; ثمرة «العجلة» | مجلة المجتمع

العنوان ثمرة «العجلة»

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009

مشاهدات 74

نشر في العدد 1848

نشر في الصفحة 54

السبت 18-أبريل-2009

أورد الفيلسوف الهندي «بيدبا» في كتابه: «كليلة ودمنة» الذي ترجمه عبد الله بن المقفع. أن امرأة ولدت غلامًا سويًا، فسر به أبوه، حتى إذا كان بعد أيام قالت المرأة لزوجها: اقعد عند الصبي حتى أغتسل وأرجع إليك، فانطلقت المرأة، ولم يقعد الرجل إلا قليلًا، حتى جاء رسول السلطان، فذهب به، ولم يخلف مع ابنه أحدًا، إلا أنه قد كان له ابن عرس «حيوان صغير» داجن «أليف» عنده، يقوم عليه قيام الرجل على ولده، فتركه الرجل عند ابنه، وذهب إلى السلطان، وكان في بيته جحر أسود «جُحر غراب»، فخرج الأسود يريد الغلام، فوثب عليه ابن عرس فقطعه، وأقبل الناسك عند انصرافه حتى أتى بيته، فدخله، فتلقاه ابن عرس كالمبشر له بما صنع، فلما نظر إليه الناسك متلطخًا بالدم سلب عقله، ولم يلبث ولم يتبين، وضرب ابن عرس ضربة على رأسه فوقع منها ميتًا، ودخل الناسك بيته، فرأى الغلام، والأسود مقطع فعرف الأمر، وأقبل على رأسه نتفًا، وعلى صدره ضربًا، وجعل يقول: ليت هذا الغلام لم يولد ولم أنل هذا الغدر والكفر، فدخلت المرأة وهو يبكي، فقالت له: ما يُبكيك؟ وما شأن هذا الأسود وابن عرس مقتولين؟ فأخبرها خبرهما، وقال: هذه ثمرة العجلة، فهذا مثل من عمل عملًا بغير تثبت ولا روية من أمره (۱).

رسالة هذه القصة هي وجوب «التبين» وهو: تطلب البيان وهو ظهور الأمر، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: «فتثبتوا» من التثبت وهو تطلب الثبات، وهو الصدق، وقال القراءتين واحدة وإن اختلف معناهما:

في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)

ولقد رأيت ذات يوم رجلًا يركض بسرعة خلف فتى، يريد أن يمسكه، فلما تحريت السبب. وجدت أن الفتى هو ابن أخت الرجل، وقد شك الرجل أن ابن أخته سرق شيئًا من بيته، وكان الفتى في جيبه «علبة سجائر» وقد شك هو الآخر أن خاله أراد أن يضبطه متلبسًا بحمل السجائر والتدخين، فلما أمسك الرجل بالفتى، أحكم الفتى قبضته على جيبه، حتى لا تصل يد خاله إلى السجائر، وكلما أحكم قبضته على جيبه زاد شك الرجل، ثم فوجئ بأن الفتى بريء مما ظنه فيه، وأن كلا منهما في ظنه حسابات تختلف عن حسابات الآخر!!

إن التثبت من الأخلاق الأساسية في الإسلام، وفي تركه هلاك للفرد ولغيره، وفيه حيد عن جادة الحق، وانزلاق إلى ظلم الأبرياء واتهام الشرفاء، والشك فيهم، لذا فقد نادى رب العزة عباده المؤمنين وأمرهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)

سبب النزول

سبب نزول آية التثبت والتبين في سورة الحجرات هو أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ الزكاة من الحارث بن ضرار الخزاعي، فخشيهم لشيء كان بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع إلى النبي ﷺ  يخبره بامتناعهم عن دفع الزكاة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله!! فأنزل الله عز وجل عذرهم في هذه الآية من سورة الحجرات.

ومعنى التثبت: تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال، والتبين: التأكد من حقيقة الخبر وظروفه وملابساته، يقول الحسن البصري: «المؤمن وقاف حتى يتبين».

وفي موضع آخر يقول الرسول ﷺ: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» «أخرجه البيهقي وحسنه الألباني».

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- إنما كانت العجلة من الشيطان، لأنها خفة وطيش، وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب وضع الشيء في غير محله، وتجلب الشرور، وتمنع الخيور...»

ولله در القائل:

وقد يدرك المتأني بعض حاجته

                 وقد يكون من المستعجل الزلل

خالد وبني جذيمة

وعند البخاري في قصة خالد بن الوليد مع بني جذيمة، لما دعاهم للإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر.. قال ﷺ: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين، قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا، لأن لغات الناس قد تختلف ولهجاتهم ومصطلحاتهم.

صور من عواقب العجلة وعدم التثبت:

(1) المهاجرون إلى الحبشة:

لما هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة وكانوا في أمان، أشيع أن كفار قريش في مكة أسلموا، فخرج بعض الصحابة من الحبشة، وتكبدوا عناء الطريق حتى وصلوا إلى مكة، ووجدوا الخبر غير صحيح، وكانت عاقبة التعجل وعدم التثبت أنهم لاقوا من صناديد قريش التعذيب، بسبب التسرع في تصديق الإشاعة وعدم التيقن.

2- إشاعة مقتل النبي ﷺ:

عندما قتل مصعب بن عمير في غزوة أحد، وقد كان يشبه رسول الله ﷺ، أشيع أن رسول الله ﷺ قد قُتل، فتأثر جيش الإسلام بهذه الإشاعة، لعدم التبين.

3- حديث الإفك:

لما دبر عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين مكيدة للرسول ﷺ في بيته وأهله، وأشاع الزنى -كذبًا وبهتانًا- عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقع بعض المسلمين في التسرع وعدم التثبت، فكانت نتيجة ذلك وقوع المسلمين في بلاء.

وقد شدد الإسلام في تحري الصدق، وأوجب التثبت، ونهى عن الوقوع في الزلل، وأمر بتمحيص ما نسمعه، ونهى عن نقل الحديث دون تبين، ففي الحديث الصحيح: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» «رواه مسلم».

ويستفاد من ذلك أن من واجب المسلم أن يتحرى الحقيقة، وألا يتعجل في تصديق كل ما يسمع، وأن يتثبت من الخبر قبل إذاعته، وخاصة من يعملون في مجال الإعلام ونقل المعلومات.

4- فراق الخضر لموسى عليه السلام:

لقد ربى الله أنبياءه على التثبت، ومن هذه المواقف التربوية مصاحبة موسى «المتعلم» للخضر «المعلم»، والقصة واردة في سورة الكهف، حيث طلب موسى عليه السلام من الخضر أن يصاحبه ليتعلم منه، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام وهو يخاطب الخضر: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف: 66).

 فرد عليه الخضر قائلًا: ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (الكهف: 67، 68)

فرد عليه موسى قائلًا: ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: 69)

فاشترط الخضر على موسى ألا يتعجل، وألا يسأله عن شيء حتى يوضحه له، وذلك في قوله تعالى على لسان الخضر: ﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (الكهف: 70)

لكن موسى -عليه السلام- لم يتريث ودهش لتصرفات الخضر، وكان يسأله دائمًا ولم يصبر، ذلك أن الخضر خرق السفينة التي حملتهما، ومن ثم لم يأت جزاؤه من جنس العمل، ثم يقتل الخضر غلامًا زكيًا لم يسيء إليهما، وعلى العكس من ذلك يقيم جدارًا يريد أن ينقض من غير أجرة يتقاضاها، برغم أنه جدار في قرية رفض أهلها أن يضيفوا الخضر وموسى، فدهش موسى لذلك كله وأنكره، وتسرع في السؤال قبل أن يوضح له الخضر أسرار هذه التصرفات، برغم أنه اشترط على موسى أن يصبر ولا يسأله عن شيء حتى يأتيه الخضر بالتوضيح والتبرير، وفي المرة الأولى تعجل موسى بالسؤال فرد عليه الخضر مذكرًا برفق المعلم الحليم: ﴿ ۞ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 75).

فيعتذر موسى بأدب: ﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (الكهف: 73)

وفي المرة الثانية عندما قتل الخضر الغلام أنكر عليه موسى ذلك: ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ (الكهف: 74)

 فذكره الخضر: ﴿ ۞ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 75).

فيعتذر موسى عليه السلام ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ (الكهف: 76)

وفي المرة الثالثة عندما أقام الجدار قال موسى للخضر الَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: 77)

وهنالك قرر الخضر الفراق: ﴿ قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 78)

 ثم بدأ يوضح له أسباب هذه التصرفات التي سلكها الخضر.

سليمان عليه السلام يعلمنا التثبت

في قصة سليمان والهدهد درس تربوي في التثبت ولندع القرآن الكريم يقص علينا القصة ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ،  لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ (النمل: 20، 21)

وذلك لأنه نبي لم يعرف بعد ظروف الهدهد الغائب ولم يسمع حجته وهو -أي سليمان- ليس ملكًا جبارًا في الأرض، ومن ثم يستثني حالة وجود حجة قوية واضحة يعذر بها الهدهد: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ (النمل: 21)

ولما جاء الهدهد إلى سليمان عليه السلام، وقص عليه أخبار «بلقيس» ملكة اليمن، وحال الناس هناك، وسجودهم للشمس قال سليمان: ﴿ ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النمل: 27)

 إن الأناة والتثبت والتبين من الصفات الحميدة التي يحبها الله في عبده، وتكون هذه الصفات أجمل إذا تحلى بها القادرون على العقاب واتخاذ القرار، لذا قال الشاعر ابن هانئ الأندلسي:

وكل أناة في المواطن سؤدد

                    ولا كأناة من قدير محكم

ومن يتبين أن للصفح موضعًا

                من الصفح يصفح عن كثير ويحلم

وما الرأي إلا بعد طول تثبت

                 ولا الحزم إلا بعد طول تلوم

الاستخبار قبل الإنكار

لقد استنبط العلماء من النصوص الشرعية أحكامًا عظيمة في التثبت والتروي والاستخبار، أي تحري صحة الأخبار وصدقها قبل الإنكار يطيب لي في هذا السياق أن أورد ما ذكره القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية عند حديثه عن المحتسب، حيث يقول: «وإذا رأى وقوف رجل مع امرأة في طريق سالك لم تظهر منهما أمارات الريب لم يتعرض عليهما بزجر ولا إنكار، وإن كان الوقوف في طريق خال بمكان ريبة فينكرها، ولا يعجل في التأديب عليهما، حذرًا من أن تكون ذات محرم.. وإن رأى المحتسب من هذه الأمارات ما ينكرها تأنى وفحص وراعى شواهد الحال، ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار».

سبب التحذير من التسرع

لقد بين المولى عز وجل سبب التحذير من التسرع وحث المؤمنين على التثبت قبل اتخاذ الموقف، فقال سبحانه: ﴿ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)

 أي لئلا تصيبوا الأبرياء من الناس وأنتم تجهلون حقيقة الأمر، فتتحولوا نادمين بعد ظهور براءتهم، مغتمين بسبب ما ارتكبتم في حقهم، لأن الندم هو الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه، وهذا يحدث بسبب تعجلهم الذي يأمر به الشيطان، ليثير فيهم الحزن والأذى، ويشيع التفرق والأحقاد بينهم، وينزع من بينهم الثقة وحسن الظن، وهي صفات تجمعهم على الخير والحق والجمال.

إن واقع كثير من الناس ينطق بفوضى عارمة تجاه صفة التبين، فتراهم يقذفون بالغيب دون تثبت، ويحكمون على سلوك الناس ويحاكمونهم قبل التحقيق والتحقق، وترى كثيرًا منهم يتتبعون عورات الناس، ويتقولون عليهم ويلوكونهم بألسنتهم بكلام قد يؤدي إلى هلاك المتحدثين، فزلة اللسان أصعب من زلة القدم، وصدق الشاعر إذ يقول: يموت الفتى من عثرة بلسانه

                وليس يموت المرء من عشرة الرجل

فعثرته من فيه ترمي برأسه

               وعثرته بالرجل تبرأ على مهل

ومن الناس من يتدخل في غير شأنه، ويقتحم على الناس خصوصياتهم وتخصصاتهم ومهامهم، ويحكم على الأمور دون بينة ودون علم، ويختلق الأقاويل، ويضيف إليها من المقبلات والتوابل، وهذا ربما يكون أخطر من النمام، وفي ذلك يقول شاعرنا:

لي حيلة فيمن ينم

        وليس في الكذاب حيلة

من كان يخلق ما يقول

             فحيلتي فيه قليلة

هامش

(1) بيدبا، كليلة ودمنة، ترجمة عبد الله بن المقفع بيروت: مؤسسة المعارف، ۲۰۰۳م، ص ١٦٩ «بتصرف».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1736

74

السبت 27-يناير-2007

استراحة المجتمع (1736)

نشر في العدد 936

77

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

حكم ومواعظ

نشر في العدد 730

139

الثلاثاء 20-أغسطس-1985

من ضوابط الإنكار