; جمعة القرضاوي بمصر | مجلة المجتمع

العنوان جمعة القرضاوي بمصر

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 37

السبت 12-مارس-2011

  • الميدان ازدحم بشكل كبير جعل الملايين السابقة تستحيي أمام تلك الأعداد المتراصة، وبالكاد وجدنا ثغرة حشرنا فيها.
  • الشيخ القرضاوي استقبل بتكبير وهتاف لا أظن أنه قد حدث لزعيم أو ملك، فقد هتفت الملايين من القلب بلا أجر ولا إجبار.
  • شاهدة عيان تروي قصة هروب مساجين سجن «وادي النطرون».
  • شاهدة أخرى تروي أحداث الاعتداء عليهم بخراطيم المياه فوق كوبري قصر النيل أثناء الصلاة: في هذه اللحظات لم نشعر إلا بالله وحده وكأننا قد غبنا عن الدنيا بكل ما فيها.

كان يومًا غير كل الأيام التي سبقته، فهي أول جمعة نستنشق فيها عبير نشوة النصر، دخلنا إلى «ميدان التحرير» والقلوب سعيدة بلقاء الميدان، فقد أصبح معلمًا نحبه ويحبنا، معلمًا صدرنا منه الأخلاق بعد أن كنا نستوردها، لذلك كان الفرح والسرور قد غمرنا الله فيه برحمته، سقوط «مبارك»، رجوعنا للتجمع بـ«التحرير» وجود الشيخ يوسف القرضاوي معنا يصلي بنا إماما ويا لها من مكرمة.

اصطف الجيش ببعض وحداته على مداخل الميدان، بلفتة لطيفة وهي توزيع أعلام مصر على الأطفال، وإظهار الفرحة والسرور بنجاح الثورة، ولم لا وأفراد الجيش من الشعب وإليه! وبعد فترة من الانتظار والتفتيش الذاتي لكل الأفراد من طرف الجيش دخلنا إلى الميدان وقد كان مزدحمًا بشكل كبير، جعل الملايين السابقة تستحيي أمام تلك الأعداد المتراصة، قبل الصلاة بحوالي ساعتين كاملتين، وبالكاد وجدنا ثغرة حشرنا فيها لسماع العلامة الجليل، ومن حولنا الهتافات التي شاركنا فيها باللسان والوجدان:

«الله وحده أسقط النظام، الله وحده أسقط النظام، الله وحده أسقط النظام». 

فيها عرفان بفضل الله وشكره والثناء عليه، وبمجرد الإعلان عن وصول شيخنا إلا والجماهير تهتف:

«فينك فينك يا «مبارك»، القرضاوي أهو، رحت فين يا «مبارك»، القرضاوي أهو»

مع تكبير وهتاف لا أظن أنه قد حدث الزعيم أو ملك، لا نقول: آلافًا، ولكنها ملايين تهتف من القلب بلا أجر ولا إجبار، ولذلك كنا نستشعر مشاركة الطير والزرع والسماء والأرض معنا فرحتنا، وأذن الشيخ محمد جبريل للصلاة بصوت شجي رائع تساءل معه الجمهور: لماذا لا تذاع هذه السيمفونية الرائعة عبر الأثير عند مواعيد الأذان. 

كانت الخطبة رائعة كيومها، واستشعرنا صدق الشيخ القرضاوي، وتذكرنا سجل الشرف لكثير ممن سبقوه من الشيوخ الشرفاء، دعونا الله أن يطيل في عمره حتى يصلي بالناس -كما تمنى- بالمسجد الأقصى، والله على كل شيء قدير. 

بعد انتهاء الصلاة، استشعرنا المأزق الذي نحن فيه، زحام لم نره من قبل، لا نستطيع الولوج ولا الخروج ولا الحركة، وهتافات من كل صوب وجهة، كل يهتف برؤياه ويتكلم بما يريد، أخيرًا وبلا قيود، صعدنا إلى حيث الحديقة الهائلة القاطنة بنفس الميدان ننتظر أن يخف الزحام قليلًا، لكنه كان يزداد، فلم يكن هناك بد من بعض الحوارات مع بعض الأشخاص، وسنقوم بتسجيل الأهم منها حسب رؤيتنا، مع أن الكل مهم.

أحداث «وادي النطرون»

كانت البداية مع شاهدة عيان لما حدث ب«وادي النطرون»، واستمعنا إليها بكل جوارحنا فقالت: في هذا اليوم حدث حريق في مطبخ سجن وادي النطرون لا ندري من الذي أشعله، وفي المطبخ يتم الاستعانة ببعض السجناء «سجينين وقتها»، وبعد اشتعال الحريق مباشرة هرب العساكر والضباط وكل القائمين على حماية السجن، وهرب معهم السجينان، ولكن كان لدى السجينين إنسانية انتزعت من قلوب جلاديهم، حيث توجها إلى الأماكن السكنية التي نحن فيها يصرخان ويطلبان النجدة من الأهالي لإنقاذ المساجين، فالحريق سيصل إلى الزنازين وسيموت الجميع محترقين، فكل الزنازين موصدة هرع الرجال بالبلط والشواكيش وكل ما يمكن أن يعينهم على فتح الزنازين وإخراج الضحايا المساكين، كانت النساء تجري خلف الرجال وهن يصرخن ويولولن يطلبن من الرجال الرجوع، حيث إنهم يذهبون إلى المجهول، فكان عويل النساء يزيد الرجال إصرارًا ومضوا حيث أراد الله، وجعلهم الله سببا في إنقاذ رجال محبوسين لا حيلة لهم ولا قوة إلا بالله العزيز العليم.

وخرج المسجونون يهرولون إلى الطريق العام؛ مما أدى إلى دهس بعضهم من السيارات المارة، التي يفاجأ قائدوها برجال وكأنهم أشباح بلباس السجن أمام سياراتهم ويطلبون منهم الوقوف، فيزيدون من سرعة سياراتهم من هول المفاجأة ومن الخوف والرعب، وذهب الكثيرون إلى مزرعة فواكه قريبة فتحها لهم صاحبها، وقد قذف الله في قلبه الرحمة لينتظروا فيها حتى الصباح، فوجد السجناء حديقة غناء بكثير من الفواكه وكأنهم في جنة غناء، اقتاتوا من ثمارها وصاحبها يطلب الأجر من الله. 

أما المعتقلون من «الإخوان المسلمين» فقد اتصل كل منهم بأهله وحضروا بالفعل لاصطحابهم، وسمعنا ورأينا مآسي رجل مكث في السجن أربعين عامًا، لا يدري أي شيء عن أي شيء، حتى بعد أن أعانه الأهالي للوصول إلى بلدته لا يدري أين أهله، ولا أين عنوانه، وقصص كثيرة تحتاج لمن يدونها، إنها وصمة عار في جبين هؤلاء الحكام الظالمين.

صمتت الأخت، ونحن كأن على رؤوسنا الطير، لم يقاطعها أحد من هول ما نسمع، واستأذنت لمواصلة المسير، واختفت ونحن في ذهولنا لا نستطيع حراكًا ولا تفسيرًا لما سمعنا، ولا قدرة على إيجاد أدنى عذر لهذا الجبروت الذي يتجلى في نظام كامل من أعلى إلى أدنى في الرتب والدرجات، ولكن الجميع أعلى في درجة الظلم والظلام.

قصة أخرى

امرأة أخرى من مدينة «السادات»، تسترجع ذاكرتها، حيث قالت بلا استئذان في الحديث فالكل مأذون له تخيلوا في مثل هذه الظروف التي سمعتموها، كنت قد وضعت مولودي الأول، وبمجرد اطمئنان زوجي على مولوده ذهب مباشرة إلى «ميدان التحرير»، وأنا ألح عليه أن يرافقني في نفاسي، ولكنه أبي أن يترك المعتصمين وحدهم بعد أن أطمأن علي، وتتابعت الأحداث وأنا شديدة القلق على زوجي، شديدة القلق على بلدي، حتى من الله علينا بخلع «مبارك»؛ فأتيت وزوجي لنشارك الجميع الفرحة، ونصلي خلف «القرضاوي».

في هذا اليوم، تقابلنا مع زوار من جميع المحافظات، أتوا ليفرحوا مع الفرحين، وليتبادلوا التهاني والتبريكات، ويصلون وراء الشيخ القرضاوي الذي أحبهم فأحبوه، بالطبع، تطرق الحديث إلى يوم موقعة الجمل»، وتحدثت إحدى السيدات عن ذكرياتها في هذا اليوم الجلل، فقالت: كنت وزوجي وأولادي الصغار بالبيت نتابع كل شيء على شاشة التلفاز، وشعرنا أن الأمر جلل، وكنت أغلي غيظًا مما يفعله المعتدون ووصلت إلى مدى لم أستطع تحمله، فقلت لزوجي بشكل صارم وجاد الأولاد صغار ولابد من وجود أحدنا بالمنزل لرعايتهم، فإما أن تنزل أنت أو أنا ولن نترك أولادنا هناك يموتون ونحن نتفرج عليهم بالتلفاز، أقول ذلك وأنا أرتدي ملابسي فأوقفني وقال: سأنزل بمعونة الله، ونزل زوجي وأنا مشفقة عليه ولكن ما باليد حيلة، فهذا هو قدرنا ولابد من مواجهته وبعد انتهاء أحداث هذا اليوم ورجوع زوجي بالسلامة ومعرفتنا جميعا بأهمية المشاركة، وفضل الله على من شاركوا فيه، شعرت بمعنى الدعاء «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه»، فقد أراه الله لنا ورزقنا اتباعه، فله الحمد والمنة والفضل.

ذكريات طبيب

تنهدت طبيبة وهي تقول: إن هذا اليوم كان له ما بعده، وكان فيه سجل من البطولات والأحداث التي سيسجلها التاريخ، وزوجي كان مع الأطباء في الميدان يومها، وروى لي بعض ما رأى وليس كل ما رأى، قال زوجي كان الشباب الذين قد حدث لهم شروخ بالعظام يصممون على «تجبيس» أيديهم وليس وضع جبيرة أو رباط أو ضمادة، وعندما تكرر هذا الطلب وكان عليه الكثير من الإلحاح، كان يأتيني من تم تجبيس يديه وقد تكسر الجبس، وعندما تكرر هذا الأمر أيضًا أردنا أن يوضح لنا أحدهم أمر ما يحدث فقال: إننا نريد الجبس حتى نكسره على رؤسهم دفاعا عن أنفسنا، حيث إننا لا نملك أي سلاح نواجههم به سوى أيدينا المخلوعة أو المشروخة أو المكسورة، كما أن الرباط الضاغط يجروننا منه إلى حيث البلطجية فيعتدون علينا بالضرب إلى حد الموت، أمر محير يجعلنا حقا نتساءل: ما هذه النوعية من البشر العجيبة؟ ولكنها من صنع إله عظيم، إن أراد شيئا سخر له عبيده.

فتاة من أستراليا

كانت بجانبنا فتاة مصرية قادمة من أستراليا للمشاركة في هذه الأحداث التاريخية فعندما سألناها عن ردود الأفعال في البلد الذي قدمت منه، قالت بزهو: إن الناس في أستراليا منبهرون من صورة الشباب الذين كانوا يصلون على كوبري «قصر النيل»، ولم تثنهم خراطيم المياه عن الصمود وعدم الجري والهروب، بل واصلوا صلاتهم بشكل باهر، وكان أستراليون يتساءلون: كيف يحدث ذلك؟ ألا تخافون؟ وما هذه الشجاعة التي لم نرها من قبل ولم نسمع بها؟

شاهدة على الحدث

وكان من حسن طالعنا أن معنا فتاة قد حضرت هذه الواقعة وهي شاهدة عيان عليها، حيث قالت في هذا اليوم كنت أنا وأختي بالمظاهرات وكانت المظاهرة تسير «سلمية» لم نخرب شيئا ولم ندمر أي شيء على الإطلاق، بل كنا نسير في صفوف منظمة وبمنتهى الرقي، نهتف مطالبين بالإصلاح وعلى رأس أولوياته سقوط كل النظام بكل أفراده وممثليه، بكل فئاته، وبكل جنوده الذين أعانوه، وكنا نهتف المصر وحب مصر، وفجأة وبلا مقدمات، وجدنا سيلًا من القنابل المسيلة للدموع تنهال على رؤوسنا، نعم على رؤوسنا، فقد احترق بالفعل جزء من الطرحة الموضوعة على رأسي، وبدأنا نشعر بالاختناق وحدث بالفعل حالات إغماء، فهرولت أنا وأختي فزعًا وخوفًا، فوجدنا أنفسنا على كوبري «قصر النيل» مع ارتفاع الأذان، الله أكبر الله أكبر، فهرعنا إلى الله بدون أن نشعر، فلا ملجأ في حقيقة الأمر إلا إليه سبحانه، وكأن الأذان بالتكبير جاء في هذا التوقيت ليذكرنا الله بقوته وعظمته، وإنه لابد ناصر للمظلوم، فاصطفت الصفوف للصلاة في وسط هذا الهول وهذا الرعب، وكنت أنا وأختي معهم، وفي هذه اللحظات بحق وصدق لم نشعر إلا بالله وحده، وكأننا قد غبنا عن الدنيا بكل ما فيها، واكتفينا بلقاء إله عظيم نرفع له شكوانا ونشهده على ما يحدث لنا. 

وجاءت جحافل الشر من أمامنا وكأننا لا نراها، وقد أذهب الله الرعب والخوف من قلوبنا تمامًا، وبدأ انهمار المياه المندفعة من الخراطيم بشدة علينا تكاد تقتلعنا من أماكننا من شدة اندفاعها، ولكن الجاذبية الأرضية شدت من أقدامنا وكأن الله سخر هذا الجندي العظيم معنا لتثبيت الأقدام، وبالفعل لم يتزحزح أحد، وكان من لم يصطف بعد للصلاة، ينظر إلينا باندهاش وكأننا ندعوه لينضم إلى كتيبة الخضوع فقط لله وبالفعل كان عدد المصلين في وسط هذا الهول يزداد وتزداد الصفوف، وكنا مع الله فاستمع إلينا سبحانه ورآنا، فلم تنته الصلاة إلا وقد اكتست قلوب الظلم بالرعب والخوف وقلوبنا بالسكينة والطمأنينة، وكأنها تنزلت علينا، وبدؤوا في الانسحاب في منظر مهيب لا يقدر عليه إلا قادر سميع مجيب، نعم، لا يشعر بتلك العظمة إلا من كان في وسط تلك الأحداث، فقد استشعرنا وجود الله كما لم نستشعره من قبل، فقد تغير كل شيء في لحظة واحدة بإرادته وقوته وعظمته، فله كل الحمد وكل الشكر، فقد رأيناه بقلوبنا وشكرناه بألسنتنا، ولن نوفيه حقه، فقد أسبغ علينا هذا النصر، وأرانا بعد ذلك آية كبرى بخلعه ل«مبارك» بقدرة باهرة، حتى إننا لنحتفل هذا اليوم بزوال الطاغية بعد ما رأينا من آيات. 

كانت تتكلم وكل من يستمع لها قلبه خاشع لله، فله هو أيضًا مع الله قصص مرت عليه في هذه الشوارع وهذه الميادين لمصر المحروسة. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية