العنوان التغيير في.. تشاد دور العالم العربي.. في أفريقيا خير من البكاء ... والاحتجاج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
مشاهدات 89
نشر في العدد 129
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
التغيير في.. تشاد
دور العالم العربي.. في أفريقيا
خير من البكاء ... والاحتجاج
التحرك لكسب مواقع جديدة.. في العالم
في عام ١٩٦٣ شهدت شوارع المدن التشادية ثورة شعبية عارمة استشهد فيها ٥٠٠ مسلم تشادي وجرح عدد مماثل برصاص الجيش الموالي لنظام تمبل بإي .. والسبب المباشر لهذه الثورة هو وصول السفير الإسرائيلي إلى فورت لامي، وكان هذا الحدث الاستفزازي كافيًا لتحريك ٣ ملايين مسلم من أصل ٣,٣٦١,٠٠٠ نسمة هم المجموع الكلي لسكان تشاد بما فيهم الوثنيون والمتنصرين، لقد احتج الوزراء المسلمون في الحكومة واحتج قاضي القضاة على سياسة التبادل الدبلوماسي مع إسرائيل فما كان من الرئيس التشادي «بعد أن تطورت المعارضة» إلا أن يقدمهم للمحاكمة فأعدم البعض وسجن البعض الآخر وطرد قاضي القضاة خارج البلد فكانت تلك الأحداث الدامية التي استمرت في شكل ثورة تحريرية تقودها جبهة فرولينا حتى اليوم.
وبالطبع فإن تلك الاحداث مرت دون أصداء حيث كان العقل العربي في غيبوبة الهوس الثوري يقيم التماثيل للثوريين الأفارقة كلوم با ونكروما نيريري الذي أباد في نفس العام الوجود العربي الإسلامي في زنجبار.
وإذا كان قدوم السفير اليهودي في فورت لامي قد أثار تلك الأحداث فإن طرده اليوم من تشاد يأتي في ظروف مشحونة بالتوقعات حبلى بالأحداث..
لقد صاحب خروج السفير الإسرائيلي من تشاد خروج القوات الفرنسية المرابطة هناك منذ عام ١٩٦٩ حينما كان سقوط النظام التشادي وشيكا على يد الثوار المسلمين- وكان دخول هذه القوات يعتبر تنفيذًا لمعاهدة دفاعية بين فرنسا وتشاد تعهدت فيها فرنسا بحماية عدد من الأنظمة التي سلمتها مقاليد الحكم بعد انسحاب الاستعمار الفرنسي من المنطقة. وكانت تلك الأنظمة تمثل الأقليات المسيحية في مجتمعات إسلامية كاملة.
ومنذ ذلك التاريخ كانت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال إدوارد کارتادیا تخوض حربًا ضروسًا ضد الثورة الشعبية. وقد ذكر هذا القائد أنه خلال سنين الحرب الثلاث التي شاركت فيها قواته خسر ٥٠ جنديا بما فيهم أبنه هو شخصيًا مع ۲۰۰ من الجنود التشاديين و٤٠٠ من المدنيين مقابل ۲,۰۰۰ من الثوار وقد أثار التورط الفرنسي في تشاد انتقادًا واسعًا في داخل فرنسا وفي خارجها.. وبدأ الناس يصفون تشاد بأنها فيتنام صغيرة «ميني فيتنام».
ولما بدأ موقف فرنسا محرجًا صرح الرئيس بومبيدو في زيارته فورت لأمي أنه «لا يوجد أي مبرر لما تقوم به فرنسا في تشاد. لقد كان مجرد وفاء معاهدات ملزمة نعم.. إنما نحن استعماريون جدد!»
لقد جاءت زيارة الملك فيصل في وقتها المناسب، في فرنسا قد أعلنت عن زهدها في بلد صحراوي لا يستحق أن تتورط عسكريًا من أجله ولا يستحق حتى المساعدة الاقتصادية «٣مليون جنيه استرليني سنويًا».
والمساعدات الإسرائيلية كانت سبب النقمة الشعبية والموقف العربي المتحفظ حينا والمعادي حينا آخر.. فكانت سياسة الانفتاح العربي على أفريقيا وعلاقة التعاون الاقتصادي والتجاري هي البديل الوحيد الذي يتفق مع المصلحـة التشادية والمصلحة العربية في آن معًا.
أن شعوب القارة الإفريقية هي شعوب إسلامية ترتبط حضاريًا بالثقافة العربية الإسلامية. وقد اتخذت موقفا سلبيًا من القضايا العربية نتيجة لظروف الاستعمار الحديث الذي ارتبطت به انظمتها سياسيًا واقتصاديًا وقد كسبت إسرائيل هذه البلاد إلى جانبها عن طريق المساعدات الاقتصادية والفنية في حين أضاع العرب علاقاتهم الدينية والتاريخية معها بالتجاهل والإهمال، لقد أثبتت زيارة الملك فيصل الأخيرة أن الدول العربية- والغنية منها على وجه الخصوص- تستطيع كسب العالم الإفريقي إلى جانب الموقف العربي وقادرة على طرد النفوذ الصهيوني في أي مكان لأن المبرر الوحيد لوجود هذا النفوذ هو المساعدات المالية والفنية التي يقدمها لهذه الشعوب . ولعل الرأي العام العربي قد أدرك- أخيرا- خطأ السياسات السابقة في أفريقيا التي تبناها «الثوريون !!» والتي رسمت أساسًا لمصلحة القوى الدولية وليس للمصلحة العربية الإسلامية.