; دور الوقف في الحضارة الإٍسلامية | مجلة المجتمع

العنوان دور الوقف في الحضارة الإٍسلامية

الكاتب ابتهال محمد البار

تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997

مشاهدات 72

نشر في العدد 1276

نشر في الصفحة 26

الأحد 30-نوفمبر-1997

  • «إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه ونفقت وتحفظ عند أمين المارستان ثم يلبس ثيابًا ويفرش له ويغدا عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ» أين هذا مما حدث للمرضى في المستشفيات اليوم؟!

ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة واستحقاقها قيادة العالم، من سمو النزعة الإنسانية في أفرادها سموًا يفيض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان، وبهذا المقياس تخلد حضارات الأمم.

وأمتنا بلغت في ذلك الذروة التي لم يصل إليها شعب من قبلها على الإطلاق، إذا لم تعرف الأمم والحضارات ميادين للبر إلا في نطاق ضيق لا يتعدى المعابد والمدارس، وأما في العصور الحاضرة، فإن أمم الغرب وإن بلغت الذروة في استيفاء الحاجات الاجتماعية لكنها لم تبلغ ذروة السمو الإنساني الخالص لوجه الله كما بلغته أمتنا في عصور قوتها ومجدها، وحسبنا دليلًا على هذا أن صلاح الدين الأيوبي ملأ البلاد الشامية والمصرية بالمؤسسات الخيرية من مدارس ورباطات وغيرها دون أن يسجل على واحدة منها اسمه، بل كان يسجل عليها أسماء قواده وأعوانه وأصدقائه وهذا غاية ما يكون من التجرد من حظوظ النفس في أعمال الخير..... شيء آخر: إن الغربيين في مؤسساتهم الاجتماعية كثيرًا ما يقتصر الانتفاع بها على أبناء بلادهم، بينما كانت مؤسساتنا الاجتماعية تفتح أبوابها لكل إنسان بغض النظر عن جنسه أو لغته أو بلده أو مذهبه، ولقد كان الوقف في الإٍسلام من أهم المؤسسات التي لها دورها الفعال في عملية التطور والنمو الاقتصادي والعلمي والاجتماعي في مختلف العصور الإٍسلامية.

والوقف في اللغة هو الحبس، أما في الاصطلاح حبس العين للتصدق بمنفعتها، فلا يتصرف فيها بالبيع والرهن والهبة ولا تنتقل بالميراث، ومنافع العين الموقوفة تصرف إلى الجهات التي حددها الواقف. 

ولعل أول وقف في الإسلام هو وقف عمر ابن الخطاب حين قال الرسول الله ﷺ: أصبت مالًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس منه عندي فما تأمرني؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف، وهكذا علمت هذه الصفوة الواعية دروسًا في العطاء والبذل، إذ أدركوا مكانة الوقف وشعروا بمدى اتساع آثاره وكثرة فوائده، فالوقف يهدف إلى تحقيق الخير في المجتمع وتحقيق الخير واجب ديني وركن حضاري، وقد كان للوقف آثار عجيبة ومنافع لا تعد ولا تحصى إذ شملت أوقاف المسلمين جوانب كثيرة من مرافق الحياة، فما تركوا حاجة من حاجات الأمة إلا وحبسوا لها أموالًا اشترك في ذلك حاكمهم ومحكومهم قوادهم وجنودهم، تجارهم وصناعهم رجالهم ونساؤهم حتى غدا في كل بلد من بلاد المسلمين أوقاف يقدر ريعها بمئات الملايين، وأصبح لها في كل قطر وزارة تدير تلك الأموال وتقوم عليها. 

أما دور الوقف الحضاري فيتمثل في عدة جوانب منها خدمة المجتمع، ونشر العلم والثقافة ويشمل المدارس ودعم المكتبات، ومنها المستشفيات والعناية بالصحة العامة.

1 - المؤسسات العامة

من المؤسسات الخيرية التي تهدف لخدمة المجتمع الخانات، وهي منشآت تجارية خيرية تضم أماكن للنزول والراحة وحمامات ومسجدًا ومستشفى وأماكن للدواب وأطباء بشريين وبيطريين وعددًا من أهل الحرف والصناعة للقيام بخدمات الخانات للمسافرين، ومنها السقايات أي تسبيل الماء في الطرقات العامة للناس جميعًا ومنها المطاعم الشعبية التي كان يفرق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء وحلوى.

وهناك أيضًا مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستواهم وتغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم، ومؤسسات الإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم، ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العزاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج، ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وقد جعل صلاح الدين في أحد أبواب القلعة -الباقية حتى الآن في دمشق- ميزابًا يسيل منه الحليب وميزابًا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في الأسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون، ومن أطرف المؤسسات الخيرية وقف الزبادي للأولاد الذين يكسرون الزبدي وهم في طريقهم للبيت فيأتون إلى المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلًا من المكسورة فلا يتعرضون لسخط أهليهم، ومنها المؤسسات التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة أو لإطعامها أو لرعيها حين عجزها.

2 - نشر العلم والثقافة

لعب الوقف دورًا رائدًا في هذا الميدان فقد كان السبب الرئيسي لأغلب الإنجازات العلمية، لأن المسجد هو المهد الأول للعملية التعليمية والمسجد أول مؤسسة وقفية فيه يتعلم المسلم القرآن والسنة والفقه حتى العلوم الرياضية والطبيعية، وقد ألحق بالمساجد ما يعرف بالكتاتيب، وهي تشبه المدارس الابتدائية في عصرنا الحاضر، وكانت من الكثرة حيث عد ابن حوقل ثلاثة آلاف كتاب في مدينة واحدة من مدن صقلية، ومما يذكر في تاريخ أبي القاسم البلخي أنه كان له كتاب فيما وراء النهر يتسع لثلاثة آلاف طالب وكان ينفق عليهم من أموال الأوقاف، وفي العادة كانت تشيد بالقرب من هذه الكتاتيب نوافير للمياه تغطي احتياجات المدارس واحتياجات من سكن بقربها، وقد كان يلحق بها أطباء لمعالجة المرضى، ثم قامت المدرسة بجانب الكتاب والمسجد وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. وكان التعليم مجانيًا والمختلف الطبقات فلم يكن يدفع الطلاب في دراستهم رسمًا، يجلس ابن الفقير بجانب ابن الغني وابن التاجر بجانب ابن الصانع والمزارع، وكانت الدراسة فيها قسمين: قسمًا داخليًا بالمجان للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية على أن يعيشوا على نفقات آبائهم وقسمًا خارجيًا لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه.

وجدير بنا ونحن نتحدث عن المدارس أن نتحدث عن المدرسين وأحوالهم ورواتبهم.

لقد كان رؤساء المدارس من خيرة العلماء وأكثرهم شهرة مثل الإمام النووي وعماد الدين ابن كثير والغزالي والشيرازي، ولم يكن المدرسون في صدر الإٍسلام يأخذون أجرًا على تعليمهم، حتى إذا امتد الزمان واتسعت الحضارة وبنيت المدارس وأوقفت لها الأوقاف جعل للمدرسين رواتب شهرية ومن الطريف أن نذكر صنيع علماء ما وراء النهر حين بني نظام الملك مدارسه الشهيرة في الأمصار وجعل للمدرسين فيها رواتب معلومة، فقد اجتمعوا لينكروا هذا الصنيع ويقيموا مأتمًا للعلم ينعون فيه ذهاب العلم وبركته، وقد قالوا كان يشتغل بالعلم أصحاب الهمم العالية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه فإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأحساء فيكون ذلك سبب لمهانته، لكن هذه النظرة لم تثبت أمام تطور الحياة وتحفل كتب التراث بذكر المدارس الموقوفة من وضرورات الحضارة.

وتحفل كتب التراث بذكر المدارس الموقوفة من بينها ما أورده ابن كثير عن وقف المدرسة المستنصرية حيث قال: كمل بناء المدرسة ببغداد ولم يبن مدرسة قبلها ومثلها ووقف على المذاهب الأربعة من كل طائفة اثنان وستون فقيهًا وأربعة معيدين ومدرس لكل مذهب وشيخ حديث وقارنان وشيخ طب ومكتب للأيتام، ولما كان يوم الخميس خامس رجب حضرت الدروس وحضر الخليفة المستنصر بالله بنفسه الكريمة وأهل دولته من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء والصوفية والشعراء وعمل بساط عظيم بها، أكل منه الحاضرون وحمل منه إلى سائر دروب بغداد من بيوتات الخواص والعوام وكان يومًا مشهودًا.

ويدل الخبر السابق على مقدار العناية التي أولاها الخليفة العباسي لتلك المدرسة ومدى حرص الواقف على جعلها ذات أبعاد حضارية يصعب تطبيقها على الكليات والجامعات الحديثة، فهي لم تكن مجرد مبنى، بل تعدت ذلك إلى تحقيق العمق التعليمي للملتحقين بها، وقد تركزت هذه المدارس في بعض مدن العالم الإٍسلامي مثل مكة والقدس واليمن ودمشق والقاهرة.

أما المدارس الوقفية في اليمن فقد انتشرت انتشارًا واسعًا في عهد الدولة الرسولية.

دور الوقف في دعم طلبة العلم

تجاوز نطاق الوقف التعليمي بناء المدارس إلى توفير احتياجات طلاب العلم، فمن ذلك وقف المدرسة العمرية التي أسسها محمد بن أحمد المقدسي وشمل الوقف أمورًا كثيرة منها وقف للخبز يفرق كل يوم ألف رغيف أو نحوه على النزلاء ووقف للأطعمة اليومية وأضحية في العيد الكبير تعطى لكل نازل، ووقف حلوى في المواسم ووقف زبيب كل ليلة جمعة وحلويات أخرى في الليالي الفضيلة من رمضان ووقف على قمصان كل سنة لكل نازل ووقف على أطباق غسيل للفقراء.... ووقف أباريق للوضوء وسخانة يسخن فيها الماء في سائر أيام الشتاء للاغتسال ووقف من الزيت للإضاءة.

أما عن وقف الكتب والمكتبات فقد انتشرت خزائن الكتب الوقفية في أرجاء العالم الإٍسلامي في القرن الرابع الهجري وأصبحت تلك المكتبات قبلة الطلاب تعينهم على التزود بكل جديد وبلغ من انتشارها أن أبا حيان النحوي كان يعيب على من يشتري الكتب، ويقول: «رزقك عقلًا تعيش به أني «أي» كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف» والتدليل على ضخامة عدد المكتبات الوقفية نشير إلى أنه كانت في مدينة مرو الشاهجان عشر خزائن في القرن السابع الهجري، يقول ياقوت الحموي: لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة..... وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثره بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت أرتع فيها واقتبس من فوائدها وإنساني حبها كل بلد والهاني عن الأهل والولد، ويظهر أن المعلومات التي دونها في مصنفيه معجم البلدان ومعجم الأدباء تحصل عليها من المكتبات الوقفية في مرو الشاهجان. 

ومن خلال دراسة وقف الكتب والمكتبات عند المسلمين نلحظ أن الوقف كان هو المحور الأساسي الذي أسهم في إشاعة العلم، مما يدل على أن هذا النمط من الوقف كان له أكبر الأثر في تقليص الأمية ورفع مستوى التعليم.

3 - المستشفيات والمعاهد الطبية

وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشئ أول مستشفى في الإسلام وكان خاصًا بالمجذومين وأجرى لهم الأرزاق وأمر بحبسهم كي لا تنتقل العدوى، ومن أشهر المستشفيات في التاريخ الإسلامي مارستان ابن طولون بناه أحمد ابن طولون سنة 259، وقد عمل حمامين للمارستان أحدهما للرجال والآخر للنساء وشرط أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثيابًا ويفرش له ويغدا عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ، وقد عمل في مؤخره خزانة شراب صيدلية أدوية وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين، وقد ظل هذا المارستان قائمًا يؤدي خدماته للمرضى حتى القرن التاسع الهجري ومنها أيضًا المارستان المنصوري الكبير في القاهرة ويعد من أكبر وأشهر المستشفيات في التاريخ الإٍسلامي، وقد وقف عليه الملك ما يقارب ألف ألف درهم في كل سنة، وجعل فيه فراشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعًا، فأفرد قاعة للرمدي وقاعة للجرحى وقاعة لمن به إسهال وقاعة للنساء وأفرد مكانًا لطبخ الطعام ومكانًا لتركيب المعاجين والأكحال والشيافات ونحوها، ولم يحص عدة المرضى، بل جعلها سبيلًا لكل من يرد عليه من الفقراء والأغنياء ولم يحدد مدة لإقامة المريض، بل يرتب لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه.

فإذا أصبح المريض في دور النقاهة أدخل القاعة المخصصة للناقهين حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب الجديدة ومبلغًا من المال يكفيه حتى يصبح قادرًا على العمل، وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه وقاعته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكل مستشفى مفتشون على النظافة ومراقبون للقيود المالية.

ولقد كان هذا الوقف الذي خصص للمستشفيات والنشاطات الطبية والتعليمية أثره الواضح على تقدم البحث العلمي في الكيمياء والصيدلة، فقد ساعدت المستشفيات ومختبراتها العلمية المتخصصة على نبوغ وإبداعات العرب والمسلمين من الدارسين فيها، بل كانت سببًا في تحقيق الإنجازات المتصلة بعلم الكيمياء والأدوية التي عرفها تاريخ الشفاء والطب في العالم، فهم أول من أدخل السكر في فن الصيدلة خاصة في صناعة الأشربة كي يستسيغ المريض الدواء.

المراجع

1 - الوقف والمجتمع نماذج وتطبيقات من التاريخ الإٍسلامي، يحيى محمود الساعاتي، 1997م.

2 - من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي. 

3 - إدارة وتثمير الأوقاف البنك الإٍسلامي للتنمية، 1994م.

4 - الوقف وظيفته الاجتماعية وأهدافه الدينية ودوره الحضاري، علي خالد الشريجي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

100

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17