; شيراك للجنود الفرنسيين: استعدوا | مجلة المجتمع

العنوان شيراك للجنود الفرنسيين: استعدوا

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1535

نشر في الصفحة 39

السبت 18-يناير-2003

خلال لقائه الثلاثاء (۷/۱) بأركان الجيوش الثلاثة ثم بالسلك الدبلوماسي لتقبل التهاني بمناسبة السنة الجديدة، تطرق الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى القضية العراقية. 

ومعلوم أن فرنسا تجد نفسها في وضع حرج إزاء تعقيدات هذه القضية، بين إصرار حليفتها الولايات المتحدة على ضرب العراق مهما كانت نتائج التفتيش، والحفاظ على المصالح الاستراتيجية الفرنسية في العالم العربي والشرق الأوسط وكان مخرجها الوحيد الدعوة إلى التقيد بقرارات الأمم المتحدة ورفض القرارات الأحادية الجانب.

في معرض حديثه عن التحديات الكثيرة التي تعترضنا هذه السنة، دعا شيراك القوات المسلحة إلى الاستعداد لكل الاحتمالات، قائلاً إنه يجب أن نكون منتبهين إلى الطريقة التي يتم بها تطبيق قرار مجلس الأمن رقم ١٤٤١. في هذا الصدد صرح مسؤول كبير في جيش البر الفرنسي للوكالة الفرنسية للأنباء بأن ١٥ ألف جندي تابعين لجيش البر يمكن أن يشاركوا في الحرب ضد العراق أي بما يقدر بثلاثة أضعاف المشاركة العسكرية الفرنسية في البلقان وسبعة أضعاف الحضور الفرنسي في ساحل العاج.

شيراك أكد عند اجتماعه بالسفراء والدبلوماسيين مسألتين: معالجة القضية العراقية بصفة جماعية بعيداً عن القرارات الأحادية، وضرورة اللجوء إلى الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن في حال اتخاذ قرار بالحرب ضد العراق.

وعلل ضرورة المقاربة الجماعية لمعالجة القضية العراقية بأن نزع أسلحة العراق ضرورة لمنطقة الشرق الأوسط والعالم. وهي مسألة سلام وأمن جماعي ويجب أن نحلها جماعياً.

وشدد على مصداقية الموقف الدولي عبر التمسك بقيم احترام القانون والمسؤولية والعدل والديمقراطية، بحيث لا تلجأ المجموعة الدولية إلى الحرب إلا في آخر المطاف، بعد استنفاد كل الخيارات الأخرى. في هذا الإطار يتنزل تحذير الرئيس الفرنسي للقادة العراقيين بضرورة الالتزام بقرار ١٤٤١ والاستفادة من الفرصة الأخيرة لنزع أسلحتهم بطريقة سلمية. وقال محذراً: يجب أن يفهموا أنه لا يوجد حل آخر ممكن سوى التعاون بجد وبكل الوسائل مع بعثات التفتيش التابعة للأمم المتحدة، والتي يجب أن تحظى بكل التسهيلات والمعلومات الضرورية للقيام بمهمتها، وإلا فإن العراقيين يعلمون أنهم سيتعرضون لحرب غير محسوبة العواقب بالنسبة لهم وللمنطقة وللعالم.

كما أكد الرئيس الفرنسي ضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة «الإطار الشرعي الوحيد» التي يجب اللجوء إليها في أي موقف دولي بشأن العراق. وأشاد بالتماسك والانسجام بين أعضاء مجلس الأمن عند اتخاذهم بالإجماع قرار ١٤٤١ ودعا إلى الحفاظ على نفس الانسجام في المرحلة المقبلة العصيبة، وتجنب العمل الأحادي، في إشارة واضحة إلى سياسة الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا في التعامل مع الملف العراقي.

وفي إطار التأكيد على استقلالية الموقف الفرنسي، جاء في معرض حديثه عن احتمالات الحرب، أن فرنسا تطالب بأن يكون القرار المحتمل باستعمال القوة جلياً وفي منتهى الوضوح، ومن قبل مجلس الأمن على أساس تقرير للمفتشين يتضمن مبررات الحرب.

قضية العراق والوحدة الوطنية

وبالرغم من تحدثه أمام الدبلوماسيين الأجانب فقد حرص شيراك على الحفاظ على وحدة الصف الداخلي إزاء الموقف من الأزمة العراقية، داعياً حكومته إلى تنظيم حوار في البرلمان حول القضية وضرورة إشراك البرلمان في كل مراحل تطور الأزمة، الأمر الذي يفسر وجود خلافات عميقة داخل الرأي العام السياسي والشعبي حول الموقف الذي يجب اتخاذه بشأن الملف العراقي وقرار الحرب المحتملة. فقد نظم العديد من المظاهرات في باريس ومدن فرنسية أخرى للمطالبة بعدم الانصياع للإرادة الأمريكية في إصرارها على ضرب العراق، لأن المتضرر الأول هو الشعب العراقي الذي يعاني من ويلات الحصار الاقتصادي منذ أكثر من عشر سنوات.

وعلى مستوى المعارضة، انتقد جون مارك أیرولت رئيس مجموعة الاشتراكيين في البرلمان الفرنسي تصريحات شيراك التي دعا فيها الجنود الفرنسيين إلى الاستعداد لكل الاحتمالات مشيراً إلى أن الرئيس يستسلم لهذه الحرب التي لا طائل فيها ويعدّ الرأي العام الوطني والدولي لمشاركة عسكرية فرنسية (في الحرب).

تجدر الإشارة إلى أن جاك شيراك ركز- خلال حديثه للشعب الفرنسي بحلول السنة الجديدة- على الملفات الداخلية وقضايا الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يشر إلى القضايا الخارجية إلا في الفقرة الأخيرة من حديثه وبصفة مختصرة ومجملة، حيث قال: كلما كانت فرنسا متحركة، كانت كلمتها مسموعة. وهي ستتكلم بأكثر قوة في إطار أوروبا موحدة ستتسع قريباً وستشهد إصلاحات. وتمكنت فرنسا في الأشهر الأخيرة من إبلاغ رسالتها الداعية للسلام والتوازن والتضامن مع الدول الفقيرة وفي سنة ٢٠٠٣، ستواصل عملها بمعية الولايات المتحدة، رغم الصعوبات من أجل تعزيز المبادئ التي ينبني على أساسها التزامها ونظرتها إلى العالم.

وقد انتقدت المعارضة اليسارية صمت الرئيس الفرنسي بشأن العراق وتهديدات الحرب الموجهة لبغداد، وكونه لم يقدم- بصفته القائد الأعلى للجيش- توضيحات حول الموقف إزاء القضية العراقية، والحال أن الاستعدادات الأمريكية- البريطانية للحرب على قدم وساق، وأن فحص حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول تأجل لمدة ستة أشهر أخرى، وأن يوم ٢٧ يناير هو آخر أجل لكي يقدم المفتشون تقريرهم عن مدى التزام العراق بقرار مجلس الأمن رقم ١٤٤١.

لكل هذه الأسباب، اعتبر فانسون بايون الناطق باسم الحزب الاشتراكي أن هذا الصمت نسيان مفرط، وأن شيراك يعامل الفرنسيين كأنهم بلهاء وذلك بعدم تطرقه ولو بكلمة إلى ما يثير اهتمام كل العالم من ناحيته، قال بيار موسكوفيسي وهو وزیر اشتراكي سابق كنت أفضل أن يؤكد رئيس الجمهورية رفضه وأن يقول لا، لا أرى اليوم مبرراً لهذه الحرب».

ويبدو أن فرنسا وبقية البلدان الأوروبية الغربية ستعيش في الأسابيع القادمة جدلاً داخلياً قوياً بين أنصار المشاركة في الحرب وهم قليل ومعارضيها وهم كثر وبالنظر إلى العلاقة بين ما يجري في العراق والمنطقة العربية عموماً، ومشاعر التعاطف مع شعوب المنطقة لدى الجاليات العربية المسلمة في البلدان الأوروبية والخوف من بعض ردود الأفعال غير المحسوبة العواقب، فإن سلطات القرار تكثف رسائل التقدير والرعاية لهذه الجاليات بما يمتص غضبها ويندرج في هذا الإطار تصريحات المسؤولين الفرنسيين الداعية لاحترام مسلمي فرنسا باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وواجبات كبقية المواطنين، ودفع مسار الاستشارة بين المؤسسات الإسلامية والإدارة الفرنسية من أجل تكوين هيئة تمثل- دينياً- أكبر جالية مسلمة في أوروبا، ومقابلة الرئيس الفرنسي يوم ٤/١ مع ممثلي هذه المؤسسات.

الرابط المختصر :