; مطالعات في الأخبار .. الجرأة والعقيدة | مجلة المجتمع

العنوان مطالعات في الأخبار .. الجرأة والعقيدة

الكاتب إحسان السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 598

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

  • هيكل: هناك أكثر من كامب ديفيد في العالم العربي كله.

  • حين يطبق بيغن شعائر دينه... ويهملها الزعماء العرب.

  • هؤلاء الذين يدعون إلى دعوة الملك ظاهر شاه إلى أفغانستان

محمد حسنين هيكل يقول في لقاء أجرته معه صحيفة «الأهالي» المصرية: «بالنسبة للعالم العربي، لم تعد الأوضاع أفضل كثيرًا من أوضاع مصر التي كنت أكتب وأتكلم عنها منذ عام ١٩٧٤، في الماضي كانت أمامنا جميعًا قضية محدودة هي كامب ديفيد وضرورة الدفاع عن ارتباط مصر العربي».

الآن وبعد كل ما جرى أعتقد أن هناك أكثر من كامب ديفيد جديدة في العالم العربي كله، ومن غير المعقول أن يقتصر حديثنا على كامب ديفيد الأولى.. أي المصرية، وإذا كنا نقول: إن وقائع الفساد في مصر تمثل مليون «ووتر غيت».

فأنا أقول: إن بعض ما حدث في العالم العربي في السنوات العشر الأخيرة–وبعيدًا عما جرى من مصر– يمثل بدوره مليون كامب ديفيد أو على الأقل عشرة أو اثنتي عشرة كامب ديفيد، ولن يسمح لي أحد في العالم العربي أن أتكلم إلا عن كامب ديفيد المصرية.. وهو أمر غير مقبول....».

–لقد صدق محمد حسنين هيكل في هذه، وحقًّا أن هناك أكثر من كامب ديفيد جديدة في العالم العربي كله هناك– كما قال هيكل– عشرة أو اثنتا عشرة كامب ديفيد.

لقد كان هيكل جريئًا في إعلان هذا.

ولكن جرأته لم تتجاوز الإشارة إلى وجود عدد من كامب ديفيد عربية أخرى.

ولم يذكر من أبطالها؟

وما خباياها؟

ولا الأزمان والأماكن التي شهدتها!

لم تتجاوز به جرأته إلى ذكر هذا كله... فلماذا؟

الجواب ذكره هيكل نفسه: أنه لن يستطيع أن يذكر شيئًا منه؛ لأنه «لن يسمح لي أحد في العالم العربي أن أتكلم إلا عن كامب ديفيد المصرية.. وهو أمر غير معقول»!

ونحن نوافقك يا هيكل، على أنه أمر غير مقبول، فلماذا تقبله وأنت الصحفي القديم، صاحب القلم الشهير؟

لماذا تقبله وهناك أصحاب أقلام أخرى من الإسلاميين لم يقبلوه.. وقالوا: الحقيقة كاملة.. وقدموا حياتهم لها؟!

ماذا بقي لك من عمرك؟

ألم تتجاوز الستين؟

لماذا تؤثر الصمت إذا كنت تملك الحقيقة؟!

نحن نجيبك عن هذا كله، ونحن نفسره له، الأمر- يا هيكل- في غاية البساطة: إنك تؤثر الصمت على قول الحقيقة؛ لأنك لست صاحب عقيدة، كتبت لعهد فاروق، وكتبت لعبد الناصر، وكتبت لعهد السادات... وعندك استعداد– كما ذكرت في المقابلة– لتكتب في عهد مبارك إذا أعطوك ترخيصًا لمجلة!

قلمك لا يقتات من قلبك، كما كان قلم الشهيد سيد قطب رحمه الله.

هذا الرجل يدعو للملك

أحمد بهاء الدين الصحفي المصري، يضع حلًّا لمسألة أفغانستان في هذه الكلمات: «وفي تقديري أن الحل ممكن: لو اتفق على وضع محايد لأفغانستان مثل النمسا، وقد كان هذا وضعها فعلًا قبل الغزو، والملك ظاهر شاه.. المتمتع بثقة كل الأطراف مازال حيًّا في المنفى، وإعادته إلى أفغانستان كفيلة بتجمع الشعب الأفغاني حوله.

أما الذين تآمروا على طرده، فقد تكفلوا بتصفية أنفسهم جميعًا».!

هكذا يطرح أحمد بهاء الدين الحل لأفغانستان بكل بساطة... أفغانستان التي قدمت مئات آلاف الشهداء في السنوات الأخيرة.. تحل مشكلتها بإعادة الملك ظاهر شاه إلى حكم أفغانستان، ولا ندري كيف يصفه بأنه «المتمتع بثقة كل الأطراف»!

هل مئات آلاف الشهداء قتلوا من أجل الملك ظاهر شاه؟! وهل يقوم عشرات آلاف المجاهدين اليوم بعملياتهم البطولية لإعادة الملك إلى الحكم؟

يبدو أن أحمد بهاء الدين لا يقرأ سوى تصريحات الملك، ولا يقرأ تصريحات قادة المجاهدين بأن جهادهم مستمر؛ حتى وإن خرجت روسيا وعاد الملك.. لا يقرأ تأكيداتهم المتكررة بأن جهادهم هو من أجل إقامة حكم إسلامي في أفغانستان، وأنهم ماضون في سبيل هذا حتى آخر مقاتل مجاهد منهم...!

ولعل القارئ، يعجب حين يقرأ هذا الكلام لأحمد بهاء الدين، وهو يدعو للملك.. فالمذكور محسوب من كتاب ما يسمى بثورة ٢٣ يوليو التي أطاحت بالملك فاروق.

وهو يرى نفسه كاتبًا «تقدميًّا»! فكيف، يا ترى، يدعو اليوم إلى عودة أفغانستان إلى النظام الملكي؟!

والحق أني لم أكن أرغب في التعليق على كلام أحمد بهاء الدين؛ لأنه لا يستحق منا هذا الاهتمام الذي يلمعه كلما خبا، ولكني أردت أن أعرض عينة لرجل يكتب في كبرى الصحف اليومية، منذ سنوات طويلة، ورأس تحرير مجلة «العربي» سنوات أخرى، أليست أوصاف «الضحالة» و«الاسفاف» و«السطحية هي ما ينطبق على فكر هذا الرجل.

الأيدي المتوضئة وحدها

في أول ظهور علني لرئيس وزراء العدو مناحيم بيغن منذ وفاة زوجته، بدأ بلحية أطلقها منذ ١٤ نوفمبر، كمظهر حداد على زوجته، ولم ينتعل بيغين حذاءه طوال الأسبوع طبقًا للتقاليد اليهودية، وكان يجلس على كرسي خفيض في مقره الرسمي لتلقي العزاء.

هذا هو زعيم دولة العدو: يحترم شعائر دينه، ويطبقها علنًا دون حرج، وإن خالف كثير منها العقل، وبدأ أنه غير منطقي.

فعدم انتعال الحذاء طوال أسبوع تعبيرًا عن الحزن.. لا شك في أنه أمر ليس له تفسير منطقي عقلاني، وقد يثير ضحك أو سخرية كثيرين.

لكن هذا لم يمنع بيغين من فعله؛ لأنه من تقاليد أو شعائر دينه في التعبير عن الحزن على وفاة قريب أو عزيز... كما لم يمنع تطبيق بيغين لهذا التقليد أو هذه الشعيرة.. لم يمنع الآخرين من زعماء وساسة الدول الكبرى من احترامهم له، ولم يغير من طريقة تعاملهم معه.

لماذا إذن يتهرب كثير من حكام العرب والمسلمين من تطبيق شعائر الإسلام، وهم محسوبون من المسلمين، أو يحسبون أنفسهم على الإسلام؟! أليس بيغين هو زعيم الدولة التي تهزمهم رغم إصرارهم على أنهم منتصرون؟! لماذا لا يتهرب بيغين من شعائر دينه؟! لماذا لا يتحرج من تطبيقها؟

وإذا كانت بعض شعائر وعادات اليهود مثيرة للضحك والسخرية حقًّا، فإن الشعائر الإسلامية زاخرة بالحكمة، متفقة مع العقل، ومع هذا يخشى هؤلاء من أن تنتفي عنهم صفة التطور والتقدمية، وإذا كانوا حقًّا يخشون أن تنفي عنهم هذه الصفة، فلماذا لا يخشون نفيها حين يحكمون شعوبهم بأساليب العصور الأوروبية الوسطى أساليب الاستبداد والإرهاب والتسلط؟!

أليست هذه هي الرجعية بعينها؟

لقد نجح اليهود في إقامة دولتهم على أساس الدين، وما زالوا يجمعون أنفسهم تحت ظله، ويلتزمون بأوامره، وينتهون عن نواهيه ولقد فشلنا حين تخلينا عن الإسلام.

ولم نأتمر بأوامره، ولم ننته عن نواهيه، ولهذا نقول دائمًا: فلسطين لن تعيدها إلا الأيدي المتوضئة أيدي المؤمنين المجاهدين المطبقين لدينهم.

الرابط المختصر :