العنوان جوائز رمضان ( ۲ ): المغفرة رمضان فرصة للاستغفار والتقرب إلى الله
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1673
نشر في الصفحة 52
السبت 15-أكتوبر-2005
نواصل الحديث مع نفحات رمضان، وما زلنا مع الجوائز الرمضانية والعطايا الربانية في شهر الصيام، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار» (البيهقي).. ومع الجائزة الكبرى من الله لنا في شهر الصيام.. مع المغفرة الربانية التي تلازمها رحمته عز وجل بعباده الضعفاء وعبيده المخطئين الذين يدقون الأبواب طلبًا لها.
المغفرة.. معناها.. وحقيقتها
والمغفرة من الغفر، وحقيقة المغفرة وقاية شر الذنب وستره، والغفر والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها.
وقد ذكر في القرآن الكريم من أسماء الله تعالى اسم «الغفور» و«الغفار» كما ذكرت في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107)، كما أنه تعالى ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر: 30).
وقد قال بعض العلماء: إنه تعالى غافر؛ لأنه يزيل معصيتك من ديوانك، وغفور؛ لأنه ينسي الملائكة أفعالك، وغفار؛ لأنه ينسيك ذنبك حتى كأنك لم تفعل.
المغفرة مطلب الأنبياء والمؤمنين
من يقرأ القرآن الكريم ويتدبره يجد أن أنبياء الله طلبوا من ربهم المغفرة، ودعوا
أقوامهم إلى الاستغفار لطلبها.
وأول من طلبها أبونا آدم -عليه السلام- وأمنا حواء حين وقعت المعصية منهما وأكلا من الشجرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23)، وكذا طلبها نوح عليه السلام: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (نوح: 28).
وخليل الله ونبيه إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: 41)، ودعا كليم الله موسى عليه السلام ربه وطلبها منه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (القصص: 16).
كما أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بطلب المغفرة فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106)، ووفق المؤمنين لطلبها في دعائهم: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 193).
رمضان والمغفرة
لما كان الصائمون يتقربون إلى الله تعالى بصيامهم وهم مع ذلك يخطئون، بحكم أنهم بشر يعتريهم النقص، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (رواه أحمد)، ويخطئون لا محالة فتتحقق عبوديتهم لله وتظهر حاجتهم إليه، وتتجلى لهم معاني أسمائه الحسنى كالتواب، والغفور، والغفار، لذلك جاء في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (رواه مسلم).
وإذا كان طلب المغفرة مطلوبًا منا في كل الأوقات فإن ذلك في رمضان أكثر طلبًا:
﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الحديد:21) أمرنا بذلك؛ لأنه سبحانه هو الذي يغفر الذنوب جميعًا: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥)، مغفرة واسعة من جميع الوجوه، وهو تعالى: ﴿أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (المدثر: 56)، لا يتعاظمه ذنب ولا ييأس من رحمته طالب.
الاستغفار وفضله
الاستغفار: طلب المغفرة من الله، والاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، كما يقول الفضيل بن عياض، والعبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار، وهو من أهم الأعمال وأفضلها لنيل المغفرة، وقد أثنى الله تعالى على من يكثر منه، وجعله صفة ملازمة لعباده المتقين، فقال عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)﴾ (الذاريات: 17 - 18).
ووعد المستغفر بالمغفرة فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ( النساء: 110)، ولذلك قال قتادة: «القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار»، وآمن عباده المستغفرين من عذابه فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال:33)، ولذلك قال علي رضي الله عنه: «العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار»، وكان يقول: «ما ألهم الله عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه».
وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يكثر من الاستغفار، فقال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا» (رواه ابن ماجه).
وجعله سببًا لذهاب الهم وسعة الرزق، فقال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله عز وجل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (رواه النسائي) ... بل إنه أمر النساء بالإكثار منه، فقال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» (رواه مسلم).
وكان صلى الله عليه وسلم هو نفسه يكثر من الاستغفار مع أنه نبي معصوم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يقول لأصحابه: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (رواه مسلم).
لذا فقد وجب علينا جميعًا أن نستغفر الله ونتوب إليه ونطلب منه الغفران، ورمضان فرصة عظيمة للاستغفار وطلب تلك المغفرة بالتقرب إلى الله تعالى في شهر المغفرة بموجباتها من سائر العبادات والطاعات ليجعلنا أهلًا لها، فضلًا منه ومنة وكرمًا، نستغفر الله استغفارًا خالصًا نتداوى به من أمراض القلوب والأبدان، مع صدق التوبة والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه.
وجوب صدق التوبة والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه
كيف تطلب المغفرة؟
تطلب المغفرة كما جاء في القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم:
بالإيمان الصادق والعمل الصالح.. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة: 109).
بتوحيد الله عز وجل.. قال تعالى في الحديث القدسي: «يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (رواه الترمذي).
باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته.. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:31)
بتقوى الله تعالى.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال:29).
بصيام شهر رمضان.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه أحمد).
بقيام ليالي رمضان.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه أحمد).
بتلاوة القرآن الكريم.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك» (رواه أبو داود).
بالدعاء.. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 16).
بالتوبة.. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه: 82).
بخشية الله عز وجل.. قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الملك: 12).
بالصبر.. قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11).
بإسباغ الوضوء وإقام الصلاة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له» (رواه أبو داود).
بحضور مجالس الذكر.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورًا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات» (رواه أحمد).
بصلاة الجماعة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه أبو داود).
بصلاة الجمعة.. والإنصات للإمام... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» (رواه مسلم).
بالصلاة والدعاء في جوف الليل... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حتى يمضي ثلث الليل الأول فيقول أنا الملك.. أنا الملك.. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر لها فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر» (رواه مسلم).
بالأخوة والمصافحة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» (رواه أبو داود).
باتباع الأذكار الواردة في الأوقات المختلفة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن لبس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (رواه أبو داود).
بحسن الخلق.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى» (رواه الترمذي)
بإماطة الأذى عن الطريق.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له فغفر له» (رواه مسلم).
بالدعاء بسيد الاستغفار.. «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (رواه البخاري).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل