; آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (٥) لقمان الحكيم.. وابنه | مجلة المجتمع

العنوان آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (٥) لقمان الحكيم.. وابنه

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013

مشاهدات 67

نشر في العدد 2043

نشر في الصفحة 50

السبت 09-مارس-2013

لقد رفعه الله تعالى وآتاه الحكمة، فمنحه الفهم والعلم والتعبير، لم يكن لونه الأسود ليقف حاجزًا له عن سلوك سبيل الحكماء والسير على دربهم، كما لم تكن شفتاه الغليظتان لتحول دون خروج الكلام الرقيق من بينهما.. قَالَ لِرَجُلِ يَنْظُر إِلَيْهِ: إِنْ كُنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.

كان ينطق بالحكمة ووصفه الله تعالى بها في القرآن الكريم، وأنزل سورة كاملة خلدت اسمه، وذكرت بعضًا من وصاياه التربوية العالية التي حق لها أن يتخذها الآباء والمربون والمؤدبون منهجًا ودستورًا في تربية أولادهم وتلاميذهم.

نسبه.. وموطنه: أما عن نسبه وموطنه فقد غطى اتصافه بالحكمة وشهرته بها على معرفة ذلك معرفة يقينية، فتعددت الأقوال فيه، فقيل: هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، أي أنه كان من أولاد آزر.

وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون أهل وكان نوبيًا من أيلة، وكان قصيرًا أفطس الأنف.

وقيل: كان لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وأنه عاش ألف سنة وأدركه داود عليه السلام وأخذ عنه العلم، وأنه كان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له: لماذا انقطعت عن الفتوى؟ فقال: ألا أكتفي إذ كفيت.

وقال الواقدي: كان قاضيًا في بني إسرائيل.

وقَالَ مُجَاهِد: كَانَ لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين.

وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعال الحكمة ومنعه النبوة.

لقمان.. والحكمة

وهبه الله الحكمة وجعلها تجري على لسانه وتغلب على عقله وقلبه وتؤثر في فكره وتظهر مع عمله

وهبه الله الحكمة ورزقه إياها وميزه بها، وجعلها تجري على لسانه وقوله، وتغلب على عقله وقلبه، وتؤثر في فكره، وتظهر مع عمله.. قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ﴾ (لقمان: ۱۲).. والحكمة نعمة كبيرة من نعم الله لا يعطيها جميع خلقه بل يمن بها على من يشاء من عباده، فالله تعالى يقول: ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (البقرة: 269).

والحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه، وهو كل فعل قبيح.

وقد كرر ذكر الحكمة في هذه الآية، ولم يضمرها اعتناء بها وتنبيها على شرفها وفضلها، ومما قيل في الحكمة: إنها الإصابة في القول والفعل، وقيل هي: الخشية، والورع، والعقل في الدين وطاعة الله.

وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له.

وقد ارتقى لقمان بما أوتي من هذه الحكمة، فعن جابر قال: إنَّ الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رَجُل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عَبْد بَنِي فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال بلى. قَالَ فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ قَدَرِ الله وَأَدَاءِ الأَمَانَة وصدق الحديث وتركي مَا لَا يَعنيني. وقال له رجل آخر: أَنْتَ لُقْمَانِ أَنْتَ عَبْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ؟ قَالَ : نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ رَاعِي الغنم؟ قَالَ: نَعَمْ. قال أنتَ الأسود؟ قال: أَمَّا سَوَادِي فظاهر فَمَا الَّذِي يُعْجِبكَ مِنْ أَمْرِي؟ قَالَ وَطء النَّاسِ بِسَاطِكَ وَغَشِيهِمْ بَابِكَ وَرِضَاهُمْ بقولك، قال: يا ابن أخي إِنْ صَغِيتِ إِلَى مَا أَقول لك كُنت كذلك، ثم قَالَ لَهُ: غَنِّي بَصَرِي، وكفي لسانِي، وَعِفَة طَعْمَتِي، وَحِفْظِي فَرْجِي، وقولي بصدقي، وَوَفَائِي بِعَهْدِي، وَتَكْرِمَتِي ضَيْفِي، وَحِفْظِي جَارِي، وَتَزَكِي مَا لَا يَعْنَينِي فَذَاكَ الَّذِي صَيَّرَنِي إِلَى مَا تَرَى.

وعن خالد الربعي قال: كان لُقْمَانِ عَبْدًا حَبَشِيًا نَجَارًا، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةِ، فَذَبَحَهَا: قَالَ: أَخْرِجْ أَطْيَبٍ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا، فَأَخْرَجَ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ قَالَ: اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةِ، فَذَبَحَهَا، قَالَ أَخْرِجْ أَخْبَث مُضْغَتَيْنِ فِيهَا، فَأَخْرَجَ اللَّسَانِ وَالقَلبِ، فَقَالَ لَهُ مَوْلاهُ أَمَرْتُكَ أن تخرج أطيب مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَخْرَجْتَهِمَا، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تُخْرِجِ أخبث مضغتين فيها، فَأَخْرَجْتهما! فقال لقَمَانَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ أَطِيبٍ مِنْهُمَا إِذَا طَابًا، وَلَا أَخْبَتْ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا .

لقمان.. وفقه الدعوة

جمع فيها «الوصايا» بين الحقوق وراعى جوانبها المختلفة ووضع سلم الأولويات لها.. فبدأ بأهم ما يحتاجه ابنه ليعيش مرتاح البال مطمئن القلب سعيدًا في الدارين وهو عدم الشرك بالله

قدم لكل الآباء والمربين الوصايا التربوية الذهبية والتي تصلح أن تكون قواعد وأسسًا ومنهجًا للتربية الصحيحة المتكاملة من خلال وصاياه لابنه

وقد قدم لقمان الحكيم لكل الآباء والمربين والمؤدبين الوصايا الذهبية في العملية التربوية، والتي تصلح أن تكون قواعد وأسسًا ومنهجًا للتربية الصحيحة المتكاملة من خلال وصاياه الحكيمة لابنه، فقد جمع فيها بين الحقوق وراعى جوانبها المختلفة، ووضع سلم الأولويات لها، فبدأ بأهم ما يحتاجه ابنه ليعيش إنسانًا سويًا مرتاح البال مطمئن القلب سعيدًا في الدارين قال له: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ (لقمان:13).. وهو هنا يحدد الهدف، ويوضح الغاية التي من أجلها خلق، فيرتقي بعقله بعيدًا عن التدني، وينأى به عن الوقوع في مستنقع الشرك وظلم النفس.. فها هو يربطه بربه عز وجل من خلال توحيده في الاعتقاد والعبادة والقول والعمل، وهذا هو العدل بعينه، فالشرك هو قمة ظلم الإنسان لنفسه، وقد خلقه الله تعالى مسلمًا موحدًا ...يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» «صححه ابن تيمية- مجموع الفتاوى».

لذا، فإن أول ما يجب على المربين عمله عند ارتقاء سلم التربية هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى، كما أنه أول حقوق الأطفال على آبائهم وأمهاتهم. ألم يقل رسول الله ﷺ: «افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله»«البيهقي-شعب الإيمان».

وقد تنوعت أشكال الشرك في زمننا هذا تنوعًا يحتاج في المقابل التنوع في طرق وأساليب الدعوة، وهذا دور الوالدين والمربين الحقيقي.

«إن الله لطيف خبير»

لم يترك لقمان ولده بعد أن أوصاه بتوحيد الله عز وجل دون أن يبين له سبب هذه الوصية، ويثبتها في قلبه ونفسه، لتكون ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، لا تزعزعها فتنة ولا تقلعها ريح شك أو ارتياب، ولا تغزوها شهوة أو شبهة أو هوى نفس، وها هو يدعوه للتفكر والتأمل في قدرة الله والتعرف على صفاته عز وجل من خلال الكون المحسوس والآيات المبثوثة فيه، وفي هذا احترام لعقل ولده الذي قد يتساءل ويطلب وسيلة إقناع، كما يحدث من بعض أولادنا في هذا الزمان حيث صبغت المادة حياتنا إلى حد كبير، وصار العلم المادي طاغيًا، لكنه قد يصلح كوسيلة من وسائل الدعوة وسبيلًا إلى توحيد الله ومعرفته إذا ما أحسن استخدامه، ويتساءل الابن: «يَا أَبَتِ إِنْ عَمِلْت الخَطِيئَة حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَد كَيْف يعلمها الله؟»، فيجيب الأب: «يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خردل، فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير».

ويشرع الأب الحكيم في الارتقاء بنفس ولده إلى نفس مطمئنة من خلال بيان قدرة الله وعلمه الشامل المحيط بكل صغيرة وكبيرة، حتى لا توسوس النفس له عصيانًا في خلوة، فالرقيب عز وجل يرانا أبدًا، ويرصد تحركاتنا دائمًا، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، سبحانه لا شريك له، ومن عظيم قدرته أنه يحيط علمًا بكل ما يرتكبه العبد من المعاصي، وما يعمل من الطاعات، وإن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حَبَّة يَأْت بها الله.

ويسأل الابن أَبَاهُ عَن الحَبَّة التي تقع في سفل البحر أيعلمها الله؟ فيراجعه لقمان بهذه الآية، يُعلمه فيها بِقَدْرِ قُدْرَةِ الله تعالى، لأَنَّ الخردلة يُقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلًا، إذ لا ترجح ميزانًا، فلو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جَاءَ الله بها حَتَّى يَسوقها إلى مَن هيَ رِزْقه.. وكأنه أيضًا يوصيه ألا تهتم للرزق، فتشتغل به عن أداء الفرائض، واتباع سبيل من أناب، وفيه حث على خلق التوكل على ربه والثقة بما عنده.

وبهذا المعنى يتحصل في موعظة لقمان لابنه ترجية وتخويف، وهذا من مناهج التربية الصحيحة التي يجب أن تتبع عند ممارستها.. فالإنسان في غمرة الحياة وإلحاح الحاجة قد يغفل عن هذه القيم والمفاهيم الإيمانية العالية، بل وينشغل بطلب الرزق عن أداء حق الله، فيفقد جزءًا كبيرًا من توكله عليه، وهو العليم الذي يخرج الرزق من خبايا الأرض بأمره، وما عليك أيها الإنسان إلا أن تسعى للبحث والتفتيش بالسبل المشروعة، وتأخذه أخذًا طيبًا لا يفقدك الاتصال بالمنعم الرزاق، ولا يجعلك تغفل عن ذكره وشكره طرفة عين .

﴿الٓمٓ(1) تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ(2) هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ (3) ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ(5) وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ(6) وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(7) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ(8) خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (9) خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ(10) هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ (لقمان: 11:1).


الرابط المختصر :