; يوغوسلافيا: المسلمون في البوسنة والهرسك يتعرضون للإبادة | مجلة المجتمع

العنوان يوغوسلافيا: المسلمون في البوسنة والهرسك يتعرضون للإبادة

الكاتب حسين عمر سباهيتش

تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 997

نشر في الصفحة 22

الأحد 19-أبريل-1992

         

 

يبلغ عدد المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك 2.5 مليون نسمة، ويمثلون نصف سكان الجمهورية. وبعد سقوط الشيوعية، حقق المسلمون 3 انتصارات سياسية كبيرة، وهي:

  • فوز حزب العمل الديمقراطي «الحزب الإسلامي» في أول انتخابات حرة في شهر نوفمبر 1990م، وتعيين رئيس الحزب السيد علي عزت بيغوفيتش رئيسًا للجمهورية.
  • تصويت 64.36% من سكان الجمهورية لصالح استقلالها عن يوغسلافيا، في 29 فبراير 1992م.
  • الاعتراف الدولي بالجمهورية في 6 إبريل 1992م. وقد اعترف بها حتى الآن 34 دولة.

وعندما فكر المسلمون في البوسنة والهرسك بأن الوقت قد حان ليتنفسوا بحرية ويقرروا مصيرهم بأنفسهم بعد 120 سنة من الظلم والاضطهاد الصربيين، شنت القوات الصربية الصليبية المدعومة بالجيش الاتحادي الذي يسيطر عليه الصرب هجمات شرسة على مدن البوسنة الواقعة على الحدود مع صربيا، والتي تقطنها أغلبية مسلمة، ليوقعوا بآلاف المسلمين أبشع المجازر.

وبهذا يعيد التاريخ نفسه، ويعلن الصرب مرة بعد أخرى أنهم يخوضون حربًا صليبية مقدسة ضد المسلمين. وفي هذه الأيام تتكرر الأحداث من أيام الحرب العالمية الثانية، وتقع من جديد مذابح المسلمين على أيدي الصرب على مرأى ومسمع من العالم أجمع، من غير أن تحرك في المسلمين روح العقيدة والغيرة على الحرمات والمقدسات المنتهكة.


ويروي شهود العيان القلائل الذين نجوا من سكاكين ومناشير العصابات الصربية المسماة بـ شتنيك (CHETNIK)، يروون صورًا من أفاعيلهم البشعة. قام شتنيك بإحراق المسلمين في مساجدهم وبيوتهم في مناطق جنوب شرق البوسنة، وكانوا يمثلون بالقتلى بعد ذبحهم بالسكاكين، ويقطعون بها أثداء النساء بعد اغتصابهن، ويبقرون بطون الحوامل للتمثيل بالأجنة، أو يلقون بهم أحياء إلى الماء المغلي، أو يذبحونهم ليشوهم شي الذبائح وليرسلوا برؤوس المسلمين المشوية هدية إلى أمرائهم وقادتهم. دخلت هذه الكتائب مدينة فوتشا يوم عيد الأضحى سنة 1942م، وأخذ أمير الكتائب مفتي المدينة ولبس سنابك الخيل على رجلي المفتي بالمسامير، ثم ركب ظهره إلى المسجد، حيث ذبح المفتي على عتبة المسجد قائلًا: هذا أول قربان في هذا العيد!

لقد جاء دور أبنائهم ليقتفوا آثار آبائهم حذو القذة بالقذة، وهاهم يعاودون الكرة، بعد أن أعدوا العدة منذ أربعين سنة لمعركة تاريخية مقدسة مع المسلمين، كما يسمونها.

ففي مدينة بيليينا الواقعة شمال الشرق على حدود جمهورية البوسنة والهرسك مع صربيا، نجا فقط 3 من أعضاء المجلس التنفيذي للحزب الإسلامي «SDA»، وأما الآخرون فقد ذبحوا، ورسمت على جثثهم صلبان صربية أورثوذكسية بالسكاكين.

وقد وقعت المذبحة إثر هجوم القوات الصربية المكونة من المرتزقة المجرمين المدربين في الغالب على أيدي الإسرائيليين على مدينة بيليينا ذات الأغلبية المسلمة، وسبق الهجوم قصف عنيف بالمدافع الثقيلة وبالتنسيق مع الجيش الاتحادي.

بعد آخر صلاة التراويح في رمضان يوم الخميس 2 إبريل من السنة الجارية، وعند خروج المصلين من المسجد، أخذت القوات الصربية اثنين منهم وذبحتهما على باب المسجد، وبدأت بإطلاق النار على الآخرين، وعندئذ هرع المصلون راجعين إلى المسجد، ثم ألقى الصرب القنابل في داخله ليقتلوا ما يزيد على 100 مصلٍّ، بعدها دخلوا المسجد وسلبوا المسلمين وقضوا الحاجة على جثثهم.

وأما تلفزيون بلغراد، فقد لفق هذا المشهد المروع، وبثه في نشرة الأخبار الرئيسية بعد أن عرض القتلى في الكنيسة بدلًا من المسجد المهدم، وعلق على الصورة بأن المسلمين المسلحين المدعومين من الخارج هكذا يعاملون أفراد الشعب الصربي في البوسنة والهرسك، وهذا هو مصير ما يزيد على مليون صربي فيها. ولحماية الشعب الصربي في البوسنة من المسلمين المتطرفين، ناشد جميع شباب صربيا سرعة الالتحاق بمراكز المتطوعين لإنقاذ الصرب الأبرياء.

 

في إثر هذه المذبحة، هاجر ما يزيد على 40 ألف مسلم من هذه المدينة فرارًا بدينهم وعرضهم من المذبحة المتيقنة، ثم بدأ قصف 3 مدن حدودية ذات أغلبية مسلمة وهي زوورنيك وفيشغراد وفرتشاء مع القصف المتواصل لمدينة سراييفو عاصمة الجمهورية، وبالتركيز على الأحياء القديمة ذات الآثار العثمانية الإسلامية، وقد سبق ذلك إجلاء الصرب منها بأمر من الحزب الصربي.

وفي مدينة زوورنيك وحدها، أسر الصرب المرتزقة ما يزيد على 3 آلاف مسلم، كما أحرقوا نصف مدينة فوتشا.

وفي جميع هذه المدن، اغتصب الصرب كثيرًا من النساء المسلمات، وكانوا يجبرون الرجال على خلع الملابس، فمن وجدوه مختونًا - أي مسلمًا - قتلوه ورسموا على جثته الصليب بالسكين.

ولم يسلم مسجد في هذه المدن من تدمير أو تدنيس، وقد علقت أعلام صربية على المآذن، وبدل الأذان سمعت عبر المكبرات أشرطة بأصوات القساوسة الأرثوذكس وهم ينشدون في الكنائس. وسميت هذه الجرائم والمذابح البشعة بـ «الفتح والتحرير» وإنقاذ الصرب المهددين من ضغوط المسلمين الأصوليين المسلحين.. كما وصلت الرسائل من قيادة هؤلاء المجرمين إلى مقر الحزب الإسلامي، وهذا نصها: تقبلوا تهانينا بمناسبة العيد وتبريكاتنا باستقلال الجمهورية والاعتراف الدولي بها!

وفي أعقاب المجازر، تدخلت قوات الجيش الاتحادي لتمكن الصرب من الاستيلاء الكامل على هذه المدن، ثم ألقيت آلاف الألغام في أشكال الأقلام ولعب الأطفال وعلب السجائر وقطع السلاح، وقد تسببت هذه الألغام في كثير من حالات الموت والجرح بين الأطفال والنساء والشيوخ.


ومع تزايد القصف على مدن البوسنة الواقعة على طول حدودها الشرقية مع صربيا وزيادة عدد القتلى من المسلمين الأبرياء، كادت أن تحدث كارثة تودي بحياة عشرات الآلاف من سكان البوسنة وصربيا وكرواتيا معًا.

وذلك بعد أن قامت مجموعة من المسلمين التابعين للدفاع المدني في مدينة فيشغراد الواقعة على نهر درينا الفاصل بين البوسنة وصربيا بالاستيلاء على السد العالي ووضعت المتفجرات لنسف السد. وقد قتل الصرب فيها في يوم العيد الأضحى سنة 1942م 22 ألف مسلم، كما قتلوا إبان الحرب العالمية الثانية ما يزيد على 240 ألف مسلم في هذه المناطق فقط.

ولو انطلقت مياه هذه البحيرة الاصطناعية التي تبلغ مساحتها 40 كيلومترًا مربعًا تقريبًا، لجرف سيلها عشرات المدن ومئات القرى الواقعة على الحدود، وخاصة أن النهر يمر بمنطقة سهول تمتد إلى بلغراد عاصمة صربيا، ويصب في نهر صاوه شمالًا، وبما أن هذه المنطقة صناعية وقد بنيت في عرض وادي النهر مصانع المواد الكيميائية والأصباغ والبويات والألمنيوم والخزف والسكر والزيوت النباتية، فإن انطلاق سيل نهر درينا قد يسبب كارثة تلوث بيئي تسمم الأخضر واليابس من موقع السد إلى عاصمة صربيا بلغراد.

وتفاديًا لوقوع الكارثة، بثت إذاعة سراييفو على الهواء مباشرة لقاء بين مراد شعبانوفيتش قائد مجموعة المسلمين المسؤولين على السد العالي وعلي عزت بيغوفيتش رئيس الجمهورية ومحمد شنغيتش نائب رئيس الحكومة، واللواء كوكانياش «صربي» قائد القوات الاتحادية في البوسنة والمتعاون مع الصرب، وعبد الله حبيب المستشار الخاص لوزير الداخلية، ونورا شقيقة مراد وصحفي من الإذاعة، وقد جرى هذا الحديث:

  • مراد: الآن يقصفون فيشغراد.. أنت أول صحفي أطلعه على أنني أصدرت الأمر بنسف السد في الساعة 12.15، أطلقنا صفارات الإنذار ليهرب الناس.. من نجا فقد نجا.. يكفي ما لقيه المسلمون من القتل والإبادة على أيدي الصرب.
  • عبد الله حبيب: يا مراد لا تقدم على هذه الخطوة، لا تحول مياه نهر درينا إلى نهر الدماء.
  • مراد: ولكن منذ أيام هنا تجري دماء المسلمين الأبرياء ألا ترى جثث الأطفال والنساء والشيوخ، ألا ترى كيف ينتهكون أعراضنا ويمثلون بالقتلى؟
  • اللواء كوكانياش: القوة ليست طريقًا لحل الخلافات، وأنا سأصدر الأوامر إلى الجيش بحماية جميع سكان البوسنة!
  • مراد: نعم ولكن هنا يموت المسلمون فقط، ولست أنت من يصدر لي الأوامر. إذا لم تتوقف جميع الهجمات الصربية على البوسنة، ولم تصدر الأوامر بإيقاف المجازر والحرب على الفور، فإنني أقسم بالله أن السد سيطير إلى الهواء بعد 9 دقائق!
  • الرئيس علي عزت بيغوفيتش: يا مراد لا تفعل ما توعدت به! هذا يسبب الكارثة: هذا لواء كوكانياش معي ويمكنه أن يصدر الأوامر بإيقاف الهجمات والمذابح، ولكن عليك أن تبقى في مكانك!
  • مراد: فخامة الرئيس سأستجيب لطلبك الآن، الآن ولآخر مرة حتى ترى هل سيوفون بوعدهم أول مرة في تاريخهم؛ لأنهم يستطيعون وقف القصف والتدمير وذبح المسلمين فورًا لو أرادوا ذلك!

وفي الوقت الذي بثت فيه إذاعة سراييفو هذا الحديث، توجهت قوافل طويلة من المتطوعين الصرب من جميع أنحاء صربيا، وأعلنت حالة الاستنفار لإمداد الصرب والمدن التي يهاجمون عليها. وقد توجهت 63 شاحنة من الصرب المتطوعين و10 دبابات لتعزيز مواقف المهاجمين على مدينة فوتشا وحدها. والآن تسيطر الكتائب الصربية والجيش الاتحادي على هضبة كويرس في غربي البوسنة، ومدينة موستار (120 كم جنوب سراييفو)، ويجري القتال الضاري حاليًا حول مدينة وسانسكي برود المنفذ الوحيد للبوسنة إلى مخارج وطريق الإمدادات، وإذا لم يتدارك الوضع قبل إغلاق المنفذ الأخير شمالًا ووصول التعزيزات الصربية الجديدة، فإن المأساة والكارثة مصير محتم للمسلمين في البوسنة والهرسك لإحكام الطوق حولهم.

 

الرابط المختصر :