; معالم على الطريق.. الأسود والأرانب.. والمعادلة الصعبة | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الأسود والأرانب.. والمعادلة الصعبة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 20-يوليو-1999

من جملة الأسئلة التي تُطرح للإجابة عنها لمعرفة الصواب من الخطأ، والصحيح من الفاسد قولهم شعب من الأسود، يقوده أرنب أم شعب من الأرانب يقوده أسد؟ أيهما الذي يفوز وينتصر؟ أم لا هذا ولا ذاك؟

 ولكني لغرابة السؤال ودلالته طرحته على بعض العقلاء فأجابوني: بأنه يستحيل على أي من الفريقين أن ينتصر، لم أكتف بهذه الإجابة، وطرحت السؤال مرة أخرى على بعض الصغار، فذهلت للإجابة وذلك لاهتمام الصغار بأشياء لم يلتفت إليها الكبار فكانت عين الجواب حيث قالوا في صوت واحد الأسود ستأكل الأرانب إذن لن يكون هناك جيوش ولا قيادة ولا انتصارات بعد ذلك، وقد نبهني الأمر إلى سؤال آخر طرحته على الصبية بعد أن آنست إلى إجابتهم، فقلت لهم: وإذا لم يستطع جيش الأسود أن يأكلوا الأرنب القائد؟ قالوا: يكون هؤلاء ليسوا أسودًا بل فئرانًا، ثم قلت لهم: وجيش الأرانب الذي يقوده أسد هل ممكن أن يتعايشوا ويسالم الأسد القائد أمته من الأرانب أم سيكون جزارًا لهم، ومفترسًا فاتكًا؟ قالوا: بل سيكون كذلك، قلت: ولماذا؟ قالوا: لأنه وحش مفترس يعيش على الفتك وليس له قلب أو عاطفة إنسانية، وليس عنده وازع من أحد أو خوف من الله. فقلت: نعم أيها الصغار، لقد أجبتم وشفيتم وأفدتم بفطرة سوية، ونفس صافية، وبراءة غير ملوثة.

هذه قصة الشعوب المتخلفة والأمم المهضومة الكسيرة المأكولة، فهي إما فئران تزعم أنها أسود لا تستطيع أن تعيش حياة العزة والكرامة أو تمارس أدوار البطولة، وإما أرانب تسمن لتروق للأكلين، أو تكون طعمة للطاعمين، ومتاعًا للمتوحشين، وإن كانت في بعض أحوالها، ترفع صوتًا، أو تتظاهر ببعض البسالة والشجاعة عند الأمن، أو بشيء من الجرأة والإقدام في الرخاء، ولكنها عند الفزع تتصاغر، حتى تدخل كفئران وأرانب الجحور، أو تسلم ساقيها للريح لا تلوي على شيء جريًا على قول القائل:

وفي الهيجاء ما جريت نفسي                ولكن في الهزيمة كالغزال

هذا وما أصدق القرآن الكريم حين يصور الصنف أفضل تصوير فيقول:

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا* يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب:18-20).

كما أن الأمثال تحكي قصة القادة الأرانب الذين يتصدرون الشعوب المنحوسة الذاهلة عن نفسها وعن أهدافها ومصالحها، ولا ينفع هؤلاء الأرانب ادعاؤهم صولة الأسد، ولا تقلدهم الأوسمة والنياشين والمناصب كالأبطال والقادة والقلوب ضامرة والعزائم خائرة والنفوس هواء. 

كما تحكي قصة القادة الأسود ولكن على الشعوب الأرانب، وتصور حال المتصدرين الوحوش الذين لا يملكون إلا المخالب والأنياب ولا يعرفون إلا الافتراس والفتك بالأرانب السمان، وليس على العدو أو الصائل الجائر وحوش، نعم، ولكنها خسيسة لا تأكل إلا بنيها ولا تتغذى إلا على فراخها، ولا تلتهم إلا أكبادها ولا تعيش إلا بثدييها تتصاغر كالجرذان أمام كلاب الأعداء، بل قططهم، وتتخاذل كالتيوس لأطفالهم وصغارهم، وتتمرغ في الأوحال لإرضائهم وإسعادهم، ولكنها قد تنقلب ذئابًا مسعورة على أممها تأكل خيرهم، وتمتص دماءهم، وتقتل أبناءهم، وتشتت أسرهم، ومازالوا في القرن ۲۱ يعيشون بالناس في الأدغال والكهوف، ويحكمونهم بشريعة الغاب يعيشون بهم عصور النخاسة والعبودية والاستعباد والامتهان المنقطع النظير، لم أصدق أن هناك وحشًا من هؤلاء أنفق ٢٦٠ مليارًا على ملذاته ومؤامراته ونزواته، ولم أتصور أن بنتًا واحدة من بناته تملك ۲۰ مليار دولار، ولم أتخيل أن له بطنًا تسع كل هذا الكم من الهلاك، وهوى يبعثر كل هذه الأموال، وسعارًا يبدد كل هذه الطاقات وشعبه يعيش على الكفاف ويجالد شظف العيش ويكافح لسد الرمق.

وإن كان لأحد أن يتصور ذلك فقد يبعد عن تصوره وينأى عن مخيلته أنه رغم أن هذه الشعوب البترولية تعيش تحت خط الفقر، وترضى بالحرمان والجوع والتسول، إلا أنها لا تنعم بالأمن أو الأمان أو تعيش الراحة والاستقرار، بل يأكلها الخوف والذعر والترويع والتفكير في القرار، ويسرح ويمرح في بيوتهم وشوارعهم ومخادعهم زوار الليل، وجلادو النهار، ويسحب الناس على وجوههم إلى المفاصل، أو السجون والمعتقلات بدون محاكمات أو تحقيقات، أو جرائم إلا الشبهات، ثم يحدث لهم من الأهوال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فإذا السياط عجزن عن إنطاقه                        فالكي بالنيران خير ضمين
أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي                 حتى يقول: أنا المسيء خذوني
قالوا اعترف أو مت فأنت مخير                فأبى الفتى إلا اختيار منون

 ستظل هذه المعادلة صعبة، حتى تفك رموزها الشعوب فتخرج من بين أظهرها من يستطيع أن يحقق لها الآمال ويقودها إلى المجد على صراط مستقيم. إن الشعوب هي التي تستطيع فعلًا أن تفك طلاسم هذا النحس وتخوض غمار الجهاد الصعب هي التي تقدر بإرادتها وعزمها أن تختار المبدعين من بنيها وتساندهم وتبثهم من روحها وتسكب فيهم من عزمها، هي التي تستطيع أن تطارد الشياطين وتفتك بالأبالسة وتكر على الوحوش الحيوانات فتبيدهم وتمحوهم، يجب أن تقبل الشعوب التحدي، وتمارس دورها القيادي لتبتعد الهوام والجرذان عن جسدها الناهض وعن جروحها النازفة حتي يعتدل القوام وتبرأ القروح وينتفض العملاق، ويطارد الوهن والضعف والغزلان، وتحمل المسؤولية، وتتكون الأمة المستأسدة بقيادة الإنسان الأسد، ويفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :