العنوان أبي.. كما عرفته «رجل بسبعة » (٤)
الكاتب عبدالرحمن المطوع
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 51
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 39
السبت 30-ديسمبر-2006
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
«ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه».
هذا حال الرجلين المتحابين، اللذين اجتمعا في الدنيا على طاعة، فكرمهما المولى عز وجل باستظلالهما بعرشه، ووجوب محبته، والفوز برضاه وقربه، فكيف بمن كان للحب في الله عنوانًا، وكيف بمن كان له في كل قطر ومصر إخوان وخلان، وكيف برجل اجتمع مع أمة على محبة الرحمن، وكيف بقلب خفق بحب الصالحين الأخيار، وكيف بمجلس لا يخلو من ذكره سبحانه وذكر المصطفى العدنان؟
كأني بك أبتاه يوم الحشر العصيب والموقف الرهيب، يوم ينادي رب العزة والجبروت ويقول: «أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» «رواه مسلم».
كأني أراك وقد أقبلت عليه عز شأنه في جموع من الإخوان والخلان، جمعتكم في الدنيا محبة الله، وقد أهداكم المولى منابر من نور يغبطكم عليها النبيون والشهداء..
رباه.. أرجو ألا تخيب رجائي وتخيب ظني وأن تريني والدي وهو مستظل بعرشك، وراكن إلى رحمتك وعفوك.. وقد أحاط به الأصحاب، وتجمع حوله الأحباب...
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في» «صحيح- رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح».
أخي القارئ سأتركك الآن مع أصحابه يحدثونك كيف اجتمعوا معه على الطاعة وافترقوا بإذن الله عليها.
يقول الشيخ أحمد القطان: «كنت شديد الصلة بأبي بدر خلال السنوات الأربع الأخيرة من عمره يرحمه الله، أسافر معه من نصف الشهر السابع إلى نهاية الثامن الميلادي، فرأيت من أمره عجبًا رأيته في ليله ونهاره والاتصالات عليه لا تنقطع.. ولما سافرت إلى مدينة «أبها»، أخذت لا أرد إلا على الهاتف الذي يأتيني من الإعلاميين لتعم المنفعة فقال لي: «يا شيخ أحمد أنت لست لنفسك إنما أنت للناس، انظر إلي لا أرد أحدًا كائنًا من كان في ليل أو نهار على جميع خطوطي، فأرجوك أن ترد على كل الناس في كل الأرض وفي كل حين»، فقلت: سمعًا وطاعة.
وكان هذا هدي أبي ودأبه لا يرد سائلًا، ولا يرفض متصلًا، وكان أغلب اتصالاته لإخوانه في الله يسأل عن أحوالهم، ويلبي احتياجاتهم، ويذكرهم بالله ويجمعهم على طاعته.
وقال عنه الدكتور عبد الله العتيقي: «فقدناك محبًا لإخوانك مطيعًا لمشورتهم، ملتزمًا بجماعتهم، ثابتًا على طريقهم».
وكم أجاد وصفه الشيخ جاسم مهلهل الياسين حين قال: «كان العم بوبدر بالنسبة لنا القائد في التوجيه، والشيخ في التربية الروحية، والعالم في التربية الفكرية، والثقافية، والمربي في التكوين السلوكي، فكان كل شيء بالنسبة لنا».
وقال الدكتور عجيل النشمي: «ومذ عرفت الرجل عرفت عن طريقه أفذاذ الرجال، ومشاهير الدعاة، والعلماء، وقادة الحركات والجماعات الإسلامية من شتى أقطار العالم الإسلامي، يفدون إلى ديوانه».
نعم كان إخوانه كثيرين، وأحبابه لا ينفذون، حتى أن الكثير منهم أحبه قبل أن يراه، وصاحبه قبل أن يلقاه.. لا يسعني في هذه الصفحات القليلة ذكر أسمائهم، وحصر أوصافهم، بل هم من الكثرة بما يضيق عن ذكرهم المكان، ويجهد بسردهم البنان.
وقال المستشار عبد الله العقيل -العم الذي كان اسمه يردد علينا منذ صغرنا، لقربه من والدي وحب أبي الجم له-: «فحين التقيت الأخ أبا بدر وجدت فيه الصورة الصادقة للمسلم الملتزم بدينه العامل في سبيل نشر دعوة الإسلام، الباذل قصارى الجهد والمال والوقت لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان».
وأختتم استشهاداتي بقول صديقه المقرب وخله المحبب العم الفاضل «عبد الواحد أمان» عندما قال: «إن رفقة الدرب التي امتدت لأكثر من خمسين عامًا نعتقد أنها كافية أن تؤهلنا للشهادة الطيبة عن عملك وسيرتك في الحياة الدنيا ولا نزكي على الله أحدًا».
لا أصدق من هذه العبارات الأخوية، ولا أجمل من هذه المعاني الروحانية، التي نقلها لنا بعض إخوانه في الله الذين اجتمعوا لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله.
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «لولا ثلاث لما أحببت العيش في الدنيا: الظمأ بالهواجر، والسجود لله في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر».
نعم.. لقد انتقى أبي أصحابه واختار خلانه، من فضلاء القوم، وأعلاهم منزلة في قلبه كان أقربهم من المولى عز وجل منزلة.
كان يجالس الصالحين الذين ينتقون أطايب الكلام، ويجلس معهم الساعات الطويلة والأوقات الكثيرة، لا يملهم ولا يملونه، يحبهم ويحبونه، ويزيدهم الله من فضله.
أبتاه.. إن فقدنا مجالسك الطيبة في الحياة الدنيا، فنأمل الله ألا يحرمنا إياها في جنان الخلد إن شاء الله هناك، حيث الأحبة محمد وصحبه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل