العنوان أحداث البوسنة تتجه نحو الغموض.. والضغوط الدولية تزداد على المسلمين
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مشاهدات 77
نشر في العدد 1169
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مدفعية حلف الأطلسي استخدمت للدعاية ولم تغير شيئًا من الواقع.
المسلمون ضحايا الجرائم الصربية والتواطؤ الدولي.
طوال سنوات الحرب البوسنية ظلت الرؤية واضحة لمتابعيها: عدوان صربي، وأحيانًا كرواتي على مسلميها، وموقف دولي متخاذل يسهم بصورة مباشرة في ترسيخ نتائج العدوان، ومواقف إسلامية تنوعت بين ما هو رسمي عبر البيانات والتصريحات والمساحات الأوروبية، وبين ما هو شعبي تم تنفيسه عبر الهيئات الإغاثية.
غير أن الأحداث في الأيام الأخيرة تتابعت بسرعة شديدة، وتداخلت الأوراق بشكل لم تشهده القضية البوسنية من قبل، ومهما حاول المحللون من تفسير واستقراء الأحداث وتشكيل توقعاتهم، فإنهم سيبقون بعيدًا بصورة أو بأخرى عن الحقيقة لاعتبارات عديدة منها أن الكثير من أوراق اللعبة يتم تداوله الآن تحت الطاولة.
وفي كل الأحوال فإن ذلك لا يمنع من محاولة إعادة قراءة ملف الأحداث الأخيرة.
ماذا فعلت طائرات الأطلسي؟
ربما بدأ التتابع السريع للأحداث مع بدأ الجيش البوسني في الشهر السادس من هذا العام محاولة فك الحصار عن العاصمة بعد أن حشد حولها أعدادًا ضخمة من المقاتلين البوسنيين قُدرت بحوالي ثلاثين ألف مقاتل، ثم اقتحام الصرب للمنطقتين الأمنتين جيبا وسريبرينيتسا، ومن ثم تجميد العمليات العسكرية حول سراييفو، لتبدأ كرواتيا لاحقًا في عملية واسعة وسريعة تنجح بعدها في تحرير الغالبية العظمى من أراضيها يعقبه تصاعد العدوان الصربي على المدن البوسنية إلى أن يشهد نهاية الشهر الثامن تلك المذبحة المروعة، عندما سقطت قذيفة صربية على منطقة مزدحمة في العاصمة لتودي بحياة ثمانية وثلاثين مواطنًا، وليتحول الموقف الدولي جزئيًا، وتباشر طائرات حلف الأطلسي قصف مواقع المليشيات العربية بطريقة ربما يكون أدق وصف لها أنها الأعنف منذ أن مارس الحلف ضغوطًا عملية على الصرب.
ويقال في تفسير هذا التحول المفاجئ أنه نتيجة ضغوط الرئيس الأمريكي الذي يحاول أن يجهض تصويت الكونجرس للمرة الأخيرة لصالح فك حظر التسلح عن البوسنيين، وحيث لا يملك الرئيس الأمريكي الآن حق نقضه، وكذلك هذا التحول الإيجابي الذي تشهده فرنسا تجاه القضية البوسنية منذ تولي شيراك زمام الأمور. وعلى الرغم من أن القصف كان «الأعنف» حسب وصف التقارير العسكرية الصادرة من الحلف، إلا أن ذات التقارير ذكرت أن عدد الطلعات الجوية زاد عن ثلاثة آلاف طلعة جوية لطائرات أقوى تجمع عسكري في العالم، غير أن هذه الغارات الوحشية على حد وصف الصرب لها لم توقع إصابة واحدة في صفوف الجنود الصرب، ولم يتم تدمير مدفع واحد من مجموع ستمائة مدفع تحاصر العاصمة، وما يمكن فهمه أن طائرات الأطلسي قصفت بالفعل أهدافًا لكنها صرفت جهودها إلى بعض الطرق ووسائل الاتصالات الصربية تجنبًا لإحداث تدمير شامل في البنية العسكرية الصربية، مما يقلب ميزان القوى العسكرية في المنطقة.
وعلى الرغم من الإصرار الشديد الذي أبدته القيادات الدولية المطالبة بسحب كافة الأسلحة الثقيلة من حول سراييفو، إلا أن الأمور بدأت لاحقًا في التراخي، وأعلن عن التوصل إلى اتفاق غريب يسمح للصرب بالإبقاء على الأسلحة الثقيلة حول سراييفو من عيار يقل عن مائة ملليمتر.
وعلّق رئيس الوزراء البوسني على ذلك غاضبًا بأن كل المذابح الجماعية التي وقعت في سراييفو كانت نتيجة سقوط قذائف صربية ذات العيار نفسه ، أي أقل من مائة ملليمتر، والتي منح الصرب حق إبقائها حول العاصمة، وقال حارس إن حوالي عشرة آلاف مواطن في سراييفو قد قتلوا بسبب هذه الأسلحة، وأعلن لاحقًا أن الصرب سحبوا غالبية الأسلحة الثقيلة المتفق عليها، وزاد السيد أكاشي أن الصرب إما سحبوها أو دمروها، على الرغم من أن الصرب أنفسهم لم يتحدثوا نهائيًا عن تدمير معداتهم، وفيما يخص ما لم يتم سحبه من الأسلحة الثقيلة ذات العيار المتفق عليه، فإن الناطق باسم القوات الدولية فسر ذلك في بيان رسمي بأنه نتيجة نقص حاد في الوقود لدى الصرب لا يسمح لهم بتحريك أسلحتهم، وبدأ العالم يهدأ بعد أن تعرّض الصرب لضربة موجعة!!
انهيار مفاجئ للقوات الصربية:
إثر ذلك بدأ الجيش البوسني سلسلة من عملياته العسكرية شاركت فيها أربع فيالق من مجموع خمسة، وفي غضون أيام قليلة كان الجيش البوسني يحرر ما يزيد عن أربعة آلاف كيلو متر مربع من الأرض المحتلة أي ما يوازي تقريبًا عشرة بالمائة من مساحة البوسنة والهرسك، واقتحم الجيش البوسني سريعًا العديد من المدن والمناطق والمواقع الاستراتيجية المهمة.
وشاركت مليشيات كروات البوسنة في ذلك، وتدخل الجيش النظامي لكرواتيا المجاورة في العمليات العسكرية الجارية على قَدَم وساق، وكان من الطبيعي البحث في أسباب هذا التحول العسكري المفاجئ لصالح المسلمين.
وحسب تقارير المراقبين العسكريين المحليين؛ فإن الضربات الجوية للحلف والتي انصرفت كما ذكرنا إلى طرق الإمدادات ووسائل الاتصالات أدت إلى حالة من الارتباك الشديد، أصابت القيادات الصربية، خصوصًا وأنها تزامنت مع خلاف متفاقم بين القيادات السياسية والعسكرية للصرب، ثم بين صفوف العسكريين الصرب أنفسهم، وأحسنت القوات البوسنية استغلال هذه الحالة بخططها الجاهزة، والتي كانت على وشك أن تباشر بتنفيذها، حتى قبل أن تدخل تهديدات الناتو الصرب حيز التنفيذ.
وحسب مشاهداتي في المدن والمناطق المحررة؛ فإن حالتها تشبه حالات المدن التي حررت في كرواتيا، حيث لا تبدو آثار مقاومة عنيفة للصرب، مما أفسح المجال أمام بعض المحللين الذين أشاروا إلى احتمال وجود اتفاق سري بين المسلمين والصرب، يقضي بأن ينسحب الصرب من بعض الأراضي لتبقى في حوزتهم 49% التي حددتها خطة السلام الدولية، وتقول هذه التحليلات المتشائمة إن القيادة الصربية تمنت أن تخسر هذه الأراضي في حرب اصطناعية حتى لا تفقد مواقعها أمام التيار المتشدد في صفوف الصرب، وهو ما لقي تجاوبًا لدى الطرف البوسني - حسب مزاعم هذه التحليلات- لرفع الروح المعنوية بعد سلسلة من الانتكاسات امتدت طوال ثلاث سنوات من الحرب.
والحقيقة التي لا يجب إغفالها أن قدرات الجيش البوسني تحولت إيجابيًا بشكل كبير، وسبق وأن أوردت «المجتمع» في تحليل سابق عندما سقطت سريبرينيتسا وجيبا، أن ما حدث هو مأساة إنسانية وليس نكسة عسكرية، وأنه أصبح للبوسنة جيش قوي يجب أن يحسب حسابه.
وفي كل الأحوال فإن الأيام القليلة القادمة ستلقي بعض الضوء في هذا المجال، خصوصًا وأن الجيش البوسني والمليشيات الكرواتية يسيطرون على 51% من الأرض حسب البيان الرسمي للجيش البوسني، أي النسبة التي حددتها خطة السلام الدولية، وسيتبين موقف الجيش البوسني إذا ما واصل تحرير أراضيه، حتى وإن زادت عن النسبة المحددة بعد أن وعد رئيس الوزراء البوسني بذلك.
الكروات: نصف حليف ونصف عدو:
وحسب الناطق الرسمي باسم الجيش البوسني، فإن الكروات يسيطرون الآن على 21% من الأرض مقابل 30% تحت سيطرة البوسنيين، وتحدثت معلومات خاصة عن تفاقم الخلافات بين المسلمين والكروات، وتسعى القيادات البوسنية إلى حسم المسألة وحصر الخلاف.
وكان واضحًا أن هذه القيادات تبدي قلقها من مدى الدور الذي يقوم به الجيش النظامي لكرواتيا في البوسنة، وكان واضحًا أيضًا تسابق الطرفين للحصول على مواقع أكثر أهمية واستراتيجية لكليهما، بدلًا من تنسيق المواقف بينهما، وكان الجيش البوسني -على سبيل المثال- يسعى إلى ربط منطقة وسط البوسنة بمنطقة بيهاتش شمال غرب البلاد، حتى تظل مرتبطة جغرافيًا بالأراضي الجغرافية الخاضعة للحكومة البوسنية، وحتى لا يتعرض الفيلق الخامس هناك للعزلة والحصار مرة أخرى «إذا ما نشب خلاف عسكري بين المسلمين والكروات مرة أخرى»، وكان الكروات من جهتهم حريصين على ألا يمنحوا المسلمين الفرصة، أو تسابق الطرفان، المسلمون يهاجمون دوني واقف سعيًا إلى بايتسا ومنها يفتح الطريق إلى بيهاتش، غير أن الكروات سارعوا إلى مهاجمة بايتسا، والطريف أن المليشيات الصربية وجدت نفسها في موقف صعب أمام الطرفين، فأثرت أن تمنح الكروات الفرصة، وانسحبت من بايستا لتركز جهدها في دوني واقف، والتي نجح الجيش البوسني في تحريرها، ولكن بعد أن انتقلت السيطرة في بايتسا من أيدي الصرب إلى أيدي الكروات.
وتشمل الخلافات أيضًا إعادة اللاجئين إلى ديارهم المحررة، حيث يمنع الكروات المسلمين من سكان مدينة بايتسا والتي يمثلون أغلبيتها من العودة إليها، وامتدت الخلافات أيضًا إلى المطار العسكري لمدينة بيهاتش، والذي يقع في المنطقة الحدودية بين الدولتين البوسنية والكرواتية، والتي كان يجمعها الاتحاد اليوغسلافي.
ولا يتوقع حدوث خلاف كرواتي مسلم كبير يصل إلى حد المواجهة العسكرية هذه الأيام، لكن هذه المواجهة - للأسف- ستقع يومًا ما طالما بقي حلم كرواتيا الكبرى يراود قياداتها.
وهو ما أشارت إليه جريدة «جلويوس» الصادرة في زغرب 15/9/1995م عندما نشرت خارطة تقسيم البوسنة بين كرواتيا وصربيا، وقالت إنها حصلت عليها من مكتب الرئيس الكرواتي.
ماذا تحمل الأيام القادمة؟
ومهما كانت نتائج العمليات العسكرية والسياسية الجارية؛ فإنه من غير المتوقع حسم القضية البوسنية، فالخلاف بين الأطراف الثلاثة مازال واسعًا، وقضايا جانبية -أو بمعنى آخر رئيسية- مازالت عالقة، كقضية مسلمي السنجق، والألبان المسلمون في مقدونيا، وكوسوفو، مما يشير إلى أن البلقان مازال يتهيأ لأحداث جِسام.