العنوان أدعو الرئيس السوري أن يقول: لا
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 69
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 23-فبراير-1999
سورية
أدعو الرئيس السوري أن يقول لا، فيصبح الرقم التاسع عشر بعد الثماني عشر والمائتين الذين قالوا لا في الانتخابات السورية، وأنا أكمل الأصوات للعشرين.
ولا أدعوه أن يقول لا لشخصه، فهذا لن يكون، إنما أدعوه أن يقول لا لمنهجه، وذلك بعد خبرة تجاوزت ثلث قرن في الحكم والسلطة، وهو يعيش في عالم متفجر متغير، فليكن التفجير والتغيير بيده لا بيد غيره، وقد أعطي سبع سنوات جديدة يحكم فيها سورية العربية المسلمة العريقة الرائدة في عروبتها وإسلامها.
ندعو الرئيس السوري إلى حوار هادئ بعيدًا عن الانفعالات والعواطف، وأنا أعلم أن العواطف لو ترك لها أن تتحكم في مصير الشعوب لدمرتها، فلا بد من وقفة عاقلة متزنة تنقذ الأمة والبلاد من التشتت والضياع، وتنقذها من حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، حرب طائفية كحرب لبنان التي استمرت خمسة عشر عامًا، ولم يكن حصادها إلا الدمار، أدعوه إلى هذه الوقفة لأن يحمل راية التغيير الحقيقي كاملة، التغيير في منهج الحكم القائم، وأعتقد أن هذا المقال الضعيف الذي يعتبره البعض تزلفًا للنظام ويهاجمني عليه، ويتهمني بديني، ويحكم علي بالموت من أجله، هذا المقال الضعيف اليتيم من الذين يقولون: لا، لا يمكن لمثله أن يصدر في سورية، ولو كان صاحب المقال قد ذبح أبناؤه أمامه وشردت عائلته، ولا يزال بقية أقاربه في السجون ما جرؤ أن يكتب مثل هذا المقال، والرئيس الأسد أول من يدري ذلك.
ما المنهج الذي ندعو الرئيس الأسد إلى تغييره ويقول له معنا: لا؟
أولًا- لا يغيب عن ذهنه أن البلاد لا تزال تحكم بالأحكام العرفية، وأي حرية وأي أمن يملكه المواطن في ظل هذه الأحكام التي يحتكم فيها إلى أجهزة الأمن لتكون صاحبة السلطة القضائية في مصير الشعوب، وتجريم المعارضين وتبرئتهم، وكم هو موقف شجاع يقدم عليه الأسد حين يصدر مثل هذا القرار، ويرتفع كابوس الإرهاب عن الأمة، وهو الوحيد الذي يقدر على ذلك، ولديه متسع من الوقت في ظل ولايته الخامسة أن يفعل ذلك، ويقدم حقًا حرية الشعب قرابة أربعين عامًا، وليعتبرها هو هدية أو أغلى هدية تقدم لهذا الشعب.
ثانيًا- لا يزال في سورية مرسوم جمهوري مرفق بمرسوم تشريعي ينص بالحكم بالإعدام على من ينتمي للإخوان المسلمين، وهو يدري أن البعث العربي الاشتراكي والإخوان المسلمين نشأ في وقت متقارب، وعاشا ظروفًا مشتركة من الحكم الدكتاتوري، وكانت وسيلتهما الحوار الفكري خلال أربعين عامًا تقريبًا لم يلجأ فرد من الإخوان المسلمين لسفك دم أو قتل بريء، وقد عاش هذه المرحلة، فلقد كانت الصراعات في المظاهرات وفي صناديق الاقتراع، ومن خلال الشعب الذي ينحاز لهؤلاء أو أولئك، وهو يدرك تمامًا أن الإخوان المسلمين كانوا والبعث الاشتراكي فصيلين في تمثيل الأمة، وقبل ثورة مارس أي في ٧ من مارس (آذار) ١٩٦٣م، كان المجلس النيابي موزعًا في تبعيته بين الحزبين، كان أكرم الحوراني وعصام العطار يقودان تياريهما في المجلس، وكانت البلاد مهيئة لانتخابات نيابية تفصل في أي التيارين له الغلبة، فجاءت حركة الثامن من مارس (آذار) لتطوي صفحة الحرية إلى الأبد، فالحكم بالإعدام على الانتماء السياسي أمر مرفوض في كل شرائع العالم، وجيرانه الأردنيون يفخرون بأنه لم يقتل عندهم طيلة أربعين عامًا فرد واحد لانتمائه السياسي.
وهو وحده القادر بشجاعة تاريخية أن يلغي هذا المرسوم وهذا القرار، إذ هو الذي قدمه لمجلس الشعب لإقراره في المجلس الذي قام في ظل الأحكام العرفية.
ثالثًا- الرئيس الأسد يعرف قبل غيره أنه لا يزال في سجونه قرابة خمسة آلاف سجين على الأقل، وقد أمضوا قرابة العشرين عامًا في السجون في أوضاع فقدوا فيها إنسانيتهم وآدميتهم، ولا نتحدث عن الآلاف التي أعدمت، ولا نريد أن نتحدث عن الأسباب الداعية لذلك، حتى لا نفقد الوقفة الهادئة المتزنة، فالثابت لدى الرئيس الأسد أن سجن عشرين عامًا كاف لتأديب هؤلاء المجرمين -على حد رأيه- فلم لا يكون القرار الشجاع الثالث هو تبييض السجون بالمصطلح الجديد، وإعادة هؤلاء الأشباح إلى أهاليهم، وهم عمليًا عاجزون حتى عن الحياة، وبذلك يثبت للأمة وللعالم أنه ماض في تغيير حقيقي.
رابعًا- الرئيس الأسد يعلم أن المهجرين من شعبه الذين يتجاوزون مائة ألف ونيف في أقل الحسابات هم خيرة العقول السورية، فهم يملؤون جامعات الدول التي تضيفهم، ويملؤون معامل الإنتاج، ومواقع التعمير والبناء في الأمم، وما أحوجه إليهم جميعًا، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية ليكونوا عناصر البناء في سورية المستقبل، وليعودوا إلى أهلهم وذويهم، وهو الوحيد الذي يملك مثل هذا القرار الشجاع بأن يفتح سورية لكل أبنائها المهجرين دون أن يمروا عن طريق الإذلال والإرغام والإهانة من البوابة الأمنية، إنهم مفكرو الأمة وعلماؤها وأغلبهم مهندسون وأطباء وعاملون في جميع مرافق الدول التي يعيشون فيها، وبذلك يثبت للعالم أن سورية على أبواب تغيير حقيقي جديد دون أن يطالب بأي ثمن، فالجيش كله بيده وأجهزة الأمن الخمسة أو الستة بيده، وعندما يرى أن هذه الآلاف المؤلفة سوف تخل بالأمن أو تتبع سبيل الإرهاب -كما يواجه من يناقشه بذلك- ففي أربع وعشرين ساعة يستطيع أن يعيدهم جميعًا إلى السجون والمعتقلات، أو يقودهم إلى المقصلة والإعدام، طالما أن مراكز القوة كلها بيده.
نحن ندعوه إلى هذه القرارات الأربع خلال فترة وجيزة، وخلال أقل من عام، وبذلك يقيم الحجة على المعارضة التي تعارضه خارج بلده، ويحس الناس بالدفء الحقيقي للحرية، ويدعو بعدها إلى انتخابات حقيقية، ولا يبعد أبدًا أن يكون هو الرئيس الفائز، فهو يحكم شعبًا منذ ثلاثين عامًا لم يعرف غيره حاكمًا له، وكل وسائل الإعلام منصبة على التمجيد فيه، وما يذكره الرئيس الأسد دائمًا أنه يؤمن بالإسلام إيمانه بالعروبة، وليدع التيارات الإسلامية التي لا تملك إلا المطالبة بتحكيم شريعة الله، ليدع لها أن تبرز على الساحة، ولو بنائب واحد، ليدعها بجانب التيار القومي والتيار الشيوعي، وهو يعلم انتماءات شعبه لهذه التيارات، ويعلم أن كل الدول المجاورة له تفسح صدرها لهذه التيارات بقدر معين، وليكن هو بطل التغيير الحقيقي.
أما النفس الطويل الذي يمضي به في الإصلاح -من خلال نموذج الإفراج عن السجناء- فهذا يعني أنه بحاجة إلى مائة عام أخرى يعيشها حتى يكلل الشعب بالحرية، وينعم بالأمن، ويغيب ظل أجهزة الرعب –الآمن– الموجودة فوق رأس المواطنين.
إن الرئيس الأسد يعلم أن الزمن ليس بيده، وأن الأعمار بيد الله، وأنه مسؤول عن كل ما ينزل بشعبه من كوارث ودماء ودمار.
ندعو الرئيس السوري أن يقوم بهذه الخطوات الشجاعة قبل أن يعاجله الأجل، وأن يقوم بردم تلك الهوة بين طائفته وشعبه، وأن يقوم بردم تلك الهوة بين طائفته التي صرع الكثير من زعمائها على يد أجهزته.
ولا يضير بعدها من يختار الشعب، سيان كان هو أو ابنه بشار، أو غيرهما، فهو الوحيد الذي يملك مراكز القوى والقوة في الأمة، وليحشد طاقات شعبه كلها لمواجهة العدو اليهودي الذي تخوض معه معركة الحياة أو الموت، وذلك قبل أن ينتقل إلى الله -تعالى- الجبار خالق السماوات والأرض والناس فينتقل إلى دار أخرى، يحكم فيها ملك عادل يحق الحق، ويبطل الباطل، هل يستجيب الرئيس السوري لهذا النداء؟ إنا لمنتظرون.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (سورة الأعراف: ٨٩).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل