العنوان معالم الديمقراطية بين العالم المتقدم والمتخلف
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
مشاهدات 47
نشر في العدد 1025
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
المرشح الناهض في الأمم
المتقدمة، يقابل الفكر بالفكر، والأعمال بالأعمال، والسيرة بالسيرة، والبرامج
والمخططات بمثلها، والمرشح في الأمم المتخلفة يقابل السلطة، والجبروت، والجيش،
والقهر، والشرطة، والإرهاب. فهم في الحقيقة المرشح الأصلي أمام أصحاب الفكرة أو
أمام أصحاب القوى الفاعلة في تلك الأمم، ولهذا فهم لا يسمحون للناس أن ينطقوا
وإنما يسمحون لهم أن يركعوا، ولا يسمحون لهم أن يعبروا وإنما يسمحون لهم أن
يهتفوا، ولا يسمحون لهم أن يسيروا حسب إرادة فاعلة وإنما يسمحون لهم أن يسيروا
وفقًا لأهواء جلاديهم وشهواتهم، ولا يسمحون لهم أن يعملوا لخدمة الأمة وإنما
يسمحون لهم أن يخدموا سادتهم ويسبحوا بحمدهم.
وهذا التوجه السلطوي لا
يتعامل بمنطق الصلاح والإصلاح والنافع والأنفع، وإنما بمنطق التهريج والتدجيل
والتزمير والتطبيل، الذي لا يجيده إلا فئة طفيلية درجت على الفساد وإهدار الكرامة
وامتصاص الدماء، ولا يتعامل بمنطق الحجة والبيئة وإنما بمنطق البندقية والمدفع،
ولهذا تجد التوجهات الفاعلة لا تجد لها مكانًا في الأمم المتخلفة؛ لأنها محجوبة
بكثير من السدود والقيود، ومحاطة بجدران من التعتيم والتسفيه والتشويش، ومسلسلة
بقيود من الإرهاب والقهر، ولهذا فهي لا ترى النور أو تستنشق نسيم الحياة الكريمة،
ولا يشفع لها عقل ناضج أو فكر مستنير أو عزيمة قوية أو تجربة ناضجة، أو أمانة
حافظة، ولا تستطيع الأمة أن تختارهم أو تقدمهم أو ترشحهم أو تبرزهم.
والأمم المتخلفة يخترع
لها سادتها نظامًا يناسب هذا التخلف ويواكب هذا الضياع، يتلخص في القول الضال:
اعصب عينيك وسر وأنت أعمى! لأن العقل عندهم رذيلة، والحرية جريمة، والعبقرية ثورة..
العالم يتسابق في الإنتاج ويواصل التجويد والاختراع، وهم عالة يتباهون بالاستهلاك،
ويعيشون أحلام اليقظة.. الأمم الناهضة يعمها الرخاء والنماء ويخجلون ويعترفون إن
وقعت منهم صغيرة، وهم غلاظ الأكباد عراض الأفقية، لا يخجلون ولا يستحيون إذا جلبوا
الكبائر والدواهي، ورغم ذلك يوصفون بالعبقرية وينعتون بالملهمين، ويصب على رؤوسهم
المديح صبًّا، ويكال لهم الثناء كيلًا.
يرشحون بغير منافس
ويفوزون بالتزكية، ويظلون على قلبها طولون.
الأمم تحرص على تربية
أبنائها وتعليمهم وتدريبهم لمواكبة عصورهم ومقارعة ومنازلة خصومهم في مجال التكنولوجيا والبحث العلمي، وتسخر لذلك كل الوسائل الإعلامية والعلمية والتربوية،
وهؤلاء يحرصون على تهميشهم وإلهائهم، وتدجينهم وملاحقتهم، وتحطيمهم، وتسخير كل
الوسائل الإعلامية والثقافية لذلك.
القيادات في العالم
المتحضر تنتقي من العبقريات الفكرية والاجتماعية والعسكرية قادة حتى تستطيع أن
تحقق طموحات أممهم وتستطيع حمل المسؤولية وإدارة دفة البلاد بكفاءة وقوة وفاعلية.
والقيادة في العالم المتخلف لا تنتخب ولا تنتقى، ولكن تفرض، ولا تكون من
العبقريات، وإنما من الجلادين والأبالسة لتستطيع إحراق الأخضر واليابس، وجمع
الأموال بغير حق أو ضمير، ونزع اللقمة من أفواه الجياع، والتلهي بجراح المنكوبين
ومصائبهم.
لك الله أيتها الشعوب
المسكينة، فلن ينفعك إلا سواعدك وعزماتك، وأملك في الله وفي منهجه، ويساعدك على
ذلك يقظة للأمة على يد رواد كرام ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن
يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23) لينقشع الغبار وتزول الغمة ﴿وَيَومَئِذٖ
يَفرَحُ ٱلمُؤمِنُونَ. بِنَصرِ ٱللَّه﴾ (الروم: 4-5).