العنوان مسائل ومشاكل (57)
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1971
مشاهدات 72
نشر في العدد 57
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 27-أبريل-1971
وصلنا من الطالب الدارس في أمريكا طارق محمد صالح رسالة ضمنها الأسئلة التالية:
· هل فخذ الرجل عورة يجوز إظهارها أم لیست بعورة؟
· قرأت أحاديث تنهى عن إسبال الثوب وأحاديث تبيح الإسبال، فكيف التوفيق بين هذه الأحاديث؟
طارق محمد صالح
قبل الإجابة:
قبل الإجابة على السؤال يحق لنا الفخر بالشباب المؤمن المحافظ على دينه السائل عن تفاصيله ليعمل بها، خاصة إذا كان مثل هذا الشباب يعيش في وسط بعيد عن الإسلام ثم هو يقاوم شتى الضغوط ليستقيم على طاعة الله، فأحرى به أن يعود بعد تخرجه نافعًا لنفسه وأمته بما حصل عليه من علم دنيوي لم يفسد عليه آخرته.
وعسى أن يكون أمثال هذا الشاب قدوة لغيرهم من أبناء المسلمين ممن خدعهم بريق الحضارة الأوروبية، فانحرفوا في متاهات بعيدة عن الإسلام.
عورة الرجل
ذهب جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الفخذ عورة وحجتهم أحاديث وردت عن طريق ابن عباس وغيره، تقول أن: «الفخذ عورة» وقد ذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- بصيغة التمريض «روي» إشارة إلى ضعفها، ولكن هذا الضعف ينجبر بكثرة الطرق، قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- وفي الباب من الأحاديث ما يصلح للاحتجاج به على المطلوب أي أن «الفخذ عورة».
وذهب الإمام أحمد ومالك في رواية إلى أن الفخذ ليس بعورة، وأن العورة هي القبل والدبر فقط.
وحجة من قال بذلك حديث أنس الذي يرويه البخاري ومسلم وهو وارد في غزوة خيبر، وفيه «أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أجرى في زقاق خيبر وفخذ أنس تمس فخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحسر الإزار عن فخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى أنه كان ينظر إلى بیاض فخذه».
ومنها حديث عائشة عند مسلم -رحمه الله تعالى- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مضجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبا بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسوی ثیابه».
وقد رد الاحتجاج بحديث أنس من قال: «إن الحديث محتمل كشفه للساق أو الفخذ، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، ويجاب عن ذلك بورود الحديث في مسند الإمام أحمد بالجزم أنه كان كاشفًا عن فخذه.
وقد رجح العلامة الشوكاني -رحمه الله- الأحاديث القائلة بأن الفخذ عورة وأجاب عن حديث أنس وعائشة بأنهما واردان في قضايا معينة مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى الأحاديث المذكورة -أي الأحاديث القائلة بأن الفخذ عورة-؛ لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام فكان العمل بها أولی.
وقد أجاب ابن حزم -رحمه الله تعالى- عن دعوى الخصوصية أو أن تكون واقعة حال بأن الرسول -عليه السلام- معصوم من مثل هذه الأمور ولا يقر عليها، واستند إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه وذكر فيه أن الرسول -عليه السلام- شارك في بناء الكعبة صغيرًا فطلب منه عمه العباس أن يخلع إزاره ويضعه على عاتقه؛ ليسهل عليه حمل الحجارة، فلما فعل وظهرت عورته خر -عليه السلام- إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء وطلب أن يشدوا عليه إزاره، إذا کان هذا قبل النبوة فكيف بعد النبوة؟!
وقال البخاري -رحمه الله- حديث أنس أسند وحدیث جر هو أحوط، فكأنه يرى أن الفخذ ليست عورة ولكن الورع سترها.
الحق في هذه المسألة:
مما سبق نستطيع القول إن القبل والدبر عورة مغلظة لا يجوز بحال إظهارها إلا للضرورة القصوى كالعلاج ونحو ذلك، والفخذ عورة أخف من ذلك يجوز كشفها في بعض الأحوال كالحرب وحال خلو المرء لنفسه أو كان بحضرة بعض خاصته ودعوى الخصوصية التي يقول بها البعض مردودة بما عرفت من رد ابن حزم وقول من لم ير الفخذ عورة مردود بثبوت صحة الأحاديث في ذلك والله أعلم.
إطالة الثياب أسفل من الكعبين
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
ومعنى لا ينظر إليهم أي نظر رحمة والمسبل: المطول ثوبه ويرسله إلى الأرض حال الشيء.
والمنان: الذي يمن بما يعطي، ففي الحديث دلالة على تحريم الإسبال وعده من الكبائر، وقد ورد في معناه أحاديث منها حديث أبي هريرة عند البخاري: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا»، وفي البخاري أيضًا عن أبي هريرة أن الرسول -عليه السلام- قال؛ «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مُرَجّل جُمّته إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة»، وفي البخاري أيضًا عن ابن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
وقد ذهب السلف إلى القول بدلالة الأحاديث فعَدُّوا الإسبال من الكبائر.
إلا أن جماعة منهم قيدوا ذلك بما إذا اقترن مع الإسبال الخيلاء فإن كان تغير الخيلاء فهو مكروه، وإلى هذا ذهب النووي -رحمه الله تعالى- ونص الشافعي على أن الذي يجر ثوبه بلا مخيلة أخف من الذي يجره مخيلة، وهو كلام السندي في حاشيته على سنن النسائي، وقال ابن عبد البرفيمن يجره بلا خيلاء أنه مذموم، وحجتهم في ذلك قوله -عليه السلام-: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا»، وقوله: «من جر ثوبه مخیلة» فإن كان الجر لا مخيلة ولا بطرًا لم يلحق الوعيد الفاعل، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر عند البخاري، وفيه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لست ممن يصنع ذلك خيلاء».
واستدلوا أيضًا بما رواه البخاري في قصة خسوف الشمس، «فقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجر ثوبه مستعجلًا حتى أتى باب المسجد…».
فأبو بكر كان يسترخى إزاره والرسول -عليه السلام- قام يجر ثوبه، فدل ذلك على أن المحرم هو ما كان مقترنًا بالكبر.
وقرر جماعة من العلماء منهم ابن حجر والصنعائي قرروا أن الإسبال إن كان من غير قصد أو لأجل الفزع فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدًا عن قدر لابسه فهو ممنوع من جهة الإسراف، محرم لأجله ولأجل التشبه بالنساء ولأجل أنه لا يأمن أن تتعلق به النجاسة، وقال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه کعبه، فيقول: لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه إذا صار حكمه أن يقول لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست في فإنها دعوى غير مسَلّمة بل إطالة ذيله دالة على تكبره إذ قال الصنعائي وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس اهو يدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر بن سليم من حديث طويل فيه: «وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أتیت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة».
تصویب
حدث خطأ مطبعي في العدد الماضي «٥٦» صفحة ٢٨ في نص حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفيما يلي النص الصحيح للحديث «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، مختصر صحیح مسلم حدیث رقم ۲۰.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل