العنوان اليمين السياسي مرة أخرى
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1982
مشاهدات 65
نشر في العدد 576
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-يونيو-1982
مجددًا نثير هذه القضية الدقيقة الحساسة، قضية المنافقين في صدر الإسلام، والمرادف العصري لهم اليمين السياسي، ومجددًا نقول إنه مثلما تعارضت الغايات والولاءات بين القاعدة الاجتماعية الصلبة للمجتمع المسلم الأول في المدينة المنورة من جهة، وفئة المنافقين من جهة أخرى، نقول مثلما كان ذلك حتمًا مقضيًا في صدر الإسلام، ينبغي كذلك أن تتعارض اليوم الغايات والولاءات بين الخط السياسي للحركة الإسلامية من جهة، وبين الخط السياسي الذي يسترشد به اليمين السياسي والذي هو المرادف العصري لفئة المنافقين، نشدد على ذلك لسبب جوهري وهو أن غاية الحركة الإسلامية اليوم هي تحقيق التغيير الجذري في الأبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعوب الإسلامية بما يتوافق مع مقررات الشرع الإسلامي في العدل المطلق بين الناس في الدماء، والفروج، والأموال، وذلك من شأنه أن يهيئ المناخ الملائم لتأسيس دولة الإسلام الغائبة في هذا العصر، بينما نجد أن غاية اليمين السياسي النهائية هي المحافظة على الوضع الراهن، وتكريس ثوابته، وتثبيت متغيراته، ودحض وقهر وقمع وزجر وعزل كافة القوى الجذرية -بما فيها الإسلامية وربما نقول بالأخص الإسلامية- التي من شأن استمرارها هز ثقة عموم الناس بالواقع السياسي الذي تعيشه أقطار اليمين السياسي. إذن هناك خلاف جوهري في الغاية بين الحركة الإسلامية واليمين السياسي، فغاية وهدف الحركة الإسلامية تحقيق التغيير الجذري في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل الشعوب الإسلامية من أجل استئناف حياة إسلامية كاملة على مستوى الدولة، والجيش، والسوق، والتعليم وغيره، وأما غاية وهدف اليمين السياسي فهي المحافظة على الوضع الراهن بكل أبنيته الاجتماعية المتهالكة، وتبعيته الاقتصادية والسياسية للعالم الغربي سليل الصليبية الحاقدة.
إذا اتفقنا على ذلك؛ أي على اختلاف الغايات والأهداف لكل من الحركة الإسلامية واليمين السياسي وتعارضهما وتضاربهما- فيترتب عليه إذن ضرورة اختلاف الخط السياسي: منهجًا ومواقف. نعم، قد تتجمع -في مرحلة معينة- شبكة ظروف محددة تفرض على الحركة الإسلامية أن تنسجم في موقفها مع اليمين أو اليسار، لكن ينبغي أن يكون واضحًا أن ذلك الانسجام -والذي في ضوء المعطيات الحالية يستفيد منه اليمين السياسي أيما استفادة- مربوط ومرهون بسريان مفعول تلك الشبكة المعقدة من الظروف المحددة المذكورة، كذلك ينبغي أن يكون واضحًا التناقض الاستراتيجي والتميز العضوي للخط السياسي الإسلامي إذا ما قورن بخط اليمين السياسي ومراميه وتهالكه في شبكات التبعية الدولية.
إذا وضعنا أنفسنا بمحاذاة اليمين السياسي وفي موقعه فقط لنستشف رؤاه إزاء هذه القضية- وجدنا أنه يهاب الحركة الإسلامية أكثر من تخوفاته من الاتجاهات اليسارية، وذلك ليس راجعًا لقوة أو حنكة أو متانة الحركة الإسلامية، بقدر ما يرجع إلى عامل جوهري واحد: وهو أن اليمين السياسي يدرك تمام الإدراك أنه لا يستطيع مهما فعل أن يقطع جذور الحركة الإسلامية في وسط الجمهور الإسلامي الذي يشكل القاعدة البشرية لأنظمة اليمين السياسي، لقد نجح اليمين السياسي خلال عقد من الزمان بعزل الاتجاهات اليسارية عن الفعالية الجماهيرية من خلال المناشدة الصاخبة للحس الديني لدى الجماهير، وما يحمل ذلك من نتائج سلبية بالنسبة لليسار في عمومه، غير أن اليمين السياسي لا يستطيع أن يعزل الحركة الإسلامية عن جماهيرها بنفس الأسلوب لأسباب واضحة، ولو فعل ذلك لما حصد إلا المر والعلقم، ولأن اليمين السياسي لا يستطيع أن يعزل الحركة الإسلامية عن جماهيرها، ولأنه يدرك تشوق الجماهير الإسلامية لاستئناف حياة إسلامية كاملة؛ بات يعتني كثيرًا -مثل فئة المنافقين التي يتحدر تاريخيًا منها- بضرب التماسك النفسي، والجهوي، والفكري، والفقهي للحركة الإسلامية من خلال تكريس أجواء الاختلاف والشك في أوساط العاملين للإسلام. فاليمين السياسي يبث عملاءه في كل مكان لهذه الغاية، حتى أنك لتجدهم غير مستعدين لأي اتفاق على أي قضية مهما كانت فرعية؛ وذلك للإبقاء على روح الخلاف في أوساط العاملين للإسلام، ثم إنه يهتم بأي قضية خلافية ليجذرها، ويسعى لتضخيمها، ويستفتي بها، ويحرص على ذلك، مع أنه في نفس الوقت يقمع أي فتوى -مهما كانت مؤصلة- لا تتفق مع وضعياته السياسية، المشكلة الخطيرة أن ضمن حظيرة الإيمان تسترخي النفوس لأجواء أحيانًا تفتقر إلى اليقظة والفطانة؛ لذلك يستغل اليمين السياسي هذه الناحية السلبية، فيبدأ يبث إرساله على قنوات عديدة، وتتكرر نفس المشكلة التاريخية التي من أجلها نزلت الآية القرآنية: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (سورة التوبة: ٤٧) يقول القرطبي مفسرًا ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؛ أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم، أما قتاده فيقول: وفيكم من يقبل منهم قولهم ويعطيهم. (القرطبي- ج5- ص ٢٩٩٦).
وكل ذلك حصل ويحصل، ونسأل الله منهم العافية، ونتمنى على إخواننا في الله اليقظة.
كجزء من الإرشاد السياسي الذي يجب أن يتلقاه المسلم المعاصر ينبغي دراسة المحتوى السياسي لسورة التوبة، التي عالجت موضوع فئة من أخطر الفئات السياسية في المجتمع المكي والمدني والعصري الحالي، إن تجربة الإسلام -في صدر تاريخه وعقب ذلك- مع فئة المنافقين الذين دخلوا في هذا الدين وهم له ولأهله كارهون وما ترتب على ذلك من نتائج سياسية خطيرة: حديث الإفك، مسجد الضرار، حروب الردة، وكل محاولات الانقلاب على مقررات هذا الدين في تشريعه السياسي والاقتصادي خاصة، أقول كل ذلك جدير بالدراسة، وعلى ضوء تلك التجربة دعونا نحدد موقف الحركة الإسلامية من اليمين السياسي العصري الذي لا يختلف -في الجوهر- عن عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق وكهفه في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.