; الإخوان المسلمون يبثون الحيوية في الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان الإخوان المسلمون يبثون الحيوية في الانتخابات

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1422

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-أكتوبر-2000

سألني أكثر من مراقب وصحفي ومراسل عن أهمية مشاركة الإخوان المسلمين في الانتخابات الحالية وعن جدوى هذه المشاركة في ظل الإصرار الحكومي على استبعادهم من منظومة العمل السياسي وعن الخسائر المترتبة على المشاركة في ظل الترصد الأمني والمطاردات المستمرة للمرشحين والنشطاء والأنصار؟

وبينما كان انطباع أحدهم أنه لولا مشاركة الإخوان لما كان لهذه الانتخابات طعم ولا رائحة، كانت دلالة تكرار السؤال ونبرات التعاطف التي تظهر من بين طيات تعليقات المتسائلين تدل على ما يشعر به الكثيرون من أن الإخوان يقدمون على تضحيات كبيرة، بينما لا يلوح في الأفق إمكان الفوز بعدد من المقاعد يتناسب مع هذه التضحيات أو الجهود، وأحيانًا قد لا يبدو. في ظل إصرار الحكم على إقصاء الإخوان أن هناك أملًا في مجرد الفوز.

ويدور في كواليس الحزب الحاكم همس حول تعليمات يتداولها المرشحون تدل على أن التدخل الأمني السافر لصالح مرشحي الحزب الحاكم لن يتم إلا في الدوائر التي يشارك فيها مرشح من الإخوان أما بقية الدوائر الانتخابية فستترك للمنافسة الحرة، حيث لا يهتم الحكم كثيرًا بمن يفوز، فالكل سيصب في النهاية في صالح الحزب الوطني حيث يهرول إليه المهرولون. 

وقد دفع ذلك بعض المرشحين الحكوميين إلى إرسال رسائل تطلب ترشح أحد الإخوان ضدهم. توفيرًا لنفقاتهم الباهظة، وتأمينًا لنجاحهم المأمول وعلى الجهة المقابلة، نجد أن الإصرار الأمني على استبعاد الإخوان منذ بداية مقدمات الانتخابات يدل على تخوف حكومي كبير من إمكان فوز الإخوان ببعض المقاعد، مما يعرضهم الغضب القيادة السياسية التي تصر على حجب أي مقعد عن الإخوان، كما يتردد في الكواليس منذ الانتخابات السابقة في ١٩٩٥م.

 فلماذا يصر الإخوان على المشاركة إذن؟

سببان استراتيجيان:

يغيب عن كثير من المراقبين أن سياسة الإقصاء الحكومي ضد الإخوان لا تقف عند حد ما، ولا يتوقع أحد أن تتوقف عند استبعاد الإخوان عن الساحة السياسية فقط.

وفي ضوء ذلك تأتي أهمية مشاركة الإخوان کسد منيع وحائل يمنع التغول الأمني والإقصاء التام، ويجعل ميدان التنافس يظل قاصرًا على الساحة السياسية دون غيرها من بقية ساحات العمل الإسلامي التربوي والدعوي، والمسجدي، والخيري، وغيرها. إلخ.

فعندما يكون مجال التنافس وميدان المزاحمة هو جمهور الناخبين في الشارع السياسي، حينئذ تظل بقية الأنشطة مؤجلة إلى حين، وحينما يحسم أي نظام الوجود السياسي الإسلامي في الشارع فإنه سينتقل بعدها إلى نقطة أخرى أبعد مدى، حيث إن سياسة الإقصاء لا تقف عند حد 

وهذا عكس ما يقول به البعض من أن ابتعاد الإخوان عن الساحة السياسية، سيجعل الحكم أكثر ديمقراطية، وأوسع صدرًا مع المخالفين والمعارضة، وذلك بسبب تخوفه الدائم من شعبية الإخوان الواسعة، وقدرتها على الحشد والتعبئة مما يجعل نتيجة الانتخابات غير مضمونة، وقد تتكرر تجربة الجزائر مرة أخرى.

ولا أدل في الرد على هؤلاء من تجارب معظم البلاد العربية، وحصيلة أي قطر منها التي تبين عدم اقتناع معظم هؤلاء الحكام بمبدأ الشورى أو الديمقراطية وجوهرها، أي تداول السلطة سلميًا.

 والطريق البديل هو الإصرار الدائم على إصلاح العملية الانتخابية والإصلاح الدستوري والسياسي الذي يكفل للقوى السياسية جميعًا حق الوجود والعمل والتنظيم، ويعطي الشعوب وحدها الحق في منح الثقة لمن تشاء وحجبها عمن تريد.

سبب آخر لا يقل أهمية عن التصدي للهجمة الأمنية والحكومية الشرسة، أو تأخير امتدادها إلى بقية الأنشطة الإسلامية يتمثل في ترسيخ مبدأ العمل السلمي الذي يقوم على التغيير المتدرج ويعتمد على البعد الشعبي وإدخال عموم الناس طرفًا في المعادلة السياسية، حيث إنهم مادة التغيير المنشود.

 إن جوهر منهج الإخوان المسلمين في التغيير يعتمد الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(سورة الرعد: رقم11)وقد أجاب الإمام الشهيد حسن البنا عن السؤال: من أين نبدأ إجابة شافية تبين بوضوح أن الإخوان لا يعتمدون مبدأ التغيير الفوقي أو العمل من خلال السلطة فقط، بل إن وضع الأساس المتين وتربية الشعوب وتغيير عاداتها وثقافاتها حتى تستجيب المنهج الإسلام هو لب نشاط الإخوان، وبعد إصلاح الفرد المسلم وتكوين البيت المسلم يأتي إرشاد المجتمع وتحرير الوطن ثم إصلاح الحكومة. 

فهل يطلب من الإخوان أن يغيروا منهجهم؟ ولو فعلوا ماذا يفعل الإخوان حينئذ وماذا يظن بهم خصومهم سيظن السياسيون وبقية الفرقاء في المجتمع أننا لا نؤمن-بصدق-بمنهج التغيير السلمي المتدرج، أو أننا لا نريد أن نكمل طريق الإصلاح الدستوري والسياسي الممتد بعيد المدى بينما ستدور الهواجس والشكوك في الدوائر الحكومية والأمنية حول ما أصاب منهج الإخوان من تبديل، وعندئذ سيتحينون الفرص لتشويه صورة الإخوان ووصمهم بالعنف، وأن الشعب لفظهم كما يدعون الآن تمهيدًا لإنزال أقصى الضربات الأمنية، كما دلت على ذلك تجاربهم السابقة.

أما الآن فإن مشاركة الإخوان أربكت الخطط الأمنية، فبينما يتحدث العالم كله عبر وسائل الأعلام عن الاعتقالات في صفوف الإخوان، وأن ... هو منع مشاركة الإخوان في الانتخابات. أتي رد الحكومة باهتًا لا يقتنع به أحد بالادعاء أن الإخوان تنظيم محظور وأن الاعتقالات تتم في إطار خطة مرسومة سلفًا.

أهداف أخرى إيجابية:

إذا كان السببان السابقان يمكن إدراجهما في إطار الأسباب السلبية التي تمنع ضررًا بالغًا سيب الحركة الإسلامية، فإن هناك أسبابًا أخرى يصبب في الجانب الإيجابي.

 يأتي في مقدمتها شغل الإخوان بمشروع دعوي كبير يستنفر كل الطاقات، ويحرك جميع الإخوان، ويحقق معظم الأهداف الدعوية، لا يتكرر ولا كل 5 سنوات في الانتخابات العامة.

 ففي مجال الإصلاح الفردي، ستظهر طاقات الأفراد الكامنة ومواهبهم من خلال نشاطاتهم وجهودهم في الحركة الدائبة طوال شهور الانتخابات وسيكون للأخت المسلمة-بل للأشبال الزهرات-دور لا ينكر في هذه المعركة الانتخابية خاصة مع التضييق الأمني الشديد. 

  • دوائر الحزب الحاكم تتداول أن التدخل الحكومي السافر سيكون في الدوائر التي ترشح فيها الإخوان فقط. هذا الأمر دفع بعض المرشحين الحكوميين لمحاولة جذب مرشحين إخوان للترشح في دوائرهم.

  • لماذا إذن يصر الإخوان على دخول الانتخابات رغم المقدمات غير المشجعة؟

وستظهر صفات لم يكن لها أن تتضح إلا في ثل هذا الاستنفار العام مثل: مثقف الفكر في حوارات السياسية-نافعًا للغير في الخدمات الإنسانية-منظمًا في شؤونه. وغيرها كثير. 

وفي مجال إرشاد المجتمع، سيدور نشاط الإخوان حول ترسيخ قيم إيجابية مثل: الشهادة الأمانة والإيجابية وحسن الاختيار ومناصرة حق والوقوف في وجه الظلم والباطل، فضلًا عن محاربة القيم السلبية التي تعشش في المجتمع منع انتشار الدعوة للإصلاح مثل: اللامبالاة والسلبية والاغتراب عن البيئة والعصبية الأسرية أو العشائرية.

وفي مجال تحرير الوطن وإصلاح الحكومة يقدم الإخوان أفكارهم حول أسباب تخلفنا والتي تدور حول فخ التبعية الذي تقع فيه معظم نظم الحكم في بلادنا والأغلال السياسية والاقتصادية التي تكبل حركة حكومات عربية وإسلامية، وفي المقابل يقدمون برامجهم الإصلاحية المختلفة بتفصيل كبير يناسب مقام الانتخابات، حيث لا تلوح فرص أخرى لطرح هذه البرامج على الشعب وتدور محاور البرامج الانتخابية للمرشحين حول القضايا التالية: 

  1.  إصلاح النظام السياسي بما يكافئ التطورات السياسية والاقتصادية 

  2.  تطبيق الشريعة الإسلامية، بحيث تصبح الفلسفة العامة للدستور والروح السائد في الحياة والمصدر الرئيس للقوانين

  3. برنامج متوازن للتنمية البشرية، يحمي القيم ويطلق طاقات الإنتاج ويحقق العدل الاجتماعي.

  4.  تنمية اقتصادية مستمرة تحقق النمو والرخاء وتقضي على الكسب الحرام.

  5. رفض التبعية، وتأكيد استقلال القرار والتزام الأصالة والهوية والعيش في مستوى العصر.

  6.  علاقات خارجية قوية مع الدول الإسلامية

  7.  حصار التغريب ومحاربة الصهيونية ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني.

لو ترك الإخوان ساحة العمل السياسي لامتد التضييق إلى مساحات أخرى لا تزال مفتوحة. 

وتفاصيل ذلك كثيرة يقدمها المرشحون في برامجهم مطبوعة أو يناقشونها في حوارات دائمة متصلة مع الناخبين في الدوائر الانتخابية، ولا يهملون أبدأ إدراج هموم دوائرهم الخدمية في حواراتهم أو برامجهم.

وهذا المشروع الدعوي الانتخابي الضخم يحقق هدفين:

الأول: استنفار جهود الإخوان وتوظيف طاقاتهم.

الثاني: الانتشار في المجتمع لإقناعه بالفكرة الإسلامية الشاملة وحشد تأييده للصوت الإسلامي.

محاربة روح اليأس والقنوط وبث الحيوية في المجتمع:

يأتي بعد ذلك هدف يصب في صالح المجتمع نفسه، وبالتالي يخدم الفكرة الإسلامية ذاتها وهو الوقوف بحسم ضد روح الانهزامية التي يولدها اليأس والقنوط والإحباط الشديد الذي يسود المجتمع المصري حاليًا، وضع طاقات حركة وحيوية من داخل الإخوان لبعث الأمل من جديد وإحياء يقظة وحيوية تحرك البؤر الإيجابية في المجتمع.

فلا يخفى على أي مراقب أن المجتمع المصري تسوده حاليًا حالة من الإحباط يرجع سببها للإجراءات الحكومية على مستويين.

الأول: السياسة التي نجحت الحكومة خلال العقد الماضي في تنفيذها بنزع الحيوية من المجتمع، فلا أحزاب نشطة ولا نقابات مهنية متحركة وفاعلة ولا مجتمع مدنيًا أو أهليًا قادر على الإنجاز، فالجميع محاصرون.

وفي المقابل تم تشويه صورة البرلمان بتكرار الحكم بعدم دستوريته وسوء اختيار أعضاء من الحزب الحاكم من أصحاب السوابق واللصوص الذين حكم على بعضهم بأحكام جنائية قاسية مما أصاب الناس بالقرف والضيق الشديدين.

الثاني سوء الأحوال الاقتصادية من ركود وكساد وبطالة وأزمة سيولة وانخفاض قيمة العملة المحلية بصورة كبيرة وإفلاس كثير من أصحاب المشروعات البسيطة المتوسطة، بل وكبار رجال الأعمال، وهرب أصحاب الملايين بأموالهم التي نهبوها من البنوك وتعثر كبار الممولين عن سداد قروضهم بالمليارات إلخ.

ذلك كله أصاب المجتمع بحال من فقدان الحيوية أشاعت فيه روح اليأس والإحباط ولا يجوز الحركة تريد أن تكون روحًا جديدة تسري في النفوس فتحييها بالأمل ويشرق فيها نور الإيمان من جديد مثل حركة الإخوان أن تصاب بالداء نفسه بل يجب عليها أن تقاوم هذا المرض، وأن تقدم سبل العلاج للأمة كلها، وإذا تحملت في سبيل ذلك من التضحيات الكثير، فإن هذه ضريبة لا يجوز أن تتأخر عن دفعها جهادًا في سبيل الله. ورفعًا لراية الإسلام، وإحياء للأمة وبثًا للأمل في النفوس.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية