العنوان بلا حدود: مايكل روز.. الجنرال المهزوم
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1140
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 28-فبراير-1995
حينما دخلت إلى سراييفو المحاصرة كان هناك شخصيتان حرصت على معرفة دورهما في البوسنة بدقة، باعتبارهما من أكثر الشخصيات التي لها علاقة بما يدور في البوسنة والهرسك – كراهية لدى المسلمين وغيرهم من المتعاطفين مع مسلمي البوسنة، الذين يتعرضون لحرب إبادة منظمة منذ ثلاث سنوات.
أما الأول فهو الجنرال مايكل روز البريطاني وقائد القوات الدولية في البوسنة من يناير ١٩٩٤م، وحتى الخامس والعشرين من يناير الماضي ١٩٩٥م.
وأما الثاني: فهو ياسوشي أكاشي – ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في البوسنة.
أما روز فقد كان في أيامه الأخيرة وكان يستعد لتسليم مهامه إلى خليفته البريطاني أيضًا الجنرال مايكل سميث، وكان حجم المعلومات الموثقة التي حصلت عليها عن دور روز في البوسنة أكبر مما توقعت.
أما أكاشي فقد التقيت به فعلا مع صحفيين غربيين قلائل أمام قصر الرئاسة في العاصمة البوسنية سراييفو، ووجدته كما وصف لي رجل مغيب عما يدور حوله، ويكفي أنه يتخذ من بالي عاصمة صرب البوسنة مقرا لإقامته.
أما الجنرال روز الذي غادر سراييفو في نهاية يناير الماضي، بعدما أدى دورًا لا يقل عن دور الجنرالات الثلاثة الذين سبقوه في قيادة القوات الدولية في البوسنة، وهم الكندي لويس ماكنزي الذي خرج بعد فضائح مفادها، أنه كان يشارك الصرب في اغتصاب المسلمات، والفرنسي فيليب موريون الذي كانت له - علاقات - حميمة مع الجنرالات الصرب، والبلجيكي فرانسيس بروكومون الذي اعتبر أن مهمة قيادته للقوات الدولية مستحيلة.
فحينما تسلم روز مهام قيادة القوات الدولية منه في ٢٤ يناير ١٩٩٤م، بدا روز وكأنه القائد المظفر الذي سيوقف الصرب عند حدهم، وقال في تصريحات وصفتها الصحافة في ذلك الوقت بأنها نارية: إنني سوف أتشدد في المعاملة مع الصرب، ولدي الشجاعة الكافية لمطالبة حلف الأطلسي بالتدخل فورًا لمعاقبة الصرب، إلا أن روز الذي كان قائدًا للعمليات البريطانية السرية في حرب الفوكلاند ضد الأرجنتين عام ١٩٨٢م، وقائدًا للعملية العسكرية التي أنهت حصار السفارة الإيرانية في لندن عام ۱۹۸۰م، وقائدًا لفرقة حراس النهر البارد البريطانية المشهورة التي انضم إليها بعد إنهاء دراسته العسكرية قبل ثلاثين عامًا، سرعان ما تحولت شجاعته الكافية التي أعلن عنها يوم توليه منصبه إلى برودة كافية لتبريد نصف الكرة الأرضية، وأصبح نديمًا دائمًا لقائد الصرب المجرم رادتكو ملاديتش، حيث كانت سهراتهم المشتركة لاحتساء الشراب شبه يومية، وبدلاً من التشدد في معاملة الصرب المعتدين تشدد روز في معاملة المسلمين الضحايا، وبدلًا من مطالبة حلف الأطلسي بالتدخل لمعاقبة الصرب، هدد روز المسلمين في أغسطس ١٩٩٤م، بأنه سوف يطلب من قوات الأطلسي أن توجه ضربات جوية إلى المسلمين، إذا واصلوا معاركهم ضد الصرب في شمال غرب العاصمة المحاصرة سراييفو، مما جعل الصحافة الدولية تهاجمه هجومًا شديدًا وتصفه بـ الرجل الذي يكافئ المعتدي ويعاقب الضحية.
وحينما سألت حسن مراتوفيتش- وزير شئون الأمم المتحدة في حكومة البوسنة والهرسك- أثناء لقائي به في سراييفو عن الدور الذي يقوم به روز في البوسنة، قال: إننا سوف نطالب بمحاكمته كمجرم حرب، لأن لدينا من الوثائق ما يثبت تواطؤه وتعاونه مع الصرب ضد المسلمين، وحتى لا نأخذ كلام مراتوفيتش على إطلاقه باعتباره طرفًا، فقد رجعت إلى ما كتبه الصحفيون الغربيون عن الجنرال روز باعتباره بريطانيًا يمثل سياسة بلاده وسياسة الغرب في البوسنة، فوجدت ما كتبه الصحفيون الغربيون- والبريطانيون منهم خاصة - عن تواطؤ مايكل روز أو وصف دوره على الأقل بالدور المشبوه يكفي لإعداد كتاب كامل، لكني سوف أقف هنا عند بعض المقتطفات البسيطة أنقلها دون تعليق.
ففي ديسمبر الماضي كتب وليم سافاير وأنتوني لويس. وهما من كبار المعلقين في صحيفة نيويورك تايمز البريطانية. مقالا عن دور مايكل روز في البوسنة، كان مما جاء فيه لقد تقمص السير مايكل روز شخصية نيقيل تشمبرلين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي حاول مهادنة هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، وهنا لمز واضح لمهادنة روز للصرب.
أما مجلة «الإيكونوميست البريطانية» فقد وجهت اتهامات واضحة إلى مايكل روز في مقال نشر في نهاية يناير الماضي ١٩٩٥م بعد انتهاء مهمته، وبعدما استعرضت دور مايكل روز في دعم مواقف الصرب وتحامله على المسلمين طوال فترة عمله، خاصة موقفه المتخاذل إزاء مجزرة جور ازدي وما يحدث في بيهاتش، وتوليته لضابط صربي متهم بأنه مجرم حرب ليكون ضابط ارتباط في مطار توزلا، وختمت الإيكونوميست تقريرها قائلة: وعلاوة على ذلك فقد عبر الناتو عن خيبة أمله بالجنرال روز، ففي وقت سابق من يناير ١٩٩٥م، اكتشفت قيادة حلف الأطلسي في نابولي في إيطاليا- وهي القيادة المسئولة عن مرور طائرات الحلف فوق البوسنة - أن الجنرال روز قد أخبر صرب البوسنة بعدد طائرات الناتو التي ستطير فوق أراضيهم، وبما أن ذلك يعتبر من الأسرار العسكرية فقد انزعج قادة الناتو، وأعلنوا عن وقفهم لتزويد قوات حفظ السلام في البوسنة بأية عمليات عسكرية.
أما «الإندبندنت» البريطانية فقد ذكرت أن روز كان موزعا بين التعليمات التي يتلقاها من قيادته في بريطانيا والأمم المتحدة في نيويورك وقوات الأطلسي في أوروبا، وكانت سياسات هؤلاء جميعا قائمة على مهادنة الصرب، وفي افتتاحية «نيويورك تايمز» في ٣١ يناير ١٩٩٥م، وجهت الصحيفة انتقادات واسعة إلى روز ودوره المتواطئ مع الصرب في البوسنة خلال العام الذي قضاه في البوسنة، وقالت الصحيفة: إن روز الذي اشتهر بعنفه في حرب الفوكلاند ومحاربته الإرهاب في لندن كان تصرفه مختلفا تماما في البوسنة، ورغم أن الحكومة الأمريكية وجهت انتقادات لاذعة لروز إلا أنها لا ترغب في تغيير السياسة التي كان ينهجها روز الذي كان دائما يوجه الانتقاد للمسلمين، كلما يقوم الصرب بالاعتداء عليهم، لكن روز الذي ترك خلفه ملفا أسود في البوسنة- بشهادة الصحف البريطانية- حينما وقف يوم ٢٥ مايو ١٩٩٤م، أمام الأدميرال ليتون سميث قائد قوات حلف الأطلسي في جنوب أوروبا، وفي حضور مسئولين من الحكومة البوسنية، وأعلن أن الحرب البوسنية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن المسلمين لم تعد أمامهم فرصة سوى إعلان الهزيمة والقبول بالأمر الواقع، إنما كان يعلن فشله المبكر وهزيمته وهزيمة القوى التي يمثلها في البوسنة، فقد خرج الجنرال روز مهزوما بالفعل في نهاية يناير الماضي، فيما يواصل مسلمو البوسنة معركتهم التي تهدف في النهاية إلى تحقيق النصر على المعتدين الصرب وذهب روز وبقي مسلمو البوسنة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل