; (شركان شركون) وصياغة العقلية الإسلامية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان (شركان شركون) وصياغة العقلية الإسلامية المعاصرة

الكاتب إبراهيم الخليفي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1982

مشاهدات 56

نشر في العدد 585

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 31-أغسطس-1982

كلمة عتاب إلى الخطباء والوعاظ، الذين يتحدثون عن الكرامات في ظل الظروف الراهنة للأمة الإسلامية.

على علماء الأمة ومفكريها المسلمين إعادة صياغة العقلية الإسلامية صياغة تضع في الاعتبار شرطي نجاح العمل.

«لما توالت الأحداث على «بدر الزمان»، وتأزمت أموره بعد أن وقع في يد الشرير شركان شركون، حاول صديقه «سيف» إنقاذه جاهدًا بأساليب شتى: كالصياح، والبحث بين الأشجار، لكنه سرعان ما أخلد لليأس، وجلس على شاطئ البحر يسري عن نفسه»، ويرينا المخرج وهو يحبك حبكته الفنية «بدر الزمان»، وهو يقترب من نهايته على يد شركان شركون في الجانب الآخر من المدينة، وتشد نفوس آلاف الأطفال وهم ينظرون إلى بطلهم العزيز يذهب لقمة سائغة على يد الشرير شركان، وهنا تحدث المعجزة؛ إذ يطفو قمقم «قارورة» بجانب الصديق «سيف» يحمل بداخله الحل، جني ينقذ «بدر الزمان» في اللحظات الحرجة، ويتنفس الأطفال الصعداء، وهم يرون أن بطلهم قد أنقذ، ويفرح الآباء لانفراج أزمة أطفالهم، وينتهي المسلسل كالعادة بزواج البطل، والقضاء على الأشرار بالسحر والجن والشعوذة، دون أن يكون للتفكير العلمي، والمجهود البشري المنظم الجاد أي رصيد في الحل.

هذه الفعالية الإعلامية وعشرات بل مئات الفعاليات الإعلامية من تمثيليات وأفلام وأراجيز وخطب ومقالات تُعد لكل المستويات، ترسخ وتكرس عقلية عاطفية لا تعيش واقعها، بل تفر منه إلى عالم الأوهام والمعجزات وأطياف الظهيرة؛ لتجد حلول أزماتها، هذا النتاج النكد كان وراء عواطف وأفئدة الملايين من الجماهير العربية المسلمة، التي كانت تنتظر معجزة كمعجزة بدر الزمان؛ لإنقاذ سكان بيروت الغربية من يد التنين الإسرائيلي، وهي نفسها التي تنتظر معجزة أخرى أو «خبيرًا أجنبيًّا»؛ لإنقاذنا من تخلفنا في شتى المجالات، وقلب موازين القوى في العالم لصالحنا.

وقد يحصل أن ينتقل مسلم اليوم من الجاهلية المعاصرة إلى الفهم السليم للإسلام بعد أن تمس شفاف قلبه نسائم الإيمان، لكن آثارًا وبقايا لتلك العقلية العاطفية غير المتزنة تظل تحكم حياته الجديدة، بل الأدهى أن المفاهيم الإسلامية قد تصاغ في ذهنه بقوالب متأثرة إلى حد كبير بذلك الفكر المتخلف، فكر انتظار المعجزات، ذلك الفكر الذي حاربه الإسلام بتكريس عقلية المقدمات والنتائج: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، عقلية التوكل على الله بعد إخلاص النية، وصحة الوسيلة، واستفراغ الوسع في الأداء، لا عقلية التواكل والبطالة المدعومة بزعم سلامة النوايا، تلك العقلية التي حاربها الإسلام عندما حارب، الذين ينتظرون أن تمطر السماء ذهبًا أو فضة، كما في قصة الخليفة الراشد مع أهل البطالة الحالمين بالمال، وهم في معتكفهم دون أن يحركوا ساكنًا.

وكلمة عتاب أسوقها إلى خطبائنا وعلمائنا وإعلاميينا الأفاضل، وهم جزء من الإعلام الإسلامي، أسوق هذا العتاب للذين أفرطوا هذه الأيام في الحديث عن كرامات المجاهدين في أفغانستان أو في غيرها ممن يجاهدون؛ لإعلاء كلمة «لا إله إلا الله»؛ لأنهم في ظني يكرسون العقلية المعتمدة على الحلول المعجزة عن طريقة غير مباشر. 

إن الكرامة في يقيننا كمسلمين أمر ليس على قدرة الله ببعيد، بل نؤمن بما جاء في كتاب الله – تعالى - من كرامات حدثت للصالحين من عباد الله وللصحابة - رضوان الله عليهم - والمذكورة في أكثر من موضوع من القرآن، لكن تركيزنا في دعوة مسلمي اليوم إلى النهج السليم - منهج الإسلام- وأوبتهم إليه يجب ألا يكون هذا مدخله؛ لأمرين مهمين:

أولهما: سد الذرائع: فالعامي، وهو المسلم، الذي له حظ قليل من العلم بالدين قد يسيء فهم الكرامة، بل قد ينكرها ويهزأ بها وبقائلها، ولا يأخذ منه شيئًا مستقبلً؛ لذلك نهى السلف الصالح عن تحديث العامة ببعض مسائل العلم، بل أجازوا كتمانه للمصلحة، يقول الإمام أحمد: «لا تحدثوا العامة بالسنة فيكفروا»، ويروي البخاري عن الإمام علي - كرم الله وجهه - قوله: «أتحبون أن يكذب الله ورسوله».

وثانيهما: تكريس العقلية العملية لا العاطفية، فالعقلية التي حرص المنهج الإسلامي على صياغتها هي عقلية تؤمن أن شرطي نجاح العمل هما: إخلاص النية، وإحسان الوسيلة، فأما إخلاص النية، فاتجاهها إلى الله – تعالى - وحده لا شريك له، وأما إحسان الوسيلة، فيكون باستفراغ الوسع واستنفاذ الجهد في الإعداد، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 60). أما الكرامات فيعلم من إيحاء اسمها أنها كرم من الله – تعالى - قد يأتي بعد تحقيق هذين الشرطين، وما أخال المجاهدين الأفغان، الذين تنسب إليهم هذه الكرامات يعتمدون عليها في عملياتهم، بل أحسبهم يخلصون النوايا، ويستفرغون الجهد في الإعداد، ثم بعد ذلك تأتي الكرامة، وقد لا تأتي.

إن العلماء والخطباء والإعلاميين المسلمين مطالبون بإعادة صياغة العقلية الإسلامية المعاصرة صياغة ترسخ وتؤسس فيها شرطي النجاح وأركز على الشرط الثاني منهما لا إهمالها أو تغاضيًا عن الأول، بل لأن معظم نتاجنا المعاصر يركز عليه.

هذه الصياغة يجب أن يكون نتاجها عقلية تعمل الذهن، وتسلك سبل التفكير العلمي الجاد غير اليائس، تؤمن أنه ما من داء أنزله الله إلا وله دواء إلا الهرم، كما ورد في حديث صحيح للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - تشمر عن ساعد الجد لعلاج أدواء الأمة بالعمل الجاد المخلص، الذي يبدأ من الواجبات اليومية المتواضعة كل في ثغرته، ولا تنتظر المعجزات، كما يفعل الحالمون من أبناء جيل الإعلام الشركوني.

عقلية تعمل على أساس إنجاز المهمة لا تبرئة الذمة، ولا يكون ذلك إلا بالإعداد الشامل وفق خطة ونظام مضبوط بمراجعة للحساب وفق موازين ومعايير مدروسة لا مجال فيها للوهم أو انتظار المعجزات؛ حتى تنجز المهمة، ألا وهي تعبيد العباد الرب العباد، والأمن في الدنيا والآخرة، عسى ذلك أن يكون قريبًا، والحمد لله أولًا وآخرًا.

الرابط المختصر :