيرة تؤثر في الطلاب لا يقابلها أدوار مؤثرة للمعلمين في تربية التلاميذ.
(۳) رفاق السوء: حيث أشارت دراسات علمية أجريت على الصعيد العربي أن ٧٠٪ من المنحرفين انحرفوا بسبب رفاق السوء، وهذا يدفعنا إلى تبصير أولادنا بمعايير الصاحب الطيب، وأن ينتج فرصًا لرؤية أصدقاء أولادنا.
(٤) وقت الفراغ: فواقع بيوتنا ينطق بعدم توجيه أولادنا لاستثمار أوقات الفراغ، والفراغ من أهم العوامل المؤدية إلى الانحراف، ومن ثم ينبغي أن ينتبه المربون وأولياء الأمور إلى خطورة هذا الأمر، والعمل على إتاحة وسائل نافعة وجاذبة لاستثمار أوقات فراغ أولادنا.
(٥) ثقافة الفضائيات: فلقد أصدرت منظمة اليونسكو تقريرًا عن خطورة برامج الإعلام على الشباب، حيث اعتبرت المنظمة أن أفلام العنف والعصابات تؤدي إلى اضطرابات أخلاقية، تدفع إلى ارتكاب الجرائم المختلفة وممارسة الانحرافات.
لعلي بهذه السطور أوقظ أولياء الأمور والقائمين على سائر المؤسسات والوسائط التربوية إلى المبادرة السريعة لعلاج هذه المشكلة، التي إن لم تواجهها بما يناسب خطورتها سيضيع شبابنا وتضيع بيوتنا وتضيع مجتمعاتنا وتضيع أمتنا، وهذا ما يخطط له أعداؤنا فلننتبه.