; أفغانستان.. بداية أم نهاية؟ | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان.. بداية أم نهاية؟

الكاتب نعمان السامرائى

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 68

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

اجتياح الروس لأفغانستان، هل يشكل بداية لتوسع روسي وانتشاره في العالم أم هو نهاية لذلك؟؟

الجواب غير معروف ولا واضح، وهو يقتضي عودة للوراء، إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث خرج الروس ودول الحلفاء منتصرين، وكان ثمن هذا النصر أن «ابتلعت» روسيا دولًا في أوروبا الشرقية، ولكنها -كما يبدو- لم تهضم ما ابتلعت؛ إذ ما زالت تظهر أعراض سوء الهضم مرة بعد مرة، ابتداءً من يوغسلافيا وانتهاءً ببولندا، وما بين 1950-1980 حاول الروس الانتشار في العالم، وكان ميدانهم دول العالم الثالث؛ حيث توالت الانقلابات، ووصل إلى الحكم رجال لا خبرة لهم إلا الهجوم على دور الإذاعة وقراءة البيان الأول، في هذا العالم «المنكوب»، حيث تتراكم المشاكل دون حل؛ وجد الروس فرصة للانتشار والتوسع.

وقد ساعد الغرب الاستعماري في كثير من الأحيان على هذا الانتشار، لحاجة في نفسه؛ كي يجعل من الروس «بعبعًا» يخوف به الدول الصغيرة؛ لتسهل السرقة والابتزاز.

لقد ثبت الروس وجودهم في عدن والحبشة وأنغولا وموزنبيق وكوبا، وخسروا مواقعهم في كل من مصر والسودان والصومال.

غزو أفغانستان:

منذ عهد الملك محمد ظاهر شاه برزت في أفغانستان ظاهرة التساهل مع الشيوعيين، وكان الملك يسد أذنيه عن كل نصح في هذا المجال؛ بل راح يضيق الخناق على أعداء الشيوعية من المسلمين، ثم أطلق يد صهره «داود خان» وهو رجل «طول بعرض بلا علم ولا أدب» كما يقول ابن الرومي، وقد حسن له البعض التحالف مع اليسار وضرب خصومهم، فراح ينكل بهم، فجعلهم بين سجين وشريد؛ حتى إذا ضجت البلاد من تعسفه وغبائه السياسي، اضطر الملك لإقالته، ولكن الملك نفسه بقي على سياسة موالاة الروس والاستعانة بهم، وبغض الطرف عن نشاطهم.

والشيء بالشيء يذكر فإن هناك دولة في شمال أفريقيا تحذو نفس السياسة، ويقول رئيسها: لا خوف من الشيوعي والشيوعيين، فهم يعتنقونها شبابًا ويطلقونها كبارًا.

بقي الحال هكذا في أفغانستان حتى أوحى الشيوعيون لداود خان أن بإمكانه أن يصبح الحاكم الأول في البلاد، فقام بانقلابه ضد صهره وابن عمه، وسار في خطه يتعامل مع اليسار، وراح يرسل ضباطه إلى روسيا للتدريب، وهناك جند البعض منهم لخدمة الشيوعية والمخابرات الروسية، حتى إذا استهلك الشيوعيون حليفهم، وهم يعرفونه جيدًا انقلبوا عليه، فقام «نور تراقي» الشيوعي بانقلابه، وفتك بداود خان وعائلته جميعًا، وهكذا يفعل الشيوعيون دومًا برفاق الطريق؛ أي بالأغبياء الذين يتحالفون معهم في مرحلة من المراحل.

بعد هذا الانقلاب أسفر الشيوعيون عن وجوههم، وسار الروس في تأييد الانقلاب ورجاله، ومده بالسلاح والخبراء، هنا قامت الثورة الأفغانية، ولكن سلاحها كان بنادق صيد قديمة.

وباشر دولاب الإرهاب يدور والتصفيات تتم، وفي ليلة مظلمة قام «أميني» بانقلاب جديد على رفيقه الشيوعي فذبحه وجميع أفراد عائلته، وكان السبب الظاهر النزاع على السلطة؛ لأن كلًا منهما ينتمي لحزب شيوعي مختلف، واحد إلى «خلق»، والآخر لـ «برشام» وباشر الروس يطالبون بحصة الأسد في أفغانستان، ويطالبون بفرض المستشارين والخبراء، ويظهر أن «أميني» لم يستجب كما يريد الروس، فدبرت له المخابرات مذبحة جديدة، ودفعت بالجيش الروسي؛ ليحتل البلاد، وجاءت بـ «كارمال» من أوروبا الشرقية؛ حيث كان سفيرًا لتعينه مكان «أميني». وكانت أطرف نكتة أن قال الروس: إنهم تدخلوا بناء على طلب الحكومة الأفغانية، وإلى هذه الساعة لا يعلم أحد أي حكومة يعنون؟ هل هي حكومة أميني الذي دبرت المخابرات الانقلاب ضده، ثم قتلته؟ أم حكومة «كارمال» التي لم تشكل بعد؟؟

ومن حق أي إنسان أن يسأل: إذا كان هذا مصير الحلفاء مثل داود خان، والعملاء مثل تراقي وأميني، فكيف يمكن أن يتعامل إنسان مع الروس ويكون مطمئنًا؟؟

ونسأل إذا كانت الحكومة الأفغانية هي التي طلبت الجيش الروسي للاحتلال، فماذا كانت حجة الأمريكان في فيتنام؟ أليست نفس الحجة؟؟ وما الفرق بين الاستعمار الغربي والشرقي إذن؟؟

أمريكا واحتلال أفغانستان:

كل المعلومات تؤكد أن أمريكا، وربما بعض حليفاتها، قد علمت بتحرك الجيش الروسي، فالأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء لم تكن في نزهة، ولا هي في إجازة، فما الذي جعل الأمريكان يسكتون؛ حتى يتم الغزو، ثم ينددون به؟

الذي يبدو أنهم فرحوا بهذا الغزو؛ لأنه يمسح بعض الأوساخ العالقة بوجه أمريكا من حربها في فيتنام؛ حيث يقوم الروس بنفس الدور، وهذا يستفز الدول الصغيرة فتستنجد بأمريكا وهذا «عز الطلب» وتصبح صورة روسيا كصورة أمريكا «ما حد أحسن من حد»، كما يستفز ذلك الصيت عدو روسيا رقم واحد.

لكل هذا وغيره ومن هذا الغير أن أفغانستان قطر إسلامي، فلا ضير ولا بأس من غزوه، ولو وقع واحد من مليون من مثله على "إسرائيل"؛ لقامت أمريكا ولم تقعد، ولدفعت بالعالم إلى حرب عالمية جديدة.

إن أمريكا لن تقوم تجاه أفغانستان إلا بالتشنيع على الروس وكفى، والروس يعرفون هذا مسبقًا؛ ولذلك أقدموا على الغزو.

أمريكا وبولندا:

إذا كانت أمريكا وحليفاتها لم تفعل شيئًا تجاه الغزو الروسي لأفغانستان؛ فإنها أنذرت الروس بجدية كاملة؛ كي لا يتدخلوا في بولندا كما فعلوا في المجر من قبل، وعرف الروس جدية الإنذار، فجبنوا كجبنهم؛ حتى فككوا الصواريخ من كوبا، وحملوها مع ذلهم وسافروا بها ...

ربما يقول البعض: إن بولندا تهم أوروبا، نعم هذا صحيح، ولكنها تهم روسيا بحجم أكبر، فإذا ما استمر تمرد بولندا؛ فإن الدولاب سيدور وتصل العدو غدًا إلى ألمانيا الشرقية مثلًا، ثم إلى غيرها، والروس يعرفون مقدار «المحبة» التي تكنها شعوب أوروبا الشرقية لهم!! ومع ذلك لم يتشجعوا حتى اليوم، فيأمروا جيشهم وهو موجود في بولندا بأن يجتاحها، كما فعلوا في أفغانستان.

أمريكا وروسيا والخدمة المتبادلة:

من الحق أن نقول: بأن أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية وهي تخدم روسيا، بسياستها الحمقاء، فهي بتدخلها في شؤون الدول، ومساهمتها الفجة في الانقلابات العسكرية، ومحاولتها الجادة في وراثة الاستعمار الغربي، وأخيرًا في تأييدها الأعمى "لإسرائيل"، في كل هذا كسبت وما تزال عداء شعوب ودول، وقد «جير» ذلك في كثير من الأحيان لحساب الروس الصديق «اللدود»، وقد حان الوقت لرد هذا الجميل من قبل الروس، منهم بتوسعهم الفج في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يخدمون السياسة الأمريكية، ويقدمون لدليل العملي على أن الدول الكبيرة «دينها» واحد، لا فرق بين روسيا الاشتراكية وأمريكا الرأسمالية.

إن أمريكا تقول اليوم: هؤلاء دعاة السلام، وأصدقاء الشعوب، فانظروا ماذا يفعلون، بل كيف يغدرون بالأصدقاء، ويقتلون حتى الشيوعيين؟؟ فلماذا يكون الحقد من نصيب أمريكا فقط؟؟

ماذا يريد الروس من احتلال أفغانستان؟

مما لا شك فيه أن الروس قبل غزوهم لأفغانستان درسوا الأمر جيدًا، وأقدموا وهم يعرفون جيدًا ماذا يريدون؟ وما هو الثمن؟ ويمكننا أن نقول بالأسباب الآتية:

1- النفط: لا شك أن الروس يريدون حصتهم من النفط، أليسوا من أكبر الدول؟ والقرب من منابعه يفرض أمرًا واقعًا مع الزمن، فلا يسع أحد أن يتجاهلهم، ووجودهم على مرمى منبع من المنابع يعزز طلباتهم.

2- إيران: منذ الثورة الإيرانية، انفتحت شهية الروس، ولهم سوابق، فعندما قامت الثورة في العراق عام 1958 رفضوا تأييدها، حتى كذب عبد الناصر على لسانهم، فأعلن أنهم يؤيدونها، وما أن اشتعل الصراع في العراق، حتى أوعزت روسيا لكل الشيوعيين العرب والإيرانيين؛ ليتوجهوا للعراق بانتظار القفز إلى السلطة، والغريب في الأمر أن كل عملاء المخابرات البريطانية وخدام شركة النفط، صاروا شيوعيين مناضلين كبارًا، ولكن رجلًا واحدًا فضحهم هو السفير البريطاني «هنري ترفليان» في مذكراته، حين قال بأن الأوامر صدرت تأمرهم بذلك، فزال العجب.

ودبر الشيوعيون المظاهرات التي كانت تجوب المدن وتنادي «سبع ملايين تريد: حزب الشيوعي بالحكم»، ولكن عبد الكريم قاسم لم يسمح لهم بالوصول للحكم، فلما جاء عبد السلام عارف «كرشهم» من غير عناء ولا مشقة.

إن ما حصل في العراق يعاد حرفيًّا في إيران، وروسيا سبق أن حكمت الجزء الشمالي من إيران، وأقامت جمهورية شيوعية في أذربيجان، وهي تعتقد اليوم بأن الفرصة مواتية، ووجود جيش في أفغانستان ييسر الاتصال (ببلوجستان)، وشحنها بالأسلحة، ويشد من عضد الشيوعيين في إيران.

3- المد الإسلامي: لا جدال أن هناك مدًّا إسلاميًّا، صنعته جهود الجماعات الإسلامية، التي ما زالت تعمل في الميدان منذ عشرات السنين كما صنعه هذا الفشل الذريع لكل ما طرح في المنطقة في محاولة التغريب وزرع العقائد المستوردة، والحلول السياسية المرتجلة، والزعامات التي يقيمها العدو خدمةً لأغراضه، كل هذا الفشل مع الجهود الجادة جاء بهذه الصحوة المباركة، والاتحاد السوفيتي الذي يستعمر أكثر من جمهورية إسلامية، ويحكم منذ أكثر من نصف قرن شعوبًا إسلاميةً بالحديد والنار، ينكل بها وبعقيدتها بمناسبة وبدونها، لا يجهل هذه الصحوة وآثارها عليه، وإن هو جهل؛ فالعملاء من أتباعه سوف يلطمون الخدود ويشقون الجيوب؛ لأن هذه الصحوة تفوت عليهم حرية سرقة هذه الشعوب ونقلها إلى الشيوعية؛  لذلك اجتياح أفغانستان، وبعدها إيران وباكستان.

4- رد الاعتبار:

من الحق أن نقول: بأن الروس تلقوا لطمة مميتة في كل من مصر والسودان والصومال، وقد مست كرامتهم كدولة كبيرة متعجرفة متغطرسة ذات أحلام «وردية»؛ لذا فإن وجودها في عدن والقرن الأفريقي وأفغانستان يعيد الهيبة، ويهدد -في نفس الوقت- أولئك الحكام الذين أساءوا، ويقمع من ينوي التحرك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 482

87

الثلاثاء 27-مايو-1980

قراؤنا يكتبون (العدد 482)

نشر في العدد 464

77

الثلاثاء 08-يناير-1980

أفغانستان.. بداية التحدي!

نشر في العدد 589

80

الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

الوضع الراهن في ساحة أفغانستان