العنوان صناع النكبة (3)
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 89
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 13
السبت 31-مايو-2008
عندما صدر وعد بلفور المشؤوم في ۱۹۱۷/۱۱/۲م بوطن لليهود على أشلاء الوطن الفلسطيني، كان تعداد اليهود الذين تسللوا إلى فلسطين في ذلك الوقت ٥٥ ألفًا، أي ٨% من عدد السكان يسيطرون على أكثر من %٢ من الأرض، وكان ما تروجه الآلة الإعلامية الصهيونية البريطانية في ذلك الوقت هو أن المطلوب فقط، وطن، لهؤلاء، دون الإفصاح عن المخطط الذي كان معدًا ويقضي بالتهام كل فلسطين وتشريد أهلها، وهو الأمر الواقع الذي نتابعه اليوم.
وبعد أن تدفقت الهجرات اليهودية بكثافة، حيث كانت سلطات الاحتلال البريطاني تمكن لها في الأرض يومًا بعد يوم، كان المطلوب فرض صيغة قانونية على سرقة فلسطين، فكان قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٧م لتكون فلسطين مسروقة من الصهاينة بشهادة الشرعية الدولية وبحمايتها، ومنذ ذلك التاريخ لم يشبع اليهود بما نهبوه من الأرض، بل واصلوا ابتلاع المزيد حتى بسطوا سيطرتهم على كل فلسطين، واليوم تدور مفاوضات شاقة على فتات من الأرض الضفة وغزة لإقامة دولة فلسطينية مفتتة ومقطعة الأوصال، ولم يحقق المفاوضون من دعاة الصلح والهرولة شيئًا حتى اليوم.. فقط ما تم استخلاصه هو غزة، التي فر منها الصهاينة تحت ضربات المقاومة!
ونعود لأجواء تلك الأيام المشؤومة قبل نكبة عام ١٩٤٨ وبعدها.
في ١٩٤٧/٤/٢٨م، بدأ مجلس الأمن أولى جلساته حول القضية بناء على طلب بريطانيا، وكان التنسيق محكمًا بين لندن وواشنطن داخل أروقة الأمم المتحدة لإخراج السيناريو المطلوب بإتقان، وتسليم الجزء الأكبر من فلسطين لليهود.
ففي الوقت الذي كانت الأمم المتحدة تناقش القضية، كان الإعلام الأمريكي يتبنى الموقف اليهودي الساعي لالتهام فلسطين، وحين وصل وفد من فلسطين إلى هناك للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني قابلته الصحافة الأمريكية بمظاهر الاستهجان والسباب، ناعتة أفراد الوفد بكل ما في قاموس الصهيونية من عبارات نابية وتعبيرات وضيعة (المؤامرة الكبرى واغتيال فلسطين ص ۱۸۷).
في داخل الجلسة تحدث بن جوريون، رئيس الوكالة اليهودية و(وايز)، باعتباره ممثلًا ليهود أمريكا، مطالبًا بإعلان دولة يهودية في فلسطين، وقد نقل الإعلام الأمريكي كلماتهم وسط تغطية مكثفة بينما لاقت كلمات الوفد الفلسطيني الذي رفض هذه المطالب ونقدها كل تجاهل، بل قوبل بهجوم ضار من الصحافة الأمريكية!
وقد تمخض الاجتماع عن تشكيل لجنة سياسية تتكون من إحدى عشرة دولة أشرت إليها العدد الماضي. كانت مهمتها بحث المشكلة الفلسطينية من جميع جوانبها، والتعرف على أحوال اليهود في أوروبا ورفع توصياتها للأمم المتحدة، (جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن ص ٢٩٦).
وقد بدا كما أشرنا في العدد الماضي أن غالبية الدول الأعضاء في اللجنة واقعون تحت الإملاءات الأنجلو أمريكية ويسيرون وفق خط مرسوم لترسية القضية عند تقسيم فلسطين على اليهود، فقد كان كل من مندوب، جواتيمالا، وأورجواي وهما من أعضاء اللجنة أكثر حماسًا للصهاينة قائلين كان بودنا لو قررنا أن تصبح فلسطين كلها لكم، لولا أننا لا نستطيع أن نطلب لكم أكثر من الحدود التي رسمتها الوكالة اليهودية في مطالبتها بتقسيم فلسطين بينكم وبين العرب. (تذكرة عودة ناصر النشاشيبي ص ١٤٩).
وهكذا كان حماس أعضاء اللجنة الجائرة أكثر من حماس الوكالة اليهودية نفسها!!
وقد كانت طريقة تشكيل تلك اللجنة وآلية عملها والمهام المنوطة بها كما تابعنا تنصب على تحقيق المطامع اليهودية كاملة والخسف بالحق الفلسطيني، ومنذ ذلك اليوم وطرق تشكيل الوفود أو اللجان الدولية الخاصة بقضية فلسطين تسير على نفس المنوال دون أي انحراف عن ترسيخ الجور اليهودي على حساب الحق الفلسطيني ولجنة الرباعية الدولية التي يرأسها اليوم توني بلير خير مثال حي.. هل تراها تفعل شيئًا لأهلنا في فلسطين أو تحرك ساكنًا في اتجاه الحق الفلسطيني؟! وقد استقرت اللجنة المشؤومة على اقتراح منح الصهاينة (٥٣٠ ألف يهودي) (١٤,٢۰۰,۰۰۰دونم)، أي ٥٦,٤٧%، مقابل منح أصحاب الأرض وأهل الديار (٦٥٠ ألف فلسطيني) (١١,٥٨٩,٨٧٠دونما) أي (٤٢,٨٨%) من تلك الأراضي.
وفي ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م عُرض اقتراح اللجنة، وإن شئت فسمه الطبخة المسمومة على الأمم المتحدة التي وافقت عليه بأغلبية ٢٣ صوتًا مقابل ۱۳ صوتًا رفضت بشدة هذا التقسيم، من بينها عشر دول عربية وإسلامية (مصر - المملكة العربية السعودية - اليمن – سوريا - لبنان - العراق - إيران - أفغانستان - باكستان - تركيا) إضافة لثلاث دول صديقة للعرب في ذلك الوقت هي الهند واليونان وكوبا)، وامتنعت عشر دول عن التصويت...
وتعجب كل العجب عندما تعلم أن بريطانيا صانعة المأساة، وواضعة بذرة المشروع الصهيوني اللعين، والتي رعت المخطط من بدايته حتي اليوم كانت أولى الدول الممتنعة عن التصويت.. هل نجد نفاقًا سياسيًا أكثر من ذلك؟!
وقبل موعد التصويت بيومين كانت الأمم المتحدة قد عقدت جلسة يوم ١٩٤٧/١١/٢٦م وكان يومًا فاصلًا في تاريخ فلسطين، واستطاعت الوفود العربية ومعها رئيس وفد باكستان ظفر الله خان التكتل ضد المشروع، ولم يتمكن اليهود في تلك الجلسة من الحصول على ثلثي الأصوات المطلوبة لإقرار المشروع، فوقف المندوب الأمريكي طالبًا تأجيل الجلسة يومين إلى ما بعد عيد الشكر، خاصة أن هناك كثيرًا من الوفود يريد الحديث وأن الوقت لا يتسع، فحاولت الوفود العربية تفويت الفرصة عليها وتنازلت عن حقها في الكلام لإفساح المجال لمن يريد الحديث، لكن رئيس الجلسة وهو الرئيس البرازيلي أزو الدو أرانيا، أبى إلا التأجيل. (القضية الفلسطينة ص ٢٠٢).
وكان الواضح أن الإلحاح على التأجيل كان من أجل كسب المزيد من الأصوات، وعندما اجتمعت الأمم المتحدة يوم ١٩٤٧/١١/٢٨م، أي بعد يومين قام المندوب الفرنسي طالبًا التأجيل مرة أخرى لمدة ٢٤ ساعة فقط، وتم التأجيل بالفعل.. عندها وفي ١٩٤٧/١١/٢٩م كانت الطبخة قد نضجت، حيث تم الضغط على مندوبي الفلبين، وهاييتي، بكل الوسائل ليوافقا على مشروع التقسيم ويحققا بذلك ثلثي الأصوات... وصدر القرار، ثم أعلنت بريطانيا إكمالًا للسيناريو أنها عازمة على إنهاء انتدابها على فلسطين يوم ١٩٤٨/٥/١٥م يوم النكبة تاركة تلك الديار للصهاينة لكي يحكموها بعد ثلاثين عامًا من عملية زرعهم فيها؟!
لكن النبت الغريب على الأرض ليس أيسر من اقتلاعه مهما طال الزمن!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل