العنوان القبالاه جذور التطرف اليهودي
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
التقرب إلى الله للسيطرة على العالم
عن دراسة للدكتور عبد الوهاب المسيري- أعدها للنشر: شعبان عبد الرحمن
- القبالاه تهدف إلى معرفة الإله بغرض التأثير في الذات العلية حتى تنفذ رغبات القبالي ليتسنى له السيطرة على العالم والتحكم فيه
- النزعة «المشيحانية» تنعكس في العالم الخارجي بهدف السيطرة الإمبريالية القومية أو الجماعية على الكون
- في زعمهم: الصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله!
- حينما تحين لحظة الانتقام من معذبي اليهود تتحول «الشخيناه» إلى وحش كاسر يقود جنودًا خرافيين وتصبح مثل آلهة العذاب تلحق الأذى بالجميع دون تمييز
- الصهيونية جاءت لتطرح نفسها بديلًا عن اليهودية ولتضع اليهود فوق اليهودية
لماذا يتزايد التطرف اليهودي بهذه الصورة الوحشية دون اعتبار لأصوات الإدانة والاحتجاج؟ ولماذا يتصرفون مع العالم على اعتبار أنهم محور الكون؟ وكيف نفسر تدفقهم من الولايات المتحدة والغرب وروسيا حيث الحياة الهادئة الهانئة إلى فلسطين ليعيشوا في الضفة الغربية إلى جوار العرب حاملين السلاح في شبه حالة من الحرب الدائمة؟
وما أصول عقيدة هؤلاء الذين يذهبون إلى الخليل ويقيمون فيها، بل ويطالبون بالاحتفاظ بها في حوزتهم رغم أنهم أقلية لا تزيد على الـ٤٠٠ يهودي وسط عشرات الآلاف من الفلسطينيين؟! ولماذا هذا الإصرار العنيد والعنيف من بنيامين نتنياهو على مواصلة إزالة ديار العرب وزرع المستوطنات مكانها متجاهلًا ما تم التوصل إليه من اتفاقيات؟
ما العقيدة التي تحرك ذلك كله؟ إنها «القبالاه».
ما قصتها إذن في التاريخ اليهودي وماذا أحدثت في الديانات اليهودية نفسها؟ الدكتور عبد الوهاب المسيري الباحث المتخصص في الصهيونية والمفاهيم والعقائد اليهودية يجيب عن ذلك في دراسته الفريدة عن المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية، رجعنا إلى هذه الدراسة القيمة والتقينا في الوقت نفسه بالدكتور المسيري في القاهرة وأجرينا معه حوارًا حولها، وإلى خلاصة الحوار والقراءة المتأنية للدراسة، معتذرين للقراء الكرام عن كثير من عبارات الكفر التي يحملها هذا الفكر المتطرف.
يؤكد د. المسيري أن الحركة الصهيونية هي واحدة من ثمار القبالاه، كما أن النازية واحدة من نتائجها، وفرويد نفسه نشأ منها، وأساس ذلك أن النزعة الحلولية في اليهودية التي قويت عام ٧٠م وتبلورت في القرن ۱۲م هيمنت هيمنة كاملة في القرن الرابع عشر بحيث أصبح إله اليهود يحل في الشعب اليهودي ويربط بينهم وبين الأرض اليهودية «فلسطين في زعمهم»، وقد تركت «القبالاه» أثرًا عميقًا في وجدان الشعب اليهودي حتى أصبح اليهود في معظم العالم لا يؤمنون بالله وإنما يؤمنون بالشعب اليهودي، أي أن مركز القداسة انتقل -بسبب القبالاه- من الله إلى الشعب وأصبحت القبالاه جوهر الحركة الصهيونية التي تؤمن بالشعب اليهودي وإرادته المطلقة، فإن رأى هذا الشعب أن فلسطين هي وطنه تصبح وطنه وليذهب أهلها إلى أي مكان، وإن رأى أن الضفة الغربية هي جزء من إسرائيل ويحق له الاستيطان فيها فليستوطن وينشئ ما شاء له فيها من مستوطنات، وهكذا يصبح الإنسان «اليهودي» الذي يحل فيه الإله -طبقًا لهذا المذهب- شخصًا إمبرياليًّا، إرادته مطلقة لا تعلو عليها إرادة، ولا يتردد في تنفيذ رؤيته بالقوة فهو إنسان دارويني باطش، وعندما يحل الله في الإنسان هكذا -حسب زعمهم- فإنه يصبح بلا حدود، إرادته من إرادة الله، فلا يلتزم بأي معايير لأنه هو معيارية ذاته، وبالتالي يصبح كل شيء له متاحًا! وهذا ما رسخته القبالاه. يعرف التراث الصوفي اليهودي باسم «القبالاه» وقد وضع أسس التفسيرات الصوفية الحلولية، وحل محل التوراة والتلمود.
والواقع أن الفكر الديني اليهودي الحديث ينحو في جوهره هذا المنحى الحلولي، والصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله.
ويمكن التمييز بين نمطين من التصوف واحد يدور في نطاق إطار توحيدي، ويصدر عن الإيمان بإله يتجاوز الإنسان والطبيعة والتاريخ، ومن ثم يؤمن بثنائيات دينية فضفاضة «سماء/ أرض- إنسان/ طبيعة- إله/ إنسان»، وتتبدى هذه الرؤية في تدريبات يقوم بها المتصوف ليكبح جماح جسده تعبيرًا عن حبه للإله وعن محاولته التقرب منه، وهو يعرف مسبقًا استحالة الوصول والتوحد مع الإله؛ فالحلول الإلهي يتنافى مع الرؤية التوحيدية، ووحدة الوجود قمة الكفر.
أما النمط الثاني من التصوف فيدور في إطار حلولي يصدر عن الإيمان بالوحدانية الكونية حيث يحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها ويصبح لا وجود له خارجها، فيختزل الواقع بأسره إلى مستوى واحد يخضع لقانون واحد ومن ثم يستطيع من يعرف هذا القانون الغنوصي «الباطني» أن يتحكم في العالم بأسره، وهذا هو هدف المتصوف في هذا الإطار، فبدلًا من التدريبات الصوفية التي يكبح بها الإنسان جسده ويطوع لها ذاته، يأخذ التصوف شكل التفسيرات الباطنية وصنع التمائم والتعاويذ والبحث عن الصيغ التي يمكن من خلالها التأثير في الإرادة الإلهية، ومن ثم التحكم الإمبريالي في الكون، وحتى لو أخذ هذا التصوف شكل الزهد؛ فالهدف من الزهد ليس تطويع الذات وإنما الوصول إلى الإله والالتصاق به والتوحد معه والفناء فيه ليصبح المتصوف عارفًا بالأسرار الإلهية، ومن ثم يصبح هو نفسه إلهًا أو شبيهًا بالإله.
والمتصوف في إطار حلولي لا يكترث إلا بذاته، ولذا فهو لا يتحرك بأفعال من التاريخ ولا يهتم بإصلاح الدنيا، بل يضع نفسه فوق الخير والشر وفوق كل القيم المعرفية والأخلاقية.
الصوفية هنا تحقيق للذات، وتطويع للخالق وبحث عن التحكم في الدنيا، ورغم استخدام لفظ واحد «تصوف» للإشارة إلى التجربتين، إلا أنهما مختلفتان تمام الاختلاف، والتصوف الحلولي، خصوصًا في أشكاله المتطرفة، هو شكل من أشكال العلمنة، ويمكننا هنا أن نرى ملامح سوبرمان نيتشه، الذي لا يؤمن إلا بإرادة القوة ويتجاوز أخلاق الضعفاء.
ويمكننا القول بأن التصوف اليهودي «على وجه العموم» من النمط الحلولي، وأنه ذو اتجاه غنوصي قوي، فالمتصوف اليهودي لا يتجه نحو تطويع الذات الإنسانية الفردية وخدمة الإله، وإنما يحاول الوصول إلى فهم طبيعة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية «الغنوص أو العرفان»، بهدف التأثير في الإله والتحكم الإمبريالي في الواقع، ومن هنا كان ارتباط التصوف اليهودي أو القبالاه بالسحر، ومن هنا أيضًا كانت علاقة السحر بالعلم والغنوصية «الباطنية».
القبالاه في التاريخ
و«القبالاه» هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود، والاسم مشتق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث»، وكان يقصد بالكلمة أصلًا تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية»، ثم أصبحت الكلمة تعني، منذ أواخر القرن الثاني عشر أشكال التصوف والعلم الحاخامي المتطورة (إلى جانب مدلولها الأكثر عمومًا باعتبارها دالًا على سائر المذاهب اليهودية الباطنية منذ بداية العصر المسيحي)، وقد أطلق العارفون بأسرار القبالاه على أنفسهم لقب «العارفون بالفيض الرباني»، ومصطلح «قبالاه» واحد من مصطلحات أخرى تشير إلى المدلول نفسه.
وكان القباليون يرون أن المعرفة كل المعرفة توجد في أسفار موسى الخمسة، ولكنهم كانوا يرفضون تفسير الفلاسفة المجازي، وكانوا لا يأخذون في الوقت نفسه بالتفسير الحرفي أيضًا، فقد كانوا ينطلقون من مفهوم غنوصي أفلاطوني محدث يفضي إلى معرفة غنوصية، أي باطنية بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم وبالمعنى الباطني للتوراة الشفوية.
والتوراة -حسب هذا التصور- هي مخطط الإله للخلق كله، وينبغي دراستها، لكن كل كلمة فيها تمثل رمزًا، وكل علامة أو نقطة فيها تحوي سردًا داخليًّا، ومن ثم تصبح النظرة الباطنية الوسيلة الوحيدة لفهم أسرارها.
ويقول القباليون إن الأبجدية العبرية لها قداسة خاصة، ولها دور في عملية الخلق، وتنطوي على قوى غريبة قوية ومعان خفية، وبالذات الأحرف الأربعة التي تكون اسم يهوه «تتراجرماتون».
وبذلك تصبح كلمات التوراة مجرد علامات أو دوال، تشير إلى قوى ومدلولات كونية وبنى خفية يستكشفها مفسر النص الذي يخترق الرداء اللفظي ليصل إلى النور الإلهي الكامن، ومن خلال هذا المنهج التفسيري تمكن القباليون من فرض رؤاهم الخاصة على النصوص الدينية وإشاعتها، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لكل الآراء الحلولية المتطرفة.
أصبحت القبالاه في نهاية الأمر ضربًا من الصوفية الحلولية ترمي إلى محاولة معرفة الإله بهدف التأثير في الذات العلية حتى تنفذ رغبات القبالي أو المتصوف حتى يتسنى لصاحب هذه المعرفة السيطرة على العالم والتحكم فيه؛ ولذا، فإن القبالاه تتبدى دائمًا في شكل قبالاه عملية وهي أقرب إلى السحر الذي يستخدم اسم الإله والمعادل الرقمي للحروف والأرقام الأولية والاختصارات للسيطرة، وترتبط القبالاه في وجهها العملي بعدد من العلوم السحرية، مثل: التنجيم، والسيمياء، والفراسة وقراءة الكف، وعمل الأحجبة، وتحضير الأرواح، ومع ابتعادها عن التقاليد الحاخامية الدراسية استوعبت عناصر كثيرة من التراث الشعبي تمثل الازدهار الأقصى للتفكير الأسطوري والحلولي في اليهودية.
التراث الحاخامي
ورغم تأكيدنا أن القبالاه ثورة على التراث الحاخامي إلا أنها تضرب بجذورها في الطبقة الحلولية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي منذ البداية في العهد القديم، حيث يتوحد الإله مع شعبه، وهو توحد كان يأخذ شكل العهد المتجدد بين الإله والشعب، والتدخل المستمر للإله في التاريخ لصالح شعبه، وتجسده في شكل عمود نار ليقودهم، وغضبه منهم، وحبه لهم، وغزله فيهم ومعهم، وقد عبّر الحلول الإلهي وعشقه لبنت صهيون عن نفسه في نهاية الأمر في شكل العبادة القربانية المركزية حيث كانت تتم لحظة الحلول والالتحام بين الإله والشعب والأرض في يوم عيد الغفران حين كان كبير الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس لينطق باسم يهوه.
ورغم حرب الأنبياء ضد الأفكار الحلولية إلا أنها زادت ترسخًا في القرن الأول قبل الميلاد، وعبّرت عن نفسها في جماعة مثل جماعة الأسينيين، وفي أسفار الرؤى «أبو كاليبس» مثل كتاب حنوخ وفي الكتب الخفية «أبو كريفا»، وفي الغنوصية اليهودية وغير اليهودية، كما ترسخت الطبقة الحلولية بترسخ مفهوم الخلاص المشيحاني باعتباره خلاصًا ومن المصادر الأخرى الأساسية للقبالاه، فكرة الشريعة الشفوية وهي قوميًّا فرديًّا.
ومن المصادر الأخرى الأساسية للقبالاه، فكرة حلولية متطرفة تساوي بين الخالق ومخلوقاته.
وعلى أي حال فإن القبالاه، بمعناها الحالي ظهرت في فرنسا، وكان من أهم العارفين بالقبالاه إبراهام بن داود وابنه إسحاق الأعمى اللذان بدأ يتداولان كتاب الباهير «الذي ظهر أول ما ظهر في بروفانس- فرنسا» في القرن الثاني عشر، وانتقل مركز القبالاه بعد ذلك إلى إسبانيا حيث نشأت حلقات متصوفة تحاول أن تتواصل مع الإله من خلال التأمل في التجليات النورانية العشرة «سفيروت».
كما كان هؤلاء المتصوفون يهدفون إلى تجديد تقاليد النبوة، وإلى الكشف الإلهي من خلال الشطحات الصوفية، ومن خلال التأمل في حروف الكتاب المقدس وقيمها العددية وأسماء الإله المقدسة.
وقد وصلت الحركة القبالية إلى قمتها بظهور الزوهار الذي وضعه موسى دي ليون المتوفى عام ۱۳۰٥م، والذي تستند إليه الأنساق القبالية التي ظهرت بعد ذلك، وكانت مدينة جيرونا في كتالونيا من أهم مراكز القبالاه في إسبانيا، وقد قام القباليون بإنشاء مركز لهم في مدينة صفد في فلسطين عام ١٤٢١م.
وكان شيوع القبالاه في هذه المرحلة تعبيرًا عن رفض التراث التلمودي الذي وضعه الحاخامات وعلماء الدين الذين ارتبطوا بالطبقات الثرية وبيهود البلاط في إسبانيا، وقد شجع أعضاء هذه الفئات الفلسفة العقلانية واتبعوا في حياتهم العامة والخاصة سلوكًا يتفق مع هذه الفلسفة، ولا ينم عن كبير احترام لبعض العقائد اليهودية من وجهة نظر العوام على الأقل، وقد ساهمت القبالاه في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن هذا التراث الفلسفي العقلاني الذي أشاعه موسى بن ميمون وغيره من الفلاسفة المتأثرين بكتابات الفلاسفة المسلمين العرب، وقد كانت كتب الفلسفة تسمى «الكتب الشيطانية»، وبعد ذلك، انتشرت التقاليد القبالية بعد أن أخذت شكلها المحدد في الزوهار، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر في إسبانيا ثم في كل من إيطاليا وبولندا، وتسمى القبالاه النابعة من الزوهار قبالاه الزوهار (ويسميها جير شوم شولوم «القبالاه» النبوية)، وازداد الاهتمام بالقبالاه بعد طرد يهود إسبانيا وتصاعد الحمى المشيحانية، وخصوصًا بما اشتملت عليه القبالاه من عقيدة خلاص جماعة يسرائيل، وقد وجد واحد من أهم مراكز القبالاه في صفد، وكان يضم مجموعة من اليهود السفارد الذين طردوا من إسبانيا، ومن هنا كان عمق إحساسهم بالكارثة التي حاقت باليهود وبعجزهم الكامل وعزلتهم عن أي مشاركة حقيقية في العمليات التاريخية.
ومن أهم أعضاء هذه المجموعة إسحق لوريا الذي طور المفاهيم القبالية فيما سمي «القبالاه اللوريانية»، مقابل القبالاه التي سبقتها، أي القبالاه النبوية، أو قبالاه الزوهار، ولعل أهم إسهامات لوريا مفهومه الخاص عن الشرارات الإلهية المتناثرة والمتبعثرة ومن ضمنها مشاركة الإنسان اليهودي الحرفية مع الإله وليس المجازية في عملية الخلاص الكونية، وعودة جماعة يسرائيل وانتصارها كخطوة أساسية في هذه العملية، وقد ربطت هذه المفاهيم بين النزعة المشيحانية والنزعة الصوفية رغم تناقضهما الظاهري، فإذا كانت النزعة الصوفية الباطنية الحلولية تلجأ إلى التأمل والزهد لاكتشاف الأسرار الإلهية -وبالتالي، فإن توجهها المبدئي داخلي بهدف السيطرة الإمبريالية الفردية على الكون- فإن النزعة المشيحانية تنعكس في التاريخ مباشرة، أي في العالم الخارجي بهدف السيطرة الإمبريالية القومية أو الجماعية على الكون.
ومن هنا، كان التفجير الكامن في الصيغة الصوفية المشيحانية لما يسمى القبالاه اللوريانية التي يسميها جير شوم شوليم «القبالاه المشيحانية»، وهو ما ساعد على ظهور الحركات المشيحانية المتتالية والتي لا يمكن فهمها أو فهم أنساقها الرمزية إلا في إطار القبالاه اللوريانية التي سيطرت على اليهود ابتداء من القرن السادس عشر.
وكان تأثير القبالاه على التشريع ضئيلًا، ولكن تأثيرها على «الأجاداه» كان قويًّا حتى أنهما امتزجتا وأصبح من المستحيل تمييز الواحدة عن الأخرى؛ الأمر الذي أدى إلى تأثير القبالاه تأثيرًا عميقًا في الوجدان اليهودي، ويظهر أثر القبالاه في الصلوات والأدعية والتسابيح والابتهالات وشعائر السبت والأعياد والعادات والأخلاق، وفي الأفكار الخاصة بالملائكة والشياطين والمشايح والأفكار الأخروية بشكل عام ودور الشعب اليهودي في المنفى، أي أن تأثير القبالاه في الحياة اليومية يفوق في عمقه تأثيرها في الأمور ذات الطابع التشريعي والفقهي، وهي الرقعة التي تركوها لعلماء التلمود الذين كانوا يصدرون فتاواهم الجافة المجردة التي لا حياة فيها لانفصالها عن الواقع.
وقد تولد توتر بطبيعة الحال بين القباليين المدافعين عن التفسيرات الباطنية والفقهاء الشرعيين المدافعين عن الشريعة؛ إذ كان العالمون بأسرار القبالاه يعتبرون أنفسهم أعلى منزلة، بل كانوا يسخرون من الحاخامات، فكانوا يقرأون الكلمة العبرية «حمور» أي «حمار»، باعتبارها اختصارًا لعبارة «حاخام موفلا في راف رايان»، أي «فقيه عظيم وحاخام الحاخامات»، كما كانوا يطلقون على فقيه الشريعة مصطلح «الحمار المشناوي»، نسبة إلى المشناه، بل أشاروا إلى المشناه نفسها باعتبارها «مقبرة» موسى.
وقد سيطرت القبالاه في نهاية الأمر، حتى على مؤسسة اليهود الحاخامية نفسها، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من اليهودية الكلاسيكية أو اليهودية المعيارية أو التلمودية، ويحدد جيرشوم شوليم الفترة بين عامي ١٦٣٠ و١٦٤٠م على أنها الفترة التي أحكمت فيها القبالاه اللوريانية سيطرتها شبه الكاملة على الفكر الديني اليهودي، حتى أن الحاخام جويل سيركيس (١٥٦١- ١٦٤٠م)، وهو من أهم علماء التلمود، قال إن من يعترض على العلم القبالي يطرد من حظيرة الدين.
الحركة الحسيدية
ومع حلول القرن التاسع عشر، ظهرت الحركة الحسيدية التي اكتسحت يهود شرق أوروبا وهي تصدر عن الإيمان بعقائد القبالاه على وجه العموم والقبالاه اللوريانية على وجه الخصوص، وأكدت مفهوم التوحد مع الإله والالتصاق به، ولكن الحسيدية، شأنها شأن كثير من الحركات الصوفية، تحولت بالتدريج إلى بيروقراطية دينية، ولكن العامل الأساسي الذي قضى على القبالاه وعلى التصوف الحلولي اليهودي هو ظهور العالم الحديث وحركة التنوير.
والصهيونية وريثة التراث القبالي في بنيتها، فكما أن الحسيدية كانت هي الأخرى حركة مشيحانية كامنة ساكنة بدون ماشيح، فإن الصهيونية تحولت إلى مشيحانية نشيطة بدون ماشيح أيضًا؛ إذ يؤكد الصهاينة عملية خلاص الشعب اليهودي الذي يأخذ شكل عودة إلى صهيون دون انتظار الماشيح «أي شكل التعجيل بالنهاية»، والصهيونية، وفي نهاية الأمر، هي التعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي، وهي طبقة عبرت عن نفسها في بداية الأمر من خلال رؤية حلولية تبشر بالخلاص القومي وترابط الثالوث الحلولي «الإله والشعب والأرض»، ثم توارت قليلًا نتيجة القضاء على السلطة المركزية اليهودية فعبرت عن نفسها بشكل فردي من خلال القبالاه التأملية والعملية، وهي تعود إلى سابق عهدها في العصر الحديث، حيث يصبح الخلاص مرة أخرى خلاصًا قوميًّا ويصبح التأمل الأيديولوجيا الصهيونية التي تستعيد تداخل النسبي والمطلق، وتؤكد ارتباط الشعب بالأرض نتيجة الحلول الإلهي أو سريان روحه المقدسة، والقبالاه العملية هي الاستيلاء على الأرض ونقل اليهود إلى فلسطين ونقل العرب منها وتصبح الدولة الهيكل الذي يتعبد فيه الصهاينة ويهود العالم، ويقدمون له القرابين «فيه استعادة للعبادة القربانية المركزية».
وعلى كل، فالنمط الصهيوني ليس مختلفًا عن الأنماط القومية العلمانية التي انتشرت في أوروبا ابتداءً من عصر الملكيات المطلقة حين حول الملك نفسه إلى مطلق، ثم حولت الدولة نفسها إلى مطلق واحد أحد يدين له الجميع بالولاء، فهي محط الحلول الإلهي أو هي التعبير عن الحلولية بدون إله، وهدف هذه الدولة هو التحكم الإمبريالي في كل مواطني الدولة وشعوب الأرض عن طريق توجيههم في إطار مادي من خلال المؤسسات التربوية والأمنية وقطاع اللذة والعلم والتكنولوجيا وأخيرًا القوة العسكرية، ويبدو أن القبالاه بصورها المجازية ورموزها الجنسية، تركت أثرًا في فرويد، وفي كثير من الأدباء اليهود.
ويمكن القول بأن القبالاه وتراثها وطريقتها في تفسير النصوص اليهودية المقدسة، وإيمانها بالحل السحري وبالخلاص القومي، أخذت تسيطر بالتدريج على الوجدان الديني اليهودي ابتداءً من القرن الرابع عشر، وهيمنت عليه تمامًا مع نهاية القرن الثامن عشر.
- القبالاه تدعي أن اليهود جزء من الإله وأن اليهودي هو مركز الكون وسيده!
نظرة إلى الأغيار
وإذا كانت الحلولية التلمودية قد أدت إلى العزلة والتعالي، فإن الحلولية القبالية المتطرفة أدت إلى عزلة وتعال متطرفين، فزدات عزلة اليهود عن العالمين، ولم يعد الاختلاف بينهم وبين الأغيار مسألة عقيدة وإنما أصبح مسألة أصول ميتافيزيقية مختلفة؛ فأرواح اليهود مستمدة من الكيان المقدس، في حين تصدر أرواح الأغيار عن المحارات الشيطانية.
أجساد أرواح
والخيرون من الأغيار هم في الواقع أجساد لها أرواح يهودية ضلت سبيلها، وإذا كان اليهود يعيشون في الظاهر بفضل الأغيار، فإن العكس في الواقع هو الصحيح، فاليهود هم وحدهم القادرون على التأثير في قنوات الرحمة التي عن طريقها سيرسل الإله رحمته إلى العالم، وهم وحدهم الذين يقفون كوسيط بين الإله والعالم؛ فأعمالهم الطيبة هي التي تجعل الخير يعم الجميع، وذنوبهم هي التي تأتي بغضب الإله، ويوجد في القبالاه أيضًا ذلك الإحساس الذي يسري في كثير من صفحات التلمود، بأن نهاية التاريخ ستشهد علو جماعة يسرائيل على العالمين ودمار أعدائهم من الشعوب الأخرى.
وقد تطورت القبالاه وتراثها، عبر مراحل تاريخية عديدة، من قبالاه الزوهار إلى القبالاه اللوريانية، وانقسمت إلى أشكال مختلفة من قبالاه نظرية أو تأملية إلى قبالاه عملية، وحفلت هذه الاتجاهات والحركات على اختلافها بمفكرين عديدين، لكل منهم إسهاماته.
ويتم التعبير عن العلاقة الأساسية بين التجليات المختلفة من خلال صورة مجازية أو مقولة إدراكية جنسية واضحة؛ فالعلاقة بين الأب والأم «التجليان الثاني والثالث» علاقة جنسية واضحة وهما في حالة مضاجعة دائمة وعناق أزلي وهذا يذكرنا بالكاماسوترا الهندوكية، ويجب ألا ننسى أن الأب والأم هما النموذجان الأمثلان المتحققان وقد حملت الأم من الأب، وأنجبت الأم من الأب وأنجبت الابن والابنة، وكانا في الأصل كائنًا واحدًا أحاديًا مخنثًا «ذكر- أنثى» يعبر عن الواحدية الكونية، ولكن الابن انفصل عن الابنة وبدأت قصة الحب بين الأخوين.
وابتعاد الأخوين هو مصدر الخلل الكوني فإذا اجتمعا عم السلام، وكان من المفترض، بعد عملية الخلق الأولى أن يجتمع الابن والابنة بالمعنى الحرفي والجنسي، ولكن السقوط أدى إلى فراقهما، ويبدأ الملك في البحث عن الملكة «الماترونيت أو الشخيناه»، وتصف القبالاه العلاقة بينهما، وكيف كان الملك يجتمع بها، ويصبح التجلي التاسع «اليسود» (تساديك) عضو التذكير الذي يصل بين الملك والملكة «وبالتالي يصبح شيفا الذي يفيض بالمني في التراث الهندوكي»، وقد خلق الإله الشعب اليهودي ليصلح الخلل ويُقرب الابن والابنة، ولكن بسبب ذنوب جماعة يسرائيل هدم مخدع الشخيناه، أي الهيكل، فنفيت الشخيناه معهم خارج فلسطين.
وبذلك تصبح الصورة المجازية الجنسية المقولة الإدراكية التفسيرية الكبرى في القبالاه، فهي تبين سر الكون، ومصدر الوحدة بين الإله ومخلوقاته، وأصل مكانة الشعب المختار المتميزة، وهي أيضًا الطريقة التي تتوحد بها الذات الإلهية وتتحقق؛ إذ إن توحد التجليات هو توحد الإله واكتمال وجوده، لماذا يختلف التصوف اليهودي عن التصوف النصراني؟ إن هدف التصوف النصراني هو الاتحاد بالإله بينما هدف التجربة الصوفية اليهودية هو التواصل مع الإله والالتصاق به، ولكن الشخيناه -كما بينا- تمثل حلقة وصل عضوية بين التجليات المختلفة والعالم السفلي بحيث لا يمكن فصل الواحد عن الآخر، كما أن فكرة التقابل بين الإله والمخلوقات، وهي فكرية أساسية في القبالاه، تجعل الوحدة والحلولية الكاملة أمرًا واضحًا، وعلى كل أثبتت التطورات اللاحقة في الحركات المشيحانية أن الصورة المجازية الجنسية كانت أساسية في تفكير القباليين وفي إدراك علاقة الإله بالإنسان، وإن كان ثمة اختلاف بين التصوفين النصراني واليهودي، فهو في الهدف من عملية التوحد وفي نتيجته، فالهدف في التصوف النصراني هو الفناء في الذات الإلهية، والثمرة هي السكينة حسب اعتقادهم، أما في التصوف اليهودي فالهدف هو التوحد مع الذات الإلهية للتأثير فيها، والثمرة هي التحكم، والتجليات النورانية -هي ولا شك- تعبير عن عودة إلى التفكير الأسطوري والأساطير الإغريقية بآلهتها المذكرة والمؤنثة وتصوير زواج زيوس بجونو، وهي تشبه أفكارًا مماثلة في النسق الهندوكي، وبإمكان الدارس أن يلاحظ كيف تأثر فرويد بهذا الفكر القبالي الذي درسه، وقد وصفت القبالاه بأنها تجنيس الإله وتأليه الجنس «بمعنى الغريزة الجنسية».
التجلي الأنثوي للإله
التجلي الأنثوي للإله تعبير تقابله كلمة «شخيناه»، وهي كلمة عبرية تعني حرفيًا «السكون»، أو «الهجوع»، وهي تشير في الأدبيات الدينية اليهودية إلى الحضرة الإلهية، أو حلول الإله في الإنسان والعالم، ويرى بعض علماء الدين أن ثمة علاقة بين فكرة الشخيناه، وفكرة اللوجوس في فلسفة فيلون، ويرى باتاي أن الشخيناه -أصلًا- إلهة كنعانية قديمة هي ملكة السماء، وأن اليهود قاموا بعبادتها في المملكة الجنوبية قبل سقوط أورشليم، ويقال إن بعض اليهود الذين فروا إلى مصر قد استمروا في عبادتها مدة طويلة بعد ذلك.
وقد جاء في العهد القديم «خروج 25/8، ولاويين ١٦/١٦»، أن الإله يسكن وسط شعبه، ويؤكد التلمود أن الحضرة الإلهية لا توجد إلا في وسط الشعب، ولعل الشخيناه تتلبس أيضًا في اليهودي حينما ينفذ التعاليم الإلهية، وهي تتحول إلى حقيقة فعلية، أي تتجسد في الأشخاص والأماكن والأشياء ذات القداسة، وخصوصًا في ساعات الدروس الدينية والصلاة، أي أنها تتجلى داخل الزمان والمكان وفي الشعب اليهودي بأسره، ويرمز الضوء عادة للشخيناه.
وفي التراث القبالي، تعد الشخيناه أهم التجليات النورانية العشرة «سفيروت» على الإطلاق، فهي السفيراه أو التجلي العاشر والأخير الذي يربط بين الإله ومخلوقاته لأنها الحلقة الأخيرة وأقربها إلى العالم الأرضي، وهي التعبير الأنثوي عن الإله الذي يتلقى الفيض الإلهي ويوزعه على العالمين، وهي الابنة والماترونيت والملكة والقمر الذي لا يشع نورًا وإنما يعكس نور الشمس، وهي أيضًا راحيل التي تبكي من أجل الشعب، وهي الشفيعة بين الإله والإنسان «وهي في هذا تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي الذي تأثر به القباليون»، وهي أخيرًا کنیست يسرائيل أو شعب يسرائيل أو جماعة يسرائيل، وأعضاء الشخيناه هم أعضاء الشعب اليهودي، ورغم أنها آخر التجليات، فإنها ذات اليد الطولى في علاقة كل التجليات بالعالم السفلي البشري، كما تجري المساواة بين الشخيناه والتوراة ويقرن بينهما.
والشخيناه، باعتبارها ابنة أو ملكة، كانت جزءًا من كيان واحد مخنث يضم الابن/ الملك المقدس «السفيراه السادس» الذي انفصل عن أخته، ولكنه يبحث عنها دائمًا ويطاردها.
لم تتناول القبالاه علاقة الإله بنفسه، أو علاقته بالبشر، ورؤية الكون وفكرة الشر، وحسب، وإنما حاولت أن تقدم رؤية للتاريخ أخذت شكل الدورات الكونية، وحسب هذا الرأي، يتكون الزمان الكوني، أي تاريخ الكون من البدء حتى النهاية من سبع دورات تتكون كل واحدة منها من سبعة آلاف عام، وتتكون كل دورة من وحدات طول كل واحدة منها سبع سنوات في نهاية كل منها تقع السنة السبتية أو سنة شميطاه.
ويتحكم في كل دورة أحد الكواكب السبعة، وفي الدورة الخمسين النهائية، سيحطم الإله العالم، فيعود إلى حالة الهيولي أو الفوضى الأولى، ثم تبدأ دورات أخرى.
ويمكن التوصل إلى أن الدورة الزمنية الأخيرة «دورة الشخيناه» سترى سيادة أعضاء جماعة يسرائيل، باعتبار أنهم متوحدون معها وهكذا ينتهي التاريخ بانتصار اليهود، وترتبط فكرة الدورات الزمنية بأفكار أخرى مثل التناسخ، ومن الواضح أن فكرة الشعب المختار والعودة، هي فكرة تعويضية يحاول اليهود أن يشكلوا من خلالها رؤية للتاريخ تحقق لهم ما لم يتحقق في التاريخ الفعلي، ويلاحظ أيضًا أن القبالاه بشكل عام، وفكرة الدورات الكونية بشكل خاص، تدل على أن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يشعرون بمدى ثقل الحمل الذي وضعته عقيدتهم على كاهلهم، وبدأوا يبحثون عن مخرج من هذه الورطة، وقد كانت الحركة المشيحانية الترخيصية تحقق لهم ذلك، ثم جاءت الصهيونية لتطرح نفسها بديلًا عن اليهودية، ولتضع اليهود فوق اليهودية، ولتجعل منهم شعبًا مثل كل الشعوب لا شعبًا مختارًا ينوء تحت نير الاختيار، وغني عن القول أن فكرة الدورات الكونية تلغي أي إحساس بالتاريخ وتركز على البدايات والنهايات فقط، وهذه سمة أساسية في فكر الجماعات الوظيفية وفي الفكر الصهيوني.