العنوان كيف نعيد إلى بيوتنا البركات؟ (أخيرة) ٤ وسائل لإحلال البركة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010
مشاهدات 60
نشر في العدد 1919
نشر في الصفحة 54
السبت 18-سبتمبر-2010
من الحياة
اليوم أختم حديثي عن سلسلة إعادة البركات إلى بيوتنا في شهر الخيرات.
ويطيب لي أن أذكر القارئ الكريم بما تناولت من وسائل إحلال البركة في بيوتنا في المقالات الثلاث السابقة وهذه الوسائل هي البدء بالبسملة وتقوية الإيمان وتحقيق التقوى، وإفشاء السلام، والاجتماع على الطعام وآداب ذلك والمواظبة على السحور وتحري بركة ليلة القدر وخيرها وشرب ماء زمزم والإكثار من شكر الله، والإكثار من الاستغفار والإكثار من الصدقات واحسان التوكل على الله، وصلة الأرحام، وتحري الكسب الحلال.
وأختم هذه السلسلة المباركة ببعض وسائل إحلال البركة، التي لم أتناولها فهذه الوسائل كثيرة، وحسبي أن أنتقي منها ما أظن أن بيوتنا تحتاج إليه في الفترة الراهنة، سائلًا المولى عز وجل أن ينفع بها بيوت المسلمين جميعا، ففي السطور القليلة القادمة سأتناول هذه الوسائل.
صناعة المعروف، والتبكير في طلب الرزق والمحافظة على الصلوات، وإحسان التعامل مع القرآن الكريم.
وفي السطور القادمة تبيان لكل وسيلة بين هذه الوسائل الأربع.
رابع عشر: صناعة المعروف:
جاءت امرأة لليث بن سعد وفي يدها قدح، فسألت عسلًا، وقالت، إن زوجي مريض فأمر لها براوية عسل، فقالوا: يا أبا الحارث إنما سألت قدحًا وكان يكفيها فقال: هي سألت على قدرها، ونحن نعطيها على قدرنا.
ولصناعة المعروف خصال ثلاث: التعجيل به، وتيسيره، وعدم المن به، فمن أخل بخصلة من هذه الخصال فقد أخل بصناعة المعروف. لقد دعانا القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى المعروف، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُن بِالْمعرُوف﴾ (النساء: ۱۹) والمقصود هنا معاشرة الزوج لزوجته، وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (النساء: 5)، ونهى عن المن بالمعروف فقال سبحانه: ﴿قُولُ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مَن صَدَقَة يَتبعُها أذَى﴾ (البقرة ٢٦٣)، وأمر كل مسلم بمصاحبة والديه في الدنيا بالمعروف فقال: ﴿وَصَاحبهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥).
وعن التعجيل بالمعروف يقول عمر ابن الخطاب لكل شيء شرف، وشرف المعروف تعجيله.. ومن الأمثال العربية خير البر عاجله.
ومن أفضل ما قيل في المعروف: اعمل المعروف ولا تنتظر الشكر عليه..
ومن أقوال علي بن أبي طالب في المعروف أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه وأحسن ما في اللئيم أن يكف عنك أذاه.. ويقول عبد الله بن عباس سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.. وللفلاسفة إسهام في الدعوة إلى المعروف يقول أفلاطون إن تعبت من البر فإن التعب يزول، والبر يبقى.. وإن تلذذت بالآثام فإن اللذة تزول والآثام تبقى..
وعن المسارعة في المعروف يقول: لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد، فإنك لا تدري ما يعترض لك في غد.
ويقول المثل الفرنسي: دموع البذل تغسل الخطايا، وفي المثل الإنجليزي: الإحسان لا يفقر، والرقة لا تغني، وهناك مثل إنجليزي آخر يقول: الإحسان المتكلف لا يستحق الثناء.
ومن الأمثال الهندية: البر هو الوحيد الذي يرافق الإنسان في رحلته إلى الحياة الآخرة..
ويقول المثل اللاتيني: العبرة في المعروف ليست في مادته أو قيمته أو فيمن تلقاه، بل نية من صدر عنه وطريقته..
صور المعروف وأنواعه
للمعروف صور وأنواع متنوعة وكثيرة فالنصح معروف، والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر معروف، قال تعالى: ﴿ولَتكُن مّنكمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إلى الخيْر وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكر﴾ (آل عمران: ١٠٤).
وإرشادك من ضل الطريق معروف ومساعدتك للمكفوف معروف، وإغاثتك للملهوف معروف، ومساعدتك للمحتاج معروف، وتبسمك في وجه أخيك معروف وإماطتك الأذى عن الطريق معروف، وعطاؤك للمحروم معروف.
قصة مثيرة
تعرض الأستاذ مصطفى أمين رئيس تحرير صحيفة الأخبار، القاهرية سابقا للاعتقال، وفي أثناء اعتقاله منع عنه الماء، حتى بلغ به العطش مبلغًا، وأشرف على الهلاك، وإذا به ينظر في كل مكان عسى أن يجد ماء فلم يجد، وبينما هو في هذه الأزمة وجد يدا تمتد إليه من نافذة الزنزانة وفيها كوب ماء بارد، فلم يصدق نفسه، لكنه بادر وأمسك بالكوب وشربه، وعرف أن الذي جاء بالماء إليه هو أحد حراس السجن، فتعجب من صنيع الحارس، وسأله: لماذا صنعت ذلك وأنت تعلم أن قادة السجن لو علموا سيعذبونك عذابًا شديدًا؟ فقال له الحارس أتدري من أنا؟ أتذكر رجلا أرسل إليك ذات يوم يطلب بقرة لأن بقرته ماتت؟ هذا الرجل أنت أرسلت إليه محررة بصحيفة الأخبار، لتزوره وأرسلت معها البقرة المطلوبة، وهذا الرجل الذي أنت أحسنت إليه هو أبي، فكان لابد من أن أرد الإحسان بالإحسان
أجل.. صدق رب العزة إذ يقول، ﴿ومَا تُنفِقُوا مِن خَيْر فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وجه الله وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرِ يُوَفَ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تظلمون﴾ (البقرة: ۲۷۲).
ولله در الشاعر إذ يقول:
ازرع جميلًا ولو في غير موضعه ما خاب قط جميل أينما زرعا
هكذا نرى أن صنع المعروف يجلب البركات إلى صانعيه.
خامس عشر التبكير في طلب الرزق:
لاشك في أن من أراد بركة في الرق يجب أن يطلبه في وقت مبكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة في الرزق لمن يطلب الرزق مبكرا وكما هو معلوم فإن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب ولا يرد، لذلك ينبغي للمسلم ألا يطلب الرزق فحسب، بل يبكر إلى طلبه، وهكذا كان سلفنا الصالح يطلبون أرزاقهم عقب صلاة فجرهم، فعن صخر الغامدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لأمتي في بكورها.. والمقصود بالبكور هنا أول النهار (أخرجه الطبراني وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني)
ولقد حدنا عن طريق سلفنا الصالح وعن جادة الصواب في طلب الرزق، فصار الناس يسهرون أمام الفضائيات ثم لا يستطيعون أن يستيقظوا مبكرًا لأعمالهم، ومن ثم ذهبت البركة وهربت من البيوت، فهل نعود إلى المنهج القويم في طلب الرزق؟!
سادس عشر: المحافظة على الصلوات:
فالمحافظة على الصلوات تجلب البركة في الأجر، يقول صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله (أخرجه مسلم).
فواضح هنا أن الله زاد عباده في العبادة وبزيادة العبادات والطاعات يزيد الأجر والثواب، وفي صلاة الصبح طمأنينة وحماية ربانية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى الصبح فهو في ذمه الله، (رواه مسلم)، والمعنى أي في كنف الله وعهده وحمايته ورعايته فيشعر بالطمأنينة لأنه في رعاية ربه الذي بيده ملكوت كل شيء، وإذا أدركنا قيمة الراحة والطمأنينة النفسية في حياة الإنسان لعلمنا قيمة الصلاة وبركتها، فقد أثبت الله عز وجل في كتابه الكريم الاستعانة بالصبر والصلاة على أعباء الحياة حتى يتكيف الإنسان مع حياته ومن حوله، ويعيش سعيدًا متحملًا ما يصيبه
قال تعالى: (قرآن) (البقرة).
يقول ابن كثير: إن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، فدل على أن الصلاة مما يستعين به العبد على أعباء الحياة وتبعاتها وشدائدها، لذا فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمؤذنه بلال أرحنا بها يا بلال.
ومن أعظم نعم الله عز وجل على عباده رؤية وجهه الكريم، وهذه الرؤية ينالها العبد بحفاظه على الصلاة، فيروى عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه نظر إلى القمر ليلة البدر ومعه أصحابه ثم قال لهم: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا.. يعني العصر والفجر. (متفق عليه).
ولقد كان السلف الصالح يحرصون على حضور هذه الصلوات في جماعة، لذا فقد بارك الله لهم، وحتى نساء السلف كن يحرصن على شهود صلاة الجماعة بالمسجد برغم أنها ليست واجبة عليهن.
وهل يتصور الإنسان أعظم من أن يملك نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة؟! إنك تستطيع امتلاك ذلك كله بالمحافظة على الصلاة، كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم في قوله من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف (أخرجه أحمد بإسناد جيد).
وما أعظم بركة الجنة، والطريق إليها هو المحافظة على الصلاة يقول: من صلى البردين دخل الجنة (متفق علي) والبردان الصبح والعصر.
سابع عشر: إحسان التعامل مع القرآن الكريم:
القرآن الكريم كلام الله تعالى، وهو معجزة نبيه وهو كله بركة وخير وقد تعبد السلف بالقرآن الكريم بعدة صورة تمثل منهجهم في التعامل مع القرآن الكريم، وهذا المنهج منبثق من الكتاب والسنة، وتشتمل صور التعبد بالقرآن الكريم لدى السلف الصالح على ما يلي:
(1) التلاوة والترتيل:
لقوله تعالى: ﴿وَرَتْلِ الْقُرْآنَ ترتيلا﴾ (المزمل: 4) ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾(المزمل: ۲۰)
وفي التلاوة بركة وأجر وعبادة، فبكل حرف يقرؤه المسلم له أجر وحسنات مضاعفة.
(۲) التدبر: وفي ذلك يقول رب العزة سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).
الاستشفاء فقد رقى جبريل وميكائيل عليهما السلام نبينا، واستخدم السلف الصالح الرقية وانت ثمارها، وصدق ربنا عز وجل إذ يقول، ﴿وَتُنزَلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ورحمة للمؤمنينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82).
(۳) العمل بالقرآن الكريم وتطبيقه: فالعمل به هدى ورشاد، وحصانة من الضلال وفي ذلك بركة عظيمة أكدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي.. وأخيرًا أود أن أوكد أن ما تناولت على مدار المقالات الأربعة في كيفية إحلال البركات في شهر الخيرات ليس كل شيء، وإنما ضاق الوقت وضنت الأوراق والسطور؛ فلم أستطع أن أضع أمام القارئ كل الفرص الذهبية الرمضانية فهو فرصة لفقدان الوزن، وفرصة لنكون أكثر رشاقة وحيوية وفرصة لكسر روتين الحياة الزوجية وفرصة للإقلاع عن التدخين... فإما أن تجيد - أخي الكريم - قنص الفرص فتفوز، وإما أن تجيد تضييع الفرص وينتهي رمضان وأنت صفر اليدين، أسال الله سبحانه أن يجعلني وإياك من قناصي الفرص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل