; تأملات في رحلته الدعوية | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في رحلته الدعوية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003

مشاهدات 71

نشر في العدد 1557

نشر في الصفحة 33

السبت 28-يونيو-2003

رحم الله الفقيد الكريم وأجزل مثوبته وعوض الجزائر والمسلمين جميعًا عنه خيرًا، وخالص العزاء إلى أسرته الصغيرة، كما إلى حركة «حمس» بل إلى الحركة الإسلامية الجزائرية التي عرفته مجاهدًا فيها منذ السبعينيات وحتى اللحظات الأخيرة في حياته، كما إلى الجزائر جميعها التي كانت عروبتها وإسلاميتها همه الرئيس وشغله الشاغل.

عرفت الفقيد الراحل منذ منتصف السبعينيات في القاهرة أثناء زيارته لها مع الشيخ راشد الغنوشي، حيث جاءا للتعرف وتوثيق الصلات بقيادة الإخوان، وكان واسطة التعارف الأخ الكريم مصطفى الطحان، أمين عام الإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية وكنت وقتها في نهاية دراستي الجامعية بكلية طب قصر العيني بالقاهرة، وقد حسمنا أمرنا في اختيار منهج العمل الإخواني، ومن وقتها ألتقت الأرواح وتألفت وتقاربت الأفكار وامتزجت، وإن حدث خلاف في وجهات النظر فهو في إطار الحب والود والتقدير والاحترام.

لقيته مرارًا خارج الجزائر في ندوات ومؤتمرات ولقاءات، إلا أنني لم أسعد بلقائه في زيارتي الوحيدة واليتيمة للجزائر نظرًا لضيق الوقت ولوجوده خارج البلاد.

كان آخر لقاء بيننا في القاهرة العام الماضي في زيارته الثانية لها بعد انقطاع لمدة تزيد على ٢٥ عامًا -وكان في السيارة بالطريق أثناء توجهه إلى لقاء في حزب التجمع اليساري للقاء قياداته- وكان لقاء حميمًا لأنه أول تقارب بيننا بعد أن غيبتني الأسوار والمنع من الأسفار لمدة تزيد على 8 سنوات.

تعرض محفوظ نحناح خلال العقد الأخير أو أكثر لحملة شديدة شوهت مواقفه، قادها إسلاميون، اختلف معهم في المواقف السياسية بسبب أحداث الجزائر الدامية.

اجتهد خلال مسيرته فنجح أحيانًا وأخفق أحيانًا، ولم يكن -رحمه الله- يدعي العصمة لاجتهاداته، واختلفت معه وناقشته بود في بعض المواقف، أقر بصواب ما ذهبت إليه -مع كثيرين- قليلًا وتمسك باختياراته -رغم الخطر الشديد على حياته -كثيرًا.

كان قرار تأخر المشاركة السياسية من القرارات التي تسببت في كثير من المشكلات التي عانى منها الإخوان في الجزائر ولا يزالون، واعترف بخطأ هذا الاجتهاد بعد فوات الأوان.

تمسك باختياراته -التي ثبت بعد ذلك صوابها كثيرًا- في أهمية الحوار مع المتنفذين والممسكين بالقرار وعدم الدخول في مواجهات دامية، وأدان العنف مبكرًا، وكان بصيرًا بأن هذا النهج سيؤدي إلى دمار وهلاك، وتمسك بموقفه الحاسم رغم لوم الكثيرين وهجوم الأصدقاء وتردد بعض الأحباء.

سعى إلى وحدة الحركة الإسلامية في الجزائر، وكان ذلك من همومه، وتحمل الكثير في سبيل تحقيق هذا الأمل، لكنه فشل في تحقيق الحلم وكانت الظروف والملابسات والخلافات أكبر من أن تحتوي.

ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية رغم اعتراض الكثير وحصل على قرابة الـ ٢٥% من الأصوات، فرسخ صورته كرجل دولة في الساحة العربية والدولية.

سعى للحوار دائمًا ووصف بانه رجل الحوار، وكان محببًا في حديثه وخطابه، لبقًا في حواراته، لا يصل إلى صدام أو قطيعة، بل يحافظ على شعرة معاوية، حتى مع ألد الخصوم.

تعرض للعنف المادي والمعنوي من خصومه الإسلاميين في الجزائر خلال مسيرته أثناء الحملات الانتخابية الأولى لانتخابات ١٩٩١م الشهيرة، ثم بعد الصدام الدامي، بل تعرض لمحاولات اغتيال هو ورفاق دربه أودت بحياة البعض ومن أشهرهم نائبه الشهيد محمد بوسليماني، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة السير على الدرب والإصرار على الموقف الذي اختاره ضد العنف، عن يقين ومعرفة.

كانت مشاركة حركة «حمس» في الحكومات التي شكلها العسكر من أكبر نقاط الضعف في المسيرة السياسية التي قادها «نحناح»، لم يشارك بنفسه في الوزارات، لكنه دفع بالشباب من أبناء الحركة لتولي المناصب الوزارية، وتحتاج تلك التجربة إلى وقفة لمراجعة شاملة لجرد حساب المكاسب والخسائر، خاصة أن السلطة تصيب كل من يحتك بها برذاذها المتطاير.

كان حلمه الأكبر توحيد جناحي الحركة الإسلامية التي تنهج نهج الاعتدال «حركة حمس» بقيادة نحناح -رحمه الله- وحركة الشيخ عبد الله جاب الله، ولا يزال ذلك الحلم قابلًا للتحقيق إذا خلصت النوايا وصدق العزم، ذلك لأن الجزائر في أمس الحاجة إلى وحدة الصف الإسلامي وإزالة ما علق بالإسلاميين من اتهامات تسبب فيها بعض الغلاة الذين تشددوا وأفرطوا على أنفسهم وكفروا المسلمين واستباحوا الدم الحرام بغير علم ولا بينة ولا برهان.

في الوقت الذي يغيب فيه نحناح عن الساحة بعد مرض عضال، يخرج بعد قليل الشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج إلى ساحة العمل من جديد، فلعل جرح الجزائر الدامي يجد من يداويه من أطباء الحركة الإسلامية، سواء الذين سيخلفون نحناح في مسيرة حركة مجتمع السلم أو شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذين استفادوا خبرة بعد مسيرة حافلة بالدروس ولم يفرطوا في تمسكهم بحقهم في الدعوة السلمية إلى الإسلام، وتسبب البعض في تشويه صورة حركتهم، ولعلهم بعد خروجهم إلى الحرية يسارعون إلى تصحيح الصورة والنأي بحركتهم عن نزعات التكفير والعنف الأعمى، وإذا كانوا -بسبب السجن- ترفعوا عن إدانة صريحة لهذه النزعات التكفيرية، فهم اليوم أمام استحقاقات ضخمة لعلهم أهل لها حتى يعود إلى الجزائر السلم والأمن والهدوء، ويهتف جميع الشعب الجزائري من جديد مع ابن باديس الأب الروحي للحركة الإسلامية:

شعب الجزائر مسلم.

          وإلى العروبة ينتمي

كانت جنازة نحناح مهيبة بحق حضرها أكثر من ٨٠ ألفًا يتقدمهم كبار رجال الدولة و بمراسيم رئاسية استثنائية، وشهد له الجميع المنافسون والخصوم -قبل رفاق دربه -بالحنكة والخبرة والاعتدال والتسامح، وكما قيل قديمًا «بيننا وبينكم الجنائز» ففي بلد يشهد أوضاعًا أمنية استثنائية وعقب كارثة الزلزال التي لا تزال تخيم على النفوس، يخرج عشرات الآلاف لتشييع رجل تجرد لدعوته وجاهد في سبيل رفعة الجزائر المسلمة وهويتها الإسلامية ضد محاولات الفرنسة والتغريب وضد العنف الأعمى الذي شوه صورة الإسلام، فاحتفظ بالبوصلة في أدق الظروف وأحلكها، هذه شهادة له من هذه الجموع وشفاعة له عند الله تعالى إن شاء الله.

ولن تعدم حركة «حمس» رجالات يقودون المسيرة ويرفعون اللواء ويواصلون العمل، فخالص العزاء لهم مرة أخرى، وخالص الأسف أن حيل بيننا وبين المشاركة في الجنازة، وتقديم واجب العزاء، ورحم الله محفوظ نحناح رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وعوضنا عنه خيرًا.

الرابط المختصر :