; محو الحضارة العراقية من التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان محو الحضارة العراقية من التاريخ

الكاتب أكرم عبدالزاق المشهداني

تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005

مشاهدات 66

نشر في العدد 1676

نشر في الصفحة 18

السبت 12-نوفمبر-2005

■ أصغر حضارة فرضت الغزو وتحاول الهيمنة على أقدم حضارة إنسانية.

■ إنه مخطط أجنبي لتدمير الذاكرة العراقية بشكل كامل. وتلك كارثة لن نشعر بها إلا عندما نفاجأ باختفاء تاريخ كامل.

 ■ منظمات غربية: عمليات نهب الآثار مازالت جارية.

■ هذه الثروة الأثرية ليست ملكًا لأحفاد السومريين والآشوريين والبابليين ولكنها ملك للإنسانية جمعاء لأنها تسجل أول قصة حدثت في التاريخ.

■ عسكريون وإعلاميون أمريكيون متورطون في سرقة الآثار.

■ الدبابات الأمريكية قامت بهرس وتحطيم أرصفة قرميدية عمرها يزيد على ٣٥٠٠ سنة.

■ اليهود سرقوا نسخًا نادرة من التوراة مكتوبة على جلد الغزال بعد الغزو الأمريكي!

مخطئ من يظن أن السقوط الحقيقي الذي حدث في بغداد هو لحظة إسقاط «صنم ساحة الفردوس» ولكن الصحيح أنه كان في لحظة كسر أبواب المتحف العراقي تحت سمع ومشهد ورضا قوات الغزو الأمريكي وترك المتحف نهبا للصوص بأنواعهم، ولا يقصد بذلك الدلالة الرمزية لهذا الحدث المأساوي فقط، وإنما يؤشر كذلك إلى الدلالات الاعتبارية والاقتصادية في آن واحد.

إذا ما لاحظ المرء أن أصغر حضارة عمرًا في التاريخ «الولايات المتحدة الأميركية» قد فرضت الغزو والهيمنة على أقدم حضارة تكون الدلالتان الرمزية والمادية متبلورتين أمام الناظر: لذا تؤكد وسائل الإعلام سوية مع المنظمات المتخصصة في العالم الغربي على حقيقة مريرة مفادها أن عملية النهب - سواء كان المنظم أم الاعتباطي - للمواقع الأثرية في العراق مازالت تجري على قدم وساق، إذ تستدل هذه الجهات على هذه الحقيقة عن طريق انتشار تجارة اللقى الأثرية والتحف الفنية العراقية التي لا تقدر بثمن في أسواق العالم، خاصة في الدول الغربية، هذا ما حدا بالصندوق العالمي للآثار لإدخال بلد بكامله «العراق» في حقل المناطق الأثرية المهددة، وهذا لا يشكل سوى الرأس المنظور من جبل الجليد الذي يخفي كتلته الأكبر مغمورة تحت مياه المحيط المظلمة!

وإذا ما كانت بعض اللقى والقطع الأثرية قد شوهدت في التداول، بأسواق لندن ونيويورك وسواهما من العواصم التجارية الكبرى، فإن حجم أو كم هذا النوع من السلع الثمينة يبقى كبيرًا وخافيًا نظرًا لأن تداولها محظور دوليًا، ولأن هذه القطع الفنية تمثل العبقرية الجماعية لإنسان حضارة وادي الرافدين.

نهب تحت حماية الأباتشي

من يتذكر وقت اجتياح العراق ، يعرف تمامًا كيف ساهمت هذه الدول وعلى رأسها أميركا بنهب الآثار العراقية جملة وتفصيلًا، ويعرف كيف كان يتم النهب المنظم بحماية الأباتشي والأسلحة الأميركية المختلفة وصورت وقتها وسائل الإعلام هذا الحدث المهم ونقلوا الكاميرا إلى مقر وزارة النفط العراقية حيث احتشدت الدبابات الأمريكية تمنع حتى الموظفين العراقيين من الاقتراب من هذه الوزارة، يومها وبكل صفاقة طالعتنا كونداليزا رايس بتصريح استغربت فيه الحديث عن حماية وزارة النفط والسماح بنهب الآثار.. ومن ذلك اليوم حتى يومنا هذا شهدت العاصمة العراقية والمناطق الأثرية نهبًا متزايدًا للآثار، ومن الجدير ذكره أن بعض هذه القطع الأثرية ظهر في فرنسا ودول أوروبا، وبعضها الآخر تم ضبطه مع الجنود والإعلاميين الأميركيين الذي حاولوا تهريب هذه القطع إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى إثر كارثة بل فضيحة نهب آثار العراق. فقد استقال رئيس اللجنة الاستشارية للبيت الأبيض للشؤون الثقافية مارتن ساليفن يوم ١٤ أبريل ۲۰۰۳ أي بعيد احتلال بغداد بأسبوع، معتبرًا أن نهب متحف بغداد كان مأساة يمكن توقعها ومنعها. وقد أثار نهب المتحف استنكارًا دوليًا وتعبئة واسعة من أجل منع تشتيت هذا التراث الذي يمثل ذاكرة البشرية.

مأساة مريرة: لاشك أن الحديث عن مأساة آثار العراق المنهوبة يمتزج بمشاعر عميقة ومريرة بسبب عدم اكتراث العالم المتحضر وهيئة أممه المتحدة ولا مجلس أمنه لهذا الوضع المأساوي لحضارة أرض الرافدين التي تبتطن كل بقعة منها جزءًا من قصة الإنسان الأولى نحو بناء الحضارة الآدمية. بيد أن ما قيل ويقال حول هذا الموضوع يبقى حبيسًا في الصفحات الثقافية التي تقرأ ثم تطوى، إذا ما قرأت من قبل أصحاب الشأن!!. هذا بحد ذاته مأزق للإنسان المرهف في كل مكان، خاصة إذا ما ارتقى بوعيه الكوني إلى مستوى الشعور بأن هذه المواقع الأثرية ليست ملكًا لأحد، فلا هي ملك فقط الأحفاد السومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين في بلاد الرافدين اليوم، بل هي من ممتلكات وتراث الإنسانية جمعاء، لأنها نقص أول قصة حدثت في التاريخ، حيث تم ابتكار الزراعة وتأسست أول قرية، ثم أول مدينة، وابتكرت أول عجلة في التاريخ، ومن هناك نشأت الكتابة، زد على ذلك قصة الصراع بين الإنسان المتوثب للاستقرار الحضري على ضفاف دجلة والفرات: لذا كان الصراع الأول. في وادي الرافدين: بين الصحراء والماء البداوة والحضارة الارتحال والاستقرار.

إن قصة الكنوز الأثرية في بلاد الرافدين قصة «مأساوية» بكل ما تنطوي عليه اللفظة من معنى، فقد بدأت القصة مع عصر النهضة الأوروبية حيث بدايات حملات الارتحال إلى الشرق من أوروبا، ثم جاءت الاحتلالات والوصايات الأوروبية للمنطقة لتجعل من التنقيب عن الآثار حرفة فنية ولصوصية منظمة ملأت من بين معطياتها متاحف بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة بالتماثيل والثيران المجنحة والأختام الأسطوانية المستخرجة من تحت تراب وادي الرافدين حتى إذا ما جاء الاستقلال السياسي للعراق كي يفتح الباب لشيء من الأمل للحفاظ على ثروات العراق الأثرية، وهي ثروات لم يزل معظمها حتى اللحظة، دفينًا في مواقع تعد بعشرات الآلاف تمتد ما بين دهوك والفاو، ومع هذا. ومع ظهور مؤسسات وطنية متخصصة وبروز مدرسة أثرية عراقية من الطراز الأول، وآثاريين عمالقة من عيار المرحوم طه باقر «مترجم» أسطورة كلكامش فإن دناءة نفوس بعض المتنفذين في الحكومات السابقة جالت بهم حد التطاول على عدد من هذه اللقى النفيسة لتهريبها وبيعها في مزادات من نوع «كرستي» عبر تجار وسماسرة متخصصين.

اهتمام يهودي بالآثار!: كان اليهود في مختلف أنحاء العالم ومازالوا من أكثر المهتمين بالآثار العراقية نظرًا لأن أرض بابل هي جزء لا يتجزأ من إرثهم الروحي والديني، حيث قصة السبي البابلي واستقرار بعض سلالاتهم، على ضفاف النهرين العظيمين دجلة والفرات على هذه الضفاف الخضر المظللة ببساتين النخيل الغناء كتب الأخبار العبريون الأوائل تحت ظلالها الوارفة أهم النصوص الدينية العبرانية فسجلوا أهم الوصايا القديمة من التوراة إلى التلمود على لفائف حفظت في أسطوانات معدنية مصفحة في مخابئ وأماكن سرية: منها ما بني في جدران بيوتهم ومعابدهم، ومنها ما دفن في مواقع خاصة لا يعرفها سوى الأخبار ومن ورثهم من كبار الحاخامات.

لذا فإن أرض أور الموطن الأول لإبراهيم أبي الأنبياء ﷺ ، زيادة على أرض بابل، إنما تمثل جزءًا مهمًا مما يسمى في التراث الثقافي الغربي بأرض الكتاب المقدس، وهم لهذا السبب يهتمون بل ويستميتون من أجل استخراج مثل هذه الكنوز التي لم تعد يهودية فحسب بوصفها جزءًا من الأرض التي تبتطنها أرض العراق. وقد وجه كبير الوثائقيين العراقيين أسامة النقشبندي نداء استغاثة بإعادة نسخ من التوراة مكتوبة على جلد الغزال سرقها اليهود من العراق بعد الغزو الأمريكي!

معسكرات الغزاة

أما الأمريكان، الذين أقاموا معسكراتهم في بعض المواقع الأثرية أو على مقربة منها، مثل زقورة أور، ومدينة بابل، وآثار النمرود، وتل عكركوف وغيرها، فإن اهتمامهم بالآثار العراقية لا ريب فيه، ليس فقط لأن هذه الآثار تريهم معنى هيمنة العالم الجديد، على العالم القديم كتعبير عن الشعور بالقوة والخيلاء بل لأنها كذلك سلع يمكن أن تحيل الضابط أو الجندي الأميركي البسيط إلى مليونير، حيث يمكن أن يدس ختمًا أسطوانيًا أو تمثالًا صغيرًا. أقل حجمًا من علبة الكبريت في حقائب أمتعته، ليظهر في نيويورك أو لندن فجأة وهو يحمل ثمن مملكة بيده، وإذا كانت هذه الجماعات جلها من الأجانب الطارئين على العراق، حيث تغيب المسؤوليات التاريخية والوطنية والحرفية عند التعامل مع هذه الآثار الثمينة، ويبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحًا. هو من الذي يمكن أن يؤتمن على الآثار العراقية؟ القوات الأجنبية، كما لاحظنا، لا يمكن أن تخدم التراث العراقي بذلك فإضافة إلى انشغالاتها الآنية المباشرة، لا يمكن قط لهذه القوات أن تمنع جنديًا، جاء للعراق من أجل المال أصلًا من أن يحتفظ بشيء من آثار هذا البلد للذكرى. أما الحكومة العراقية فلم تتمكن حتى اللحظة من احتواء هذه المأساة بسبب المأزق الأمني المعروف المنظمات الدولية من اليونسكو إلى الصندوق العالمي للآثار، تخشى الوصول إلى العراق، وهي تكتفي بكتابة القوائم الخاصة بالإرث العالمي وبمواقع التراث القديم. هذا مأزق إنساني خطير فقد شهدنا كيف أقامت قوات الغزو الأمريكي قاعدة عسكرية في مدينة بابل الأثرية ومن ثم سلمتها للقوات البولندية، وتحدثت الأنباء عن دبابات قامت بهرس وتحطيم أرصفة قرميدية عمرها يزيد عن ٢٥٠٠ سنة إضافة إلى تصدع كامل بالجدران الأثرية التي قال عنها أحد الخبراء أنها غير قابلة للإصلاح بعد اليوم وهي في طريقها الى الدمار الكامل، ولنقل في سياق هذا الكلام تحطيم جدران وقطع أثرية أخرى كي تتحول إلى أكياس للمتاريس التي تقيمها القوات المحتلة الأميركية خوفًا من الهجمات التي تشنها المقاومة أو خوفًا من نبوخذ نصر القادم من أعماق الأرض والحضارة.

لقد حذرت منظمة اليونيسكو من أن الآثار العراقية معرضة للضياع بسبب عمليات التنقيب غير الشرعي، وبسبب ووجود القوات الأميركية في مواقع بابل و أور جنوب البلاد. جاء ذلك في كلمة ألقاها كوتشيرو مانسورا مدير عام المنظمة في الاجتماع الثاني للجنة الدولية للحفاظ على التراث الثقافي العراقي، المنعقدة في باريس.

محو حضارة

إن أحد أهم أهداف الغزو كان تدمير الذاكرة العراقية بشكل كامل إلى درجة يستحيل فيها قيام قائمة لها وهذا الأمر يتقاطع مع الرغبة اليهودية التي تسعى إلى الانتقام من نبوخذ نصر والسبي الشهير وبالتالي رد الصاع صاعين عبر دولة أخرى متهودة جدًا.

ومن هنا فنحن أمام كارثة حقيقية لن تشعر بهولها إلا يوم يختفي تاريخنا وبشكل كامل عبر محو هذه الحضارات عن طريق رموزها الأثرية وبالتالي تشكيل الشرق الأوسط الكبير بزعامة يهودية واضحة وهذا ما تسعى لتحقيقه كل من إسرائيل وأميركا والحلفاء الآخرون.

لقد قال مدير هيئة الآثار والمتاحف العراقية هناك ۳۸ قطعة نفيسة سرقت من قاعات متحف بغداد غير أن السرقات التي طاولت مخازن المتحف أكبر بكثير وتعد بالآلاف من القطع.

وقال المدير العام للآثار العراقية القد أعادت جهة واحدة إلى المتحف الوطني ٤٥٠ قطعة مسروقة، فكيف يكون حجم السرقات بالمئات فقط؟. وقال أيضًا: لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المسروقات للآثار العراقية لكنها بحدود ١٧ ألف قطعة وأضاف: لقد تعرضت التلال الأثرية إلى الحفر غير المشروع وسرقت كميات كبيرة من الآثار وهربت إلى الخارج.

اليوم.... وبعد ثلاثة أعوام من كارثة نهب وتدمير آثار أعرق حضارة في التاريخ على يد الغزاة ممن لا تأريخ لهم مازال العالم يتفرج ومازالت آثار العراق المنهوبة يتداولها السماسرة وتجار المنهوبات ومازال المجتمع الدولي لم يمارس دوره المطلوب في استعادة الآثار العراقية المنهوبة، ومازال المجتمع الدولي قاصرا عن مواجهة السارق الأكبر والمسبب لهذه الكارثة!.

الرابط المختصر :