; المجتمع الثقافي العدد 1536 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي العدد 1536

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 25-يناير-2003

مشاهدات 76

نشر في العدد 1536

نشر في الصفحة 48

السبت 25-يناير-2003

مواكب الحجيج في الشعر الإسلامي

محمد شلال الحناحنة

الحج حياة للنفوس والقلوب، طهارة للأجساد من أدران الذنوب، تكبير وتسبيح وحمد للرحمن، ذكر تشف عنه الأرواح المتشوقة والمتعطشة للقاء الله، رحمة وسكينة تحف جموع المنيبين التائبين في أطهر بقعة على الأرض، وهو قبل ذلك كله ركن عظيم من أركان الإسلام وفرائضه، ولم يكن الشعر الإسلامي المعاصر إلا تعبيراً دقيقاً صادقاً عن هذه المشاعر الرهيفة الرقيقة، فنقف اليوم مع نماذج لبعض شعرائنا الذين صوروا هذه المواكب الروحية الإيمانية القادمة من كل فج عميق، ومن هؤلاء الشاعر يوسف العظم الذي عبّر في قصيدته «مواكب النور» عن أشواق حية عاشها وهو يطوف بالكعبة الغراء فيقول: 

على بساط من الأشواق تلقاني 

                           مواكب النور في طهر وإيمان 

أطوف بالكعبة الغراء ألثمها 

                           وأذكر الله في سري وإعلاني 

وأفتح القلب للأنوار تملؤه 

                       فتدمع العين أو تخضلّ أجفاني 

والناس حولي تسبيح وأدعية 

                       تحيا مع الذكر في آيات قرآن 

من كل فج عميق طاف طائفهم 

                           يرجو من الله أن يحظى بغفران 

والقلب منكسر والدمع منحدر 

                               ورحمة الله قد حفّت بإخواني 

يزخر شعر يوسف العظم بأنات ولوعات وجدانية روحية تدل على نفس كبيرة في مرادها، شفيفة صغيرة منكسرة أمام خالقها، فنراه هنا يفتح قلبه الرقيق لنور الإيمان في أيام الله الغالية يطوف بالكعبة ويلثمها باكيًا حزينًا، أما الحياة الحقيقية العظيمة لديه فهي حياة الذكر، حياة التسبيح والتكبير، لأن مثل الذي يذكر الله كمثل الحي، ومثل الذي لا يذكره كمثل الميت تصديقاً لأقوال وأفعال الرسول ﷺ، لذا يمضي في تصوير هذا الموقف العظيم، وهذه النفحات الجياشة بلغة دافئة حانية.

شربت من زمزم ماء يطهرني 

                            وقد أذبت به حزني وأشجاني 

إن كنت أسأل ربي خير مغفرة 

                                 أن يمسح الله بالطاعات عصياني

أو كنت أطمع في مثوى ألوذ به 

                                   بأن أفوز بجنات ورضوان 

هكذا يأتي شاعرنا الإسلامي يوسف العظم إلى مكة المكرمة حاجًا حزينًا تائبًا منيبًا إلى الله طامعًا في عفوه ومنّه، وأن يكفر بالطاعات ذنوبه، ويغفر زلاته، أما في أسلوبه فهو يستضيء بهدي القرآن الكريم في ألفاظه ومعانيه فنقرأ: من كل فج عميق، طاف طائفهم، سرى، إعلاني، إيمان، آيات، تسبيح، غفران، حفت، رحمة الله، الطاعات، مغفرة، رضوان، جنات....».

ونقف مع موكب آخر في مواكب الحجيج مع الشاعرة إنصاف بخاري، فهي تعيش مع تلبية ضيوف الرحمن، تعيش مع نبض وجدانهم، ويعلو صوتها الشعري مستمداً قبساته من نور «الله أكبر» المنطلقة سامية مدوية في الآفاق من حناجر حشود المسلمين، فتشدو في قصيدة لها بعنوان «مشهد من رحاب المروتين»:

لبت جموع المسلمين ولبى حتى المفرد 

الله أكبر، صوتها بل صرحها متمرد

تعلو به في «المروتين» مشاعر تتخلدُ 

في موكب متحرك متماوج يتجردُ 

إلا مع الوجد المكين فنبضه ها مصفدُ

إن شئت «ربي» أسهلوا أو شئت «ربي» أنجدوا

تعلو جموعهم وتهبط في الرضا لا تزهدُ 

هذا المشهد الحي الذي تصوره الشاعرة لمواكب الحجيج يتجاوز الوصف الخارجي ليهز الأعماق والأحاسيس ويعبر عن مواجد هذه النفوس المؤمنة الطاهرة، وإن كانت تمضي بنا مع هذه الجموع الملبية التي تعلو وتهبط إلا أن الفعل يتعمق إلى نبض متدفق من السعي لرضا الله، وترى قدرة الشاعرة على اقتناص المفارقات لغة ومضمونًا مثل: «تعلو جموعهم – تهبط، أسهلوا – أنجدوا، متحرك – مصفد....».

ثم تمضي الشاعرة مع قوافل الحجيج في صور إيمانية مفعمة بالحركة، لتسكب حنين الذات المتعبدة المتهجدة الأوابة إلى رحمة الله وغفرانه من خلال المواسعة بين الدلالات الحقيقية والمجازية في تعبيراتها، كما تمعن الشاعرة بتكرار المناجاة الروحية التي تأخذ أبعادًا فكرية ووجدانية مثل: «يا إلهي - ربي – اللهم رباه – الرحمن»، لذا نغدو معها منشدين

 الجسم نحوك – يا إلهي – خطوة المتعبد 

والقلب ربي في حماك مراده والمقصد 

الله أكبر، ما سعى أو ما دعا متهجد 

فبأمرك اللهم أجبال العسير تُمهد 

وبأمركم ربي تسيل المروتين وتزبد 

وبأمرك اللهم كل خطى الأنام تسدد 

ويغدو حس المكان لدى شاعرتنا الإسلامية إنصاف بخاري مشهداً ناطقاً بتقوى القلوب، تغدو ربوع المروتين ذاكرة متجددة في نفوسنا جميعًا ومن هنا يكتسب هذا المشهد خصوصيته الآسرة وسموه من طاعة الله. 

في طاعة الرحمن نقوى نستميت ونجهد

دامت ربوع المروتين ودام ذاك المشهد

طبتم وفود المروتين.. ونعم ذاك المشهد

الكلمة والموقف

محمد السيد

تخط الكلمات احتجاجها على صفحة الأفق، إذ تأتي المواقف مهرولة باتجاه الأنانيات الذاتية المغرقة في ضيق مساحة الرؤية، هناك في دمي تتجول بؤرة تساؤل حيرى تقول: ما الذي يطل على الناس من قاع صفحة الثقافة والإبداع؟ لماذا يخبروننا ليل نهار أن هؤلاء المهرولين بأنانياتهم المغرقة هم أنبياء الإبداع، وهم المستحقون للتكريم وفتح الأبواب والانحناء لهم عند الدخول إلى المحافل؟

عجبًا من اصفرار لون المواقف وانخداع الرأي بالكلام المريب، يدبجه أناس يمتطون تيار الفكر الذي تفارق فيه الكلمة الموقف، ومع ذلك فإنك تجد هؤلاء في المقدمة من كل تكوين أو محفل أو هيئات رسمية كانت أو غير رسمية.. ماذا دهانا؟ هل عميت البصائر فأصبحت ساحاتنا الثقافية فصلًا من مشهد بائس في مسرحية رديئة التمثيل والإخراج؟ يقول العاجزون: ليس لنا من الأمر شيء، إن هي إلا آراء تملى علينا ليل نهار، فنرددها بلا وعي وبلا تفكر، وما بنا من عيب إلا أننا اكتشفنا أن التهافت على بوابات الآخر، تفتح الآفاق للأحلام المغرقة في الذات، جاعلة لها مرتسمات آنية على أرض الواقع، فالتحمنا مع التيار، وخضنا كالذي خاضوا.

وكان حقيقًا على من يملك ناصية القلم ويتربع فوق أرض الإبداع والكلمة، ويلهث خلف الحصول على رتبة مثقف مبدعًا أو مفكرًا، أن تلتحم كلمته والموقف الحق الذي يجعله في موقع الرائد الذي لا يكذب أهله، وحينئذ يستحق أن يكرم، ويقدم وتنحني له القامات عند الدخول. كم من الكلمات الإبداعية أطلقها أدونيس وكانت تنادي بالنهوض والتخلص من ركام التخلف والخضوع للآخر؟ ولكن تلك الكلمات لم تكن تملك الرؤية الحقة السديدة للطريق، بل كانت تنطلق من ذات مغرقة في أمراض القدامى والمحدثين مبتغية إثبات حضور معوج، في ساحات تائهة في موجات من الظلام، فجاء كلامه ليضيف مزيداً من الحلكة، ومزيداً من جعجعة الظلام، وأخيرًا لتفارق كلمته الموقف، فيحضر المحافل التي يشارك بها أعداء الأمة من الصهاينة، معرضاً عن دعوات جمهرة المثقفين له بألا ينزلق إلى ذلك المنزلق... إلا أن مصيدة «نوبل» كانت أقوى في المراودة، وأفعل في الموقف... وها أنت تجده هذه الأيام يمهر بخاتمه وثيقة هزيمة جديدة، إذ يوقع على بيان يدعو إلى إيقاف عقد مؤتمر في بيروت هدفه إدانة العنصرية الصهيونية وبيان خطل وخداع الهولوكست. ومع ذلك، وبعد أن شتم أدونيس تاريخ الأمة 

الأول والأفضل ووصمه بالجحيم في كتابه «الكتاب... أمس المكان الآن» قائلًا عنه: «..... الجحيم التي تتأصل في أرضهم وتواريخها» و «أبي ميراث عذاب»، ووصم عرش الخلافة الراشدية بأنه «يزين كرسيه بشظايا الرؤوس ورقش الدماء»، بعد ذلك كله يؤتى به ليكون أحد الحكام على من يكتب في تاريخ الأمة وثقافتها وعلمها، ويدخل في لجنة التحكيم لجائزة سمو الشيخ المثقف الدكتور سلطان القاسمي، تلك الجائزة الرائعة الدافعة للثقافة العربية الإسلامية في مدارج الترقي، بذلها شيخ وحاكم الشارقة الدكتور سلطان بجود عربي وكرم إنساني ثقافي سامق، إيماناً منه بواجب خدمة أمته وتاريخها فهو مشكور مأجور فيما أقدم عليه، لكن في القلب غصة من تعيين «أدونيس» وأمثاله حكاماً للجائزة مع علمنا بحرص الشيخ على نصاعة الحكم ونزاهته في مثل هذه القضايا.

 

الرابط المختصر :