العنوان نساء مجاهدات: كوثر الساعي.. رحلة عمر
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1801
نشر في الصفحة 44
السبت 10-مايو-2008
نساء مجاهدات: كوثر الساعي.. رحلة عمر
وُلدت عام 1921 م ونشأتْ في جو إخواني تحت رعاية أخيها المهندس محمود السَّاعي بعد وفاة والديها في وقت مبكر من حياتها
كان بيتها غرفة لإدارة العمليات قبل الثورة حيث كان زوجها الأستاذ محمد فريد عبد الخالق أحد المفاوضين من قِبَل الإخوان مع جمال عبد الناصر والضباط الأحرار قبل وبعد الثورة
كان منزلها مكانًا للقاء بعض الضباط الأحرار وقيادات الإخوان للاتفاق على كيفية العمل لصالح المجتمع المصري إذا نجح الانقلاب
بعد اعتقال زوجها .. أصبحتْ مسؤولة عن بيتها وبيت أخت زوجها زوجة اللواء صلاح شادي الذي حكم عليه بالإعدام ثم خفف لمؤبد
قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلًا لِّیَجۡزِیَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِینَ بِصِدۡقِهِمۡ وَیُعَذِّبَ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ إِن شَاۤءَ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ (الأحزاب:23-24)
على هذه المعاني ربَّى الإمام البنا رجالًا ونساءً عرفوا قيمة الحياة، فتاجروا مع الله فيها، فباعوا أنفسهم له واشتروا رضوانه وجنته فربحوا بهذا البيع، رجالًا ونساءً كانتْ غايتهم الله والرسول قدوتهم، والقرآن دستورهم، والجهاد سبيلهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم، وظلُّوا يرددون هذه المعاني بقلوبٍ صادقةٍ صافيةٍ مخلصةٍ لله فنالوا ما تمنوا.
إنَّ دعوة الإخوان المسلمين هي الدعوة الأم لكل الحركات الإسلامية المعاصرة على اختلاف مناهجها، وهي الدعوة التي قدمت الشهداء والمفكرين والعلماء والفقهاء والباحثين، ويرتبط أفرادها بمنهج ودعوة، ولا يرتبطون بأفراد ولا شيوخ بعينهم، ولم تتنازل عن شيء من منهجها إيثارًا للسلامة وتجنبًا للمحن.
فقد تعرَّض رجالها ونساؤها للفتن والحصار والتضييق، وأبَوا التفريط في أي معلم من معالم الدين، وقدموا في سبيلها الشهداء الذين لم يغيروا أو يبدلوا حتى وهم معلقون على أعواد المشانق، وضَربَتْ زوجاتهم وأبناؤهم أروع الأمثلة في الصبر.
إنَّ الدعوة الإسلامية تتعرَّض الآن لهجوم مستمر من قبل المتربصين لهذا الدين؛ فالمؤامرة على الإسلام ودعاته مستمرة وستستمر.. ولذا وجب على كل الدعاة في كل مكان أن يفطنوا لحقيقة دورهم، وأن يستشعروا معية الله وأن نصره مهما طال الأمد قادم: حتى لا يتسرب اليأس والخوف إلى قلوب حماة هذا الدين.
لقد قدَّم الدعاة والداعيات في كل عصر ومصر من تضحياتٍ عظيمةٍ من أجل هذا الدين، وما هذه النماذج التي قدمتها الإخوان المسلمين إلا حلقات وسط سلسلة من نماذجَ طيبةٍ تفاعلتْ قلوبهم مع نور هذا الدين، فوجدنا نسيبة بنت كعب تنتفض لتدفع بجسدها وتذود عن رسول الله ﷺ في غزوة أحد ضد الكفار، كما وجدنا زوجات كثير من الإخوان ابتلين في أنفسهن فاعتقلن وابتلين في أرزاقهن وأزواجهن وأولادهن وبناتهن، فكنَّ مثالًا صالحًا يُحتذى في مواجهة الظلم والظالمين، ونبراس للفتيات اللاتي يأتين بعدهن ليحملن هذا الدين.
نهاية المطاف
في ٢٦ شارع النخيل وبجوار أشهر مساجد حي المهندسين وهو مسجد مصطفى محمود، ذلك المسجد الذي ارتقى منبره فطاحل العلماء، في هذا المكان عاشتْ السيدة كوثر حسن الساعي، ومنه أيضًا رحلت هذه السيدة الفاضلة، عاصرتْ خلال حياتها أحداثًا جسامًا في تاريخ مصر، وكان بيتها في لحظة من اللحظات الحاسمة غرفة لإدارة العمليات قبل الثورة، حيث كان زوجها الأستاذ محمد فريد عبد الخالق أحد المفاوضين من قِبَل جماعة الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر والضباط الأحرار قبل وبعد الثورة.
والأستاذ محمد فريد عبدالخالق أحد الرعيل الأول للإخوان المسلمين، وأحد الأولين في الهيئة التأسيسية للإخوان، كما أنه أحد أعضاء مكتب الإرشاد في عهد الإمام البنا والهضيبي، ولد في ٣٠ / ١١ / ١٩١٥ م بفاقوس شرقية، تخرج في معهد العلوم الرياضية عام 1936 م. ثم حصل على ليسانس الحقوق عام ١٩٥٧ م، ثم دبلوم الشريعة عام ١٩٥٩ م، ودبلوم القانون العام سنة ١٩٦٠ م، سجَّل مشروع الدكتوراه بعنوان «الحسبة على ذوي السلطان والجاه» وقد أشرف عليها الدكتور عادل خفيف، ثم الدكتور يوسف قاسم.
تعرَّف على الإمام البنا ودعوة الإخوان المسلمين عام ١٩٤٠ م عن طريق الأستاذ صالح أبو رقيق، فنشط في الدعوة حتى تولى مسؤولية قسم الطلاب وشارك الأستاذ عبد الحميد الصيفي في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، حتى اُختير عضوًا في مكتب الإرشاد.
اعتُقل عام ١٩٤٧ م في قضية إلقاء القنابل على الجنود الإنجليز في عيد الميلاد والتي اتُّهم فيها الأخ عبد السميع الغنيمي ونفيس حمدي، ثم اعتقل بعد حل الجماعة عام ١٩٤٨ م. شارك في الاجتماعات التحضيرية بين الإخوان والضباط الأحرار قبل الثورة وبعدها، اعتقل عام 1954 م وخرج عام 1957 م. ثم أُعيد اعتقاله مرةً أخرى مع إخوانه وأخواته عام ١٩٦٥ م، وظلَّ بالمعتقل حتى خرج عام ۱۹۷۱ م، وهو الآن من أبرز رجال الرعيل الأول ظهورًا على الفضائيات (۱)
بعد شهرين ونصف من زيارتها لإجراء حوار معها، ويوم الأحد الموافق ٢٤ / ٢ / ٢٠٠٨ م، فاضتْ روح هذه السيدة إلى بارئها بعد عمرٍ حافل، وفي هذا الشارع تحرك موكب تشيعها للصلاة عليها الصلاة الأخيرة بمسجد الحصري بمدينة ٦ أكتوبر (٢).
فمن تكون؟
كوثر حسن الساعي هذا اسمها، وُلدتْ عام ۱۹۲۱ م، توفي والديها في وقتٍ مبكرٍ من حياتها، فتولى رعايتها أخوها المهندس محمود الساعي الذي كان أحد المخلصين لدعوة الإخوان، بل كان أحد أفراد الدعوة الحركيين، فنشأت على الفهم الذي فهمه أخوها للدعوة، حيث ورثتْ عنه ثلاث مميزات وهي: استيعابه لأهداف الدعوة ومنهجها، وقرب الصلة بقيادة الإخوان خاصة الإمام البنا، الخلق الدعوي والتجرد لها.
كما كان لها من الإخوة المهندس عبد الفتاح، والأستاذ جمال المحامي، كما لها شقيقة واحدة وهي الأستاذة مفيدة المدرسة بمدرسة الأورمان الثانوية.
في هذا الجو الإخواني نشأتْ هذه الزهرة ورعاها أخوها محمود، فعلَّمها القرآن ومحاسن الأخلاق، رغم أنَّها طالبة بمدرسةٍ فرنسيةٍ، ولكن ذلك لم يؤثر على تربيتها وقيمها التي غرسها فيها أخوها، فكانتْ وسط المدرسة الفرنسية نموذجًا فريدًا للمسلمة التي تمسكتْ بتعاليم دينها في هذا الجو، غير أنَّها لم تكمل التعليم مثل كثيرٍ من فتيات هذا الزمان بسبب الزواج والعمل على خدمة الزوج.
زواج مبارك
كانتْ كوثر الساعي من النساء القليلات اللاتي عقد لهن الإمام الشهيد حسن البنا عقد قرانهن.
فقد تعرَّف الأستاذ فريد عبد الخالق على أخيها المهندس محمود الساعي في رحاب الدعوة، ولفتَ نظره حرصه الشديد على العمل لدعوة الله وفكره العالي في منهجية حياته، وأصبح فريد عبد الخالق صديقًا مقرَّبًا لمحمود، مما شجَّعه أن يتقدَّم لطلب الزواج من أخته كوثر، فما كان من محمود إلا أن عرض عليها الأمر فآثرت دين الله وارتضتْ به زوجًا، لِما سمعتْ عن حُسن خلقه وقرب صلته بالإمام البنا وتمتْ الخطوبة، غير أنَّ الزفاف تم تأجيله بسبب اعتقال الأستاذ فريد بعد اغتيال الخازندار بحكم أنَّه كان مسؤولًا عن قسم الطلبة في الجماعة، إلا أنَّ القضاء برَّأَه.
وبعدما خرج من معتقل الهايكستب عُقد الزواج وحضر الإمام البنا الحفل ومعه كثير من أعضاء مكتب الإرشاد، هذا غير جموع الإخوان الثورة الكثيرة التي شاركتْ في حفل الزفاف، وبعدها تحرك الموكب إلى عش الزوجية وكان ذلك عام ١٩٤٨ م، إلا أنها لم تهنأ به كثيرًا بسبب القرار الذي أصدره النقراشي باشا (رئيس الوزراء آنذاك) تنفيذًا لرغبات الأمريكان والصهيونية العالمية بحل جماعة الإخوان المسلمين، حيث أصدر القرار في 8/12/1948، كما أصدر قرارًا بمصادرة أموال وأملاك ودور ومؤسسات الإخوان المسلمين واعتقال أعضائها، وكان فريد عبد الخالق أحد هؤلاء الذين اعتقلوا (۳)
دامتْ العشرة بين الزوجين ما يقرب من ستِّين عامًا منذ أن ارتباطا عام 1948 م. وحتى وفاتها عام ٢٠٠٨ م خلال هذه الفترة رزقهما الله بالدكتور أحمد والمهندس أسامة وجليلة، والدكتور أيمن.
في مواجهة الأزمات
لم يكن منزل كوثر الساعي يقل أهميَّة عن منزل آمال العشماوي، فقد كان المنزلان محركا الأمور وقت الأزمة والتحضير لثورة ١٩٥٢ م فقد عقد فيهما أخطر الاجتماعات، وليس ذلك فحسب، بل كانا ملتقى اختيار المرشد الجديد للإخوان المسلمين.
بعد أن خرج الإخوان من المعتقلات عملوا على عودة كيان الجماعة مرةً أخرى، فأقاموا القضايا حتى حكمتْ لهم المحكمة بعودةٍ شرعيةِ الجماعة، وبدأ البحث عمن يخلف الإمام الشهيد حسن البنا في مكانه، ووقع الاختيار على الأساتذة: صالح عشماوي وكيل الجماعة، وعبد الرحمن البنا -أخي الإمام البنا - والشيخ أحمد حسن الباقوري عضو مكتب الإرشاد، وعبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان، فتنازل الشيخ الباقوري وعابدين عن الأمر، وظل الأمر معلقًا بين الأستاذ صالح وعبد الرحمن البنا، دون الوصول لمن يتولى منصب المرشد العام، وباتت الجماعة في حيرة، فتدخل الأستاذ منير الدلة وقال: فلنتخير أحد الإخوان من خارج المكتب حتى يستقرّ الوضع، ورشح المستشار حسن الهضيبي، وذهب هو وفريد عبد الخالق وعرضوا عليه الأمر، غير أنَّه رفض حتى توافق الهيئة التأسيسية كلها عليه، وكان عددها ١٢٠ عضوًا، فوافق الجميع عدا الأستاذ محمد حامد أبو النصر لبعد مكانه، فأبى الأستاذ الهضيبي أن يتولى حتى يوافق، فذهب إليه فريد عبد الخالق وحصل منه على الموافقة وتم اختيار المرشد.
فكانتْ السيدة كوثر على دراية بهذا الأمر لانعقاد بعض الجلسات في بيتها، وكانت ترى السعادة في خدمة إخوانها والسهر على تلبية طلباتهم.
يقول الأستاذ عمر التلمساني: وأخيرًا رأى المرحوم الأستاذ منير الدلة المستشار في مجلس الدولة والأستاذ فريد عبد الخالق، وهو من رجال التدريس والأستاذ صالح أبو رقيق المستشار في الجامعة العربية، رأوا ومعهم آخرون أن يحسم هذا الخلاف برجل من رجال القضاء ليس من الإخوان ظاهرًا، وإن كان في صميمهم حقيقة، وصادف هذا الاختيار موافقة الجميع (٤).
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان البيت أيضًا مكانًا للقاء بعض الضباط الأحرار وقيادات الإخوان للاتفاق على كيفية العمل لصالح المجتمع المصري، إذا نجح الانقلاب. ولقد اتفق الطرفان على العمل بتطبيق شرع الله وإعادة الحياة النيابية والديمقراطية مرةً أخرى، ومن ثَمَّ شارك الإخوان الضباط الأحرار في الثورة بتأمين المرافق والمنشآت، بل والتصدي للجيش الإنجليزي حال تحركه لصالح الملك لإجهاض الثورة.
يقول الأستاذ فريد عبدالخالق: «بدأتْ الشرارة الأولى للثورة بتحركات نظمها جمال عبد الناصر، مع مجموعة من الضباط الأحرار، وعددهم تجاوز التسعين بقليل، وكان معظمهم من الإخوان المسلمين أو سبق له الانضمام للجماعة، وقد وزع عبد الناصر أعداد الضباط التي تمكنه من السيطرة على الدولة، وقد تم تكليف اللواء طيار «عبد المنعم عبد الرءوف» - مؤسس تنظيم الضباط الإخوان وعضو قيادة الضباط الأحرار- باحتلال ومحاصرة قصر رأس التين بالإسكندرية الذي كان الملك يقيم فيه وقتها، كما تم تكليف «أبو المكارم عبد الحي» - وكان هو المسؤول عن الضباط الإخوان في الجماعة وقتها- بالسيطرة على قصر عابدين- وهو قصر الحكم الأول للملك- إضافة إلى تأمين الحركة من أي تدخل ضد الجيش، وصدرتْ تعليمات واضحة من المرشد المستشار الهضيبي لكل المحافظات بحماية الثورة والجيش من أي حركة مضادة، كما تم وضع الإخوان على طريق مصر - السويس، وكانت أخطر مهمة تلك الليلة؛ لأنَّ تعداد الجيش الإنجليزي في السويس كان يبلغ ٨٠ ألف جندي مما كان يمثل خطرًا شديدًا على الثورة من تحرُّك الإنجليز، ولم يجد عبد الناصر أفضل من الإخوان لتأمين هذا الطريق، إضافةً لعمل جميع ضباط الإخوان كل في وحدته (٥)
كوثر الساعي ومحنة ١٩٥٤ م
حامتْ في الأجواء نذر الصدام بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة بسبب الرغبة في الحكم السلطوي الذي سيطر على رجال الثورة، ورغبة منهم في تنحية القوى المعارضة، فبعد أن تخلصوا من الأحزاب ومحاولاتهم المتكررة للتخلص من محمد نجيب. جاء الصدام ليكون مع الإخوان المسلمين، خاصة بعد حفل جامعة القاهرة الذي أقامة طلاب الإخوان المسلمين ودعوا فيه نواب صفوي زعيم حركة «فدائيان إسلام» والتي تم على إثرها اعتقال عدد كبير من قيادات الإخوان، إلا أنَّ الصدام الأكبر جاء مع حادثة المنشية والتي اتهم فيها عبد الناصر الإخوان زورًا بإطلاق الرصاص عليه يوم ٢٦ / ١٠ / ١٩٥٤ م واعتقل الآلاف من الإخوان المسلمين.
فُوجِئت الزوجة - كغيرها من زوجات الإخوان - بضربات قوية على بابها، فقد جاءتْ قوةً من المباحث لاختطاف زوجها، فما كان من الزوجة إلا أن فتحتْ الباب لهم وهى صابرة قوية، وتركها زوجها مع أولادها لتكابد مرارة الفراق، إلا أنَّها كانتْ تدرك جيدًا أن هذه هي سبيل الدعوات كما تربت على يد أخيها وفي بيت زوجها منذ حادثة مقتل الخازندار، وزج بزوجها في غياهب السجون.
أدركتْ الزوجة طبيعة المرحلة التي ستمر بها، خاصةً أنَّها أصبحت مسؤولة عن بيتها وبيت أخت زوجها زوجة اللواء صلاح شادي، والتي قامت برعايتهم في غياب أبيهم الذي حكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم عليه للمؤبد.
يقول الأستاذ أحمد أبو شادي: «أثناء وجودنا في المعتقل عام ١٩٥٥ م كانت المحنة شديدة علينا، خاصة بعد إعدام مجموعة من خيرة الإخوان، إلا أنني أذكر أن الأخ محمد فريد عبد الخالق ألقى كلمة رائعة قال فيها: « هذه المحنة هي منحة من الله عز وجل، فقد جاء بنا الله إلى هذا المكان لنتربى كما تربى موسى في حجر فرعون» (٦).
المحن في حياتها
خرج الزوج من محنة السجون بعد عامين من التعذيب، ليشارك زوجته رعايتها لأولاد أخته سعاد عبد الخالق وعاد الزوج لعمله في دار الكتب المصرية، غير أن مرت مسرعة لتأتي بأحداث جِسامٍ على أهل هذا البيت، حيث بدأ بعض الإخوان مرة أخرى تجميع أنفسهم، وكان لهذا البيت دور، حيث وقف الأستاذ فريد عبد الخالق في قلق من أحداث التنظيم الجديد خوفًا من تعرض الدعوة لضربة قوية من قبل النظام مرة أخرى. يقول الأستاذ أحمد عبد المجيد. أحد قيادات تنظيم ١٩٦٥ م: ووقع اختيارهم على فريد عبدالخالق، عضو مكتب الإرشاد والمسؤول عن قسم الطلاب في الجماعة لسنوات طويلة، وكان من بين أسباب اختيارهم له أن أنباء تواترت بينهم تقول إنه يدير تنظيمًا يتولي جمع تبرعات من الإخوان لتوزيعها على أسر المسجونين، وأن المنتمين لهذا التنظيم يتصدون لكل نشاط يقوم به غيرهم من الإخوان ويقيمون العراقيل أمام التنظيم الجديد في الصعيد والإسكندرية، ويحذرون الإخوان من الانضمام إليه.
ويقول عبد الفتاح إسماعيل إنّه تنفيذًا لذلك سعى في ربيع عام ١٩٦٤ م للالتقاء بفريد عبد الخالق، وقال له: إن في الإخوان، تيارات كثيرة، وأن تركهم من دون قيادة يعرضهم للخطر، وإنَّ من واجبه وهو أحد القيادات التاريخية للجماعة أن ينهض بقيادتهم في هذه المرحلة، وصارحه بأنَّه ومجموعة من الشباب يقومون بعمل تنظيمي، وأنَّ الذي يقودهم هو عبد العزيز علي، واقترح عليه أن يلتقي به ليبحثا سبل التعاون بينهما.
ويضيف علي عشماوي، أحد أعضاء اللجنة الخماسية في أقواله أمام صلاح نصار رئيس نيابة أمن الدولة العليا في ٤ أكتوبر ١٩٦٥ إلى هذه الرواية، تفاصيل مهمة تتعلق بطبيعة الصلة بين حسن الهضيبي والتنظيم، إذ يقول: إن فريد عبد الخالق رفض عرض عبد الفتاح إسماعيل قائلًا: أنا مقدرش أتعاون معاكم إلا بموافقة حسن الهضيبي»، وهي إضافةٌ تؤكِّدها زينب الغزالي التي تقول في اعترافاتها: إنَّ عبد الفتاح إسماعيل كلَّفها بأن تنقل إلى المرشد رغبة التنظيم في أن يتعاون معه فريد عبد الخالق، وأمله في تدخله لكي يأمر فريد بأن يقبل ذلك، وأنها نقلت الرسالة إلى حسن الهضيبي قائلة العبد الفتاح إسماعيل: يطلب من فضيلتك أن تجعل فريد عبد الخالق يتعاون معه.
فقال لها: عاوز يقابله، يروح يقابله.... أليس من إخوانه؟ !.. ويكشف هذا الحوار عن الأسلوب الذي اختاره حسن الهضيبي لاستقبال الرسائل التي ترد إليه من التنظيم وطبيعة ردوده عليها، فمع أنَّ زينب الغزالي لم تشر في حديثها معه إلى نوع التعاون المطلوب، إلا أنها في أقوالها فسَّرتْ ذلك بأنه التعاون في النشاط الذي يقوم به عبد الفتاح إسماعيل لإحياء جماعة الإخوان، وهو ما حرص الهضيبي على أن يومئ إليه رده عندما وصف العلاقة بينهما بأنها «أخوة» في إشارة إلى الصلة التنظيمية التي تجمعهما، فكان طبيعيًا استنادًا إلى هذه الشفرة أن تنقل زينب الغزالي إلى عبد الفتاح إسماعيل أنَّ المرشد يوافق على أن يتصل بفريد عبد الخالق وأنَّه سيأمره بالتعاون معه (۷)
وأخذ يلتقي بقيادات تنظيم ١٩٦٥ م ليثنيهم عما يقومون به إلا أن الأحداث كانت أقوى. وجاءت المحنة العاتية بأن أعلن عبد الناصر اعتقال كل من سبق اعتقاله، فاعتقل زوجها كأحد قيادات الإخوان وزج به في أتون السجون الحربية، ولم يخرج إلا بعد وفاة عبد الناصر، كانت الزوجة في هذه الفترة مثالًا حيًا كربان سفينة تتلاطمها الأمواج في بحر لجي، يخرج منها بكل إتقان، فقد أدارتْ الزوجة شؤون بيتها ورعاية أبنائها كخير مثال، حتى خرج الزوج مرة أخرى ليعود إلى عمله في دار الكتب حتى يصل إلى درجة وكيل وزارة.
ما كاد الزوج يخرج ويستقر وسط أسرته حتى اتَّصل به الشيخ مناع القطان وعرض عليه العمل في جامعة الإمام محمد بن سعود، وحثه على أنَّ العمل الدعوي هناك جيدٌ، فسافر الزوج وقضى بها ٥ سنوات. حتى عاد مرةً أخرى يتكئ على زوجته لمواجهة الحياة حتى فارقته يوم الأحد الموافق ٢٤ / ٢ /2008 م. (8)
الهوامش
(۱) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ فريد عبدالخالق يوم ٥ / ١٢ / ٢٠٠٧ م.
(۲) موقع إخوان أون لاين. م ٢٠٠٨/ ٠٢/ ٢٤
(۳) فريد عبد الخالق في ميزان الحق، ص(55:52)
(٤) عمر التلمساني: ذكريات لا مذكرات، دار الاعتصام.
(٥) حوار الأستاذ فريد عبد الخالق لموقع إخوان أون لاين في ۲٥ / ۰۷ / ۲۰۰٦ م.
(٦) حوار الأستاذ أحمد أبو شادي الموقع إخوان أون لاين في ۲۸ / ۰۹ /
۲۰۰۷ م.
(۷) أحمد عبد المجيد عبد السميع: سيد قطب بين مؤيديه ومعارضيه كتاب
المختار الإسلامي
(۸) حوار الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ فريد عبدالخالق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل