العنوان نظرة على المشهد السياسي في مصر
الكاتب د. محمد حبيب
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 107
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 66
السبت 21-مايو-2005
لا يشك أحد في أن مصر تمثل حجر الزاوية بالنسبة للمنطقة العربية والعالم العربي والإسلامي، وأن نهضة أمتنا ورقيها مرهونان بنهضة مصر ورقيها وتقدمها، لأجل ذلك فمصر مستهدفة كوطن وشعب وتاريخ وثقافة ووعاء للحضارة العربية والإسلامية.
وتتعرض مصر لضغوط عنيفة من قبل الإدارة الأمريكية - بزعم ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة خاصة بالإصلاح السياسي - وصلت إلى حد الابتزاز ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية، وقد رأينا كيف أن السفير الأمريكي في القاهرة يتحرك هنا وهناك وفي المحافظات ويحضر إلى المجلس النيابي ويتكلم فيه بغطرسة واستعلاء شديدين وأنهم -أي الأمريكيين- سوف يقومون بإصلاح، وتغيير الشأن الداخلي المصري ولم يجد من يرد عليه سوى أحد نواب الإخوان المسلمين في المجلس.
واللافت للنظر أن النظام المصري أخذ في التراجع أمام هذه الضغوط «بالطبع لصالح المشروعين الأمريكي والصهيوني».. وحاول التجاوب معها -منتهزا فرصة مطالبة بعض النخب السياسية بضرورة التعديل الدستوري- فتقدم باقتراح تعديل المادة ٧٦ من الدستور والخاصة بطريقة اختيار رئيس الجمهورية.. غير أننا فوجئنا بالنظام نفسه يتحايل -كعادته -على هذه المادة ويشفعها بمجموعة من الشروط التعجيزية التي تفرغها من مضمونها وتغلق الباب تمامًا أمام المواطنين المستقلين في إمكانية الترشح لاستحالة الحصول على الشروط اللازمة لذلك وبذلك نكون قد عدنا مرة أخرى إلى المربع رقم 1 وكأن التعديل لم يكن.. -وقد حاولنا مرات عدة- مع كافة القوى السياسية والوطنية في مصر لفت نظر النظام إلى ضرورة التعجيل بإجراء إصلاح سياسي حقيقي بعيدا عن المماحكة أو المماطلة حتى لا يتخذ ذلك ذريعة للتدخل من قبل الإدارة الأمريكية الذي ترفضه ويرفضه كل وطني، إلا أن النظام أصم أذنيه وغض الطرف عما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه، وأصر على عدم اتخاذ أي إجراء سواء فيما يتعلق بإيقاف العمل بقانون الطوارئ أو إطلاق الحريات العامة أو إلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات والموصوفة بأنها سيئة السمعة... إلخ.
وأمام هذه الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية من ناحية والتراجع المستمر من النظام من ناحية أخرى، فضلًا عن حالة الجمود والركود والانسداد السياسي الذي أدى إلى التخلف العلمي والتقني والحضاري والأزمات الاقتصادية الخانقة، إضافة إلى المعاناة الشديدة للمواطن المصري «سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا»، أقول كان لابد للإخوان المسلمين أن يرفعوا صوتهم بالرفض والاحتجاج على هذا كله، والتأكيد على المطالبة بالمسارعة بالإصلاح أملا في أن تستطيع مصر أن تخرج من كبوتها وتنهض من عثرتها، وأن تقوم بدورها المشرف والخلاق تجاه الإسلام وتجاه القضايا القومية كالعراق وفلسطين والسودان وغيرها .. وكانت هناك الفاعليات المختلفة على مستوى طلاب جامعات مصر والمؤتمرات الحاشدة التي عقدت في بعض النقابات والوقفات التي تمت في ٢٧ مارس و ٤ مايو و ٦ مايو... وبغض النظر عن ردود فعل السلطة الحاكمة إزاء هذه الفاعليات من حبس احتياطي، وقبض واحتجاز لأكثر من ٢٥٠٠ من الإخوان، واعتداءات وقمع أسفر عن استشهاد أحد الإخوان في الدقهلية وهو الشهيد طارق غنام، فقد استطاع الإخوان المسلمون أن يأخذوا بزمام المبادرة وأن يضعوا النظام في خندق رد الفعل.
ثمة فريق في السلطة -وهو فريق المحافظين الذين يمثلون التيار الأقوى الآن - من أصحاب الفكر الشمولي وأنصار استعمال القمع والقهر للشعب عامة، وللمعارضة خاصة- يحاولون تسويق فكرة ضرورة اللجوء إلى القمع وعدم الالتزام بالدستور والقانون في مواجهة التظاهرات السلمية التي يقوم بها الإخوان على اعتبار أن هذه التظاهرات سوف تؤدي إلى حالة من السيولة والفوضى يصعب السيطرة عليها ...
يتوافق هذا مع تصريحات مسؤولين من الإدارة الأمريكية على تبني استراتيجية ما أسموه بالاضطراب البناء أو الفوضى الخلاقة وما يتبع ذلك من تدخل في شؤون الدول لإعادة ترتيب الأوضاع وفق الأجندة والمصالح الأمريكية.. وبالتالي لابد من التأكيد على رفضنا الوصول بالبلاد إلى حالة الفوضى -أو حتى مقدماتها- حيث يفتح ذلك أبوابًا من المفاسد والفتن والشرور لا يستفيد من ورائها سوى أعداء الأمة وخصوم الوطن، وفى هذا الإطار سوف نظل نطالب بالإصلاح السياسي، ولن نكل أو نمل عن محاولة الضغط على النظام حتى يستجيب للإصلاح على اعتبار أن الحرية لا توهب، وأن الشعوب يجب أن يكون لها دورها في صنع الحياة وتقرير المصير، وذلك لا يتحقق إلا بتضحيات غالية.
نتصور أن الضرورة تحتم على كل فصيل سياسي ألا يعمل منفردًا أو مستقلًا عن الآخر، حتى لا تتشتت الجهود أو تتبعثر الطاقات ونتصور أيضًا أن الضرورة تحتم أن نعمل على إيجاد صيغة مبدعة لجبهة وطنية واحدة من كافة القوى السياسية لها أجندتها الواضحة وآلياتها المحددة، تعمل على كسب ثقة الشعب وقيادته إلى رأي عام قوي قادر على استرداد حقوقه.