; رأي المجتمع: فرصة جديدة للسلم في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان رأي المجتمع: فرصة جديدة للسلم في الجزائر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 27-أبريل-1999

مع نهاية انتخابات الخامس عشر من أبريل الجاري دخلت الجزائر عهدًا جديدًا، فعلى الرغم مما صاحب الانتخابات من استقالات للمرشحين، وما أثير من اعتراضات جاءت الانتخابات بأول رئيس مدني للبلاد منذ استقلالها عام ١٩٦٢م، فقد حكم الجزائر طوال سبعة وثلاثين عامًا ستة رؤساء كلهم من المؤسسة العسكرية. 

ولعل مجيء عبد العزيز بوتفليقة يزحزح قليلًا من سطوة المؤسسة العسكرية على البلاد، ويفسح المجال لمزيد من المشاركة الشعبية وتحقيق الاستقرار الأمني والانطلاق نحو الاستقرار الاقتصادي. 

نعم لقد قيل الكثير عن دعم المؤسسة العسكرية لبوتفليقة وعن قيامها بدور في تهيئة الأجواء لفوزه، ولكن بما أن العملية الانتخابية قد انتهت فإنه يبقى على كل القوى خاصة التي لم تؤيده والتي ترى عدم شرعيته أن تمنحه فرصة لطرح برامجه في التعامل مع الملفات الخطيرة والمزمنة التي تعاني منها الجزائر.

وإلا فإن الجزائر لن تملك خيارًا آخر سوى العودة إلى نقطة البداية التي كانت عندها عام ۱۹۹۲م الأمر الذي يعني الدوران في حلقة مفرغة لا فكاك منها من العنف وعدم الاستقرار.

إن أمام الرئيس الجزائري الجديد تحديات خطيرة وصعبة ستضعه في محك لا يحسد عليه، ولا شك أن الحالة الأمنية المتردية التي تعيشها الجزائر تبرز في مقدمة هذه التحديات، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تمثل التحدي الأكبر، فمنذ انقلاب المؤسسة العسكرية على السلطة في البلاد عام 1991م وإلغائها نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بغالبيتها جبهة الإنقاذ دخلت البلاد في دائرة من العنف المسلح أسقطها في شبه حرب أهلية لم تتوقف حتى اليوم، وأسقطت أكثر من مائة ألف ضحية من الشعب وأكثر من 4 آلاف مفقود وعشرات الآلاف من المعتقلين الذين تم الزج بهم في السجون، وخلقت قبل ذلك وبعده جوًّا مرعبًا وشعبًا مضطربًا يبيت ولا يدري كيف يصبح ويصبح ولا يدري كيف يمسي.

ومع أنه تقلب على الجزائر منذ عام ١٩٩١م ثلاثة رؤساء هم محمد بوضياف، وعلي كافي، والأمين زروال، إلا أن أحدًا منهم لم يتمكن من إخراج البلاد من هذه الدائرة. لقد جاء انتخاب الرئيس الجديد من خارج المؤسسة العسكرية في وقت باتت كل الفاعليات والقوى السياسية الجزائرية بما فيها المؤسسة العسكرية تعتقد أن البلاد في حاجة إلى مرحلة جديدة يقودها فيها أي شخص من الذين ليس لهم علاقة بالمأساة الدموية.. وقد تولد ذلك الشعور لدى الجميع بعد أن أصاب الإنهاك كل الأطراف دون مقدرة على حسم الأمور. 

ونامل أن تكون تأكيدات الرئيس الجديد قبل الانتخابات وبعدها على إتاحة الحرية السياسية لشتى القوى الموجودة على الساحة دون استثناء، وتأكيده على عزمه إجراء مصالحة شاملة، وسعيه للاستفادة من كل الخبرات والكفاءات في إدارة حکمه دون تمييز، مما يسهم في إفساح الطريق نحو استعادة الجزائر لأمنها المفقود، ووضعها المشتت، كما نأمل أن تسهم تأكيدات بوتفليقة على تمسكه باتفاق وقف النار الذي توصلت إليه السلطات مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام ١٩٩٧م وترحيبه بأن يشمل ذلك الوقف أي أطراف أخرى تحمل السلاح لديها استعداد للمصالحة- أن تسهم في وقف المأساة الدموية، وأن تعززها دعوة جبهة الإنقاذ في بيان من الشيخ عباس مدني إلى مصالحة وطنية عادلة تحقن دماء الجزائريين وتطلق سراح المسجونين وتعيد المفقودين وترفع الظلم عن المظلومين ويبقى على الجميع التكاتف والتعاضد لتحقيق هذا الأمل، إذ إنه بدون أمن فلا استقرار وبدون استقرار فلا تنمية ولا حياة مستقرة في الاقتصاد أو التعليم. 

وإذا كان ما سبق يمثل أخطر التحديات على المستوى الداخلي، فإن محاولات التدخل الأجنبي في الشأن الجزائري تمثل أخطر التحديات على الصعيد الخارجي، إذ ليس بخافٍ التورط الفرنسي في الشأن الجزائري، والطريقة الفجة التي تتعامل بها فرنسا مع الجزائر وكأنها ما زالت تحت وصايتها، كما لا تخفى المحاولات الأمريكية المتواصلة للنفاذ إلى الجزائر بغية اقتناص موطئ قدم لبسط النفوذ، كما أن المحاولات الغربية الأخرى على الصعيد نفسه معروفة ومعلنة، وهي لا تعمل لصالح الجزائر ولا استقرارها أو استقلال قرارها أو تحقيق تنمية اقتصادها، فالنفوذ الأجنبي أينما حل وتحت أي شعار تكون معه التبعية وانعدام الاستقرار، وحسنًا فعل بوتفليقة عندما أعلن رفضه إعطاء فرنسا أي امتياز في الجزائر وتأكيده أن تطوير العلاقات سيكون وفق الطريقة التي ستتبعها الجزائر مع بقية الدول الأخرى.

وحسنًا فعل بوتفليقة عندما رفض عرضًا من حلف الأطلسي بإقامة علاقة خاصة وفق مشروع «الشراكة من أجل السلام» الذي تروج له الإدارة الأمريكية في المنطقة، وطرح من خلاله المسؤول الأمريكي الصهيوني مارتن إنديك على الجزائر استخدام قطع الأسطول السادس المتمركزة في البحر المتوسط لموانئها وإنشاء نظم مراقبة داخل الجزائر لرصد الحركات المعادية.

وقد أشار بوتفليقة إلى توسيع علاقات بلاده مع الدول العربية ودول منطقة الخليج وصدرت له إشارات ودية تجاه المغرب البلد المجاور للجزائر، كما ألمح لإمكان دراسة عودة العلاقات مع إيران.. وكل ذلك يعيد الجزائر بقوة إلى الدائرة العربية والإسلامية. 
وإن كنا نطالب القوى الجزائرية بلا استثناء بالنظر إلى هذه التحديات الداخلية والخارجية الجسيمة عند تقييم موقف التعامل مع الرئيس الجديد، فإننا ننبه إلى أن الربط بين بوتفليقة وعهد بومدين (١٩٦٢م - ۱۹۷۹)، ومحاولة الإشاعة بأن ذلك العهد كان عهدًا ذهبيًا للجزائر، وأنه ينتظر من بوتفليقة رفيق بومدين إعادة ذلك العهد، ذلك كله يعد مغالطة كبرى. فصحيح أن بوتفليقة كان وزير خارجية بومدين، لكن غير الصحيح أن ذلك العهد كان ذهبيًا، فقد كان يمثل العهد الاشتراكي الذي حكمت فيه البلاد بالحديد والنار ولم يسمح فيه إلا للصوت الواحد والرأي الواحد والرئيس الأوحد، وهو العهد الذي تمتد إليه جذور المأساة الجزائرية السياسية والاقتصادية، لذا فإننا ندعو الرئيس بوتفليقة إلى عهد جديد تصان فيه الحريات، وتحفظ فيه الدماء والحقوق وتعلو فيه شريعة الله، وذلك ما يحقق رغبة الشعب الجزائري، وأن ينسى توجهه السابق الذي عاشه مع الرئيس بومدين، وأن ينفك من قيد المؤسسة العسكرية التي تحاول السيطرة على الحكم حتى يثبت للجزائريين أنه ليس خاضعًا لتوجيهات العسكر التي ذاقت منها البلاد الأمرين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل