العنوان مؤتمر تنمية الموارد البشرية.. ماذا أراد وماذا أنجز؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1976
مشاهدات 66
نشر في العدد 281
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 06-يناير-1976
أنهى مؤتمر «تنمية الموارد البشرية في الوطن العربي» جلساته في آخر الأسبوع الماضي. وقد استمر المؤتمر أربعة أيام ناقش خلالها جملة من القضايا والموضوعات.
وقضية التنمية البشرية كبيرة حقًا وتتطلب انتباهًا مستمرًا وجهدًا دائبًا واستغراقًا في التفتيش عن أنسب مقومات التنمية.
فإن بناء الإنسان يعني بناء الأمة. بيد أن الأمنية لا تكفي- وحدها- للوصول إلى الهدف المطلوب.
أكثر من ذلك إن «الجهد العاجز» لا يستطيع تحقيق عملية ضخمة. ومتشبعة. ومثقلة بميراث عصور الانحطاط وفوضى الحاضر وارتجاله وصعوبات تحديد رؤية موضوعية سليمة للمستقبل.
الجهد العاجز- مع أنه جهد لا يستطيع تحقيق عملية كهذه. لذلك نستطيع أن نقول- باطمئنان عادل- أن قضية تنمية الموارد البشرية أكبر من حجم المؤتمر وأكبر من طموحه وأمانيه. صحيح أن المحاولة قد زادت حدة الانتباه إلى المشكلة أو المهمة.
لكن الفرق واضح بين التنبيه والإنجاز الحقيقي. وإلى جانب مسألة التنبيه يمكن رصد بعض الاتجاهات المفيدة.
•مثل: المساواة التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان العربي داخل قطره وفي الأقطار العربية الأخرى.
•ومثل: دعوة حكومة الكويت لإصدار قرار بقبول جميع أبناء وبنات الوافدين العرب في مدارسها في مختلف المراحل.
•ومثل التوسع في إنشاء معاهد التكنولوجيا في العالم العربي ومعاملة خريجيها على قدم المساواة مع خريجي الكليات الجامعية الأخرى.
على أن هذه الاتجاهات يمكن أن تصدر عن أي مؤتمر آخر مليء بالأماني العذاب. والآمال الحلوة دون أن تكون هناك حاجة لعقد مؤتمر متخصص في قضية محددة أو المفترض أن يكون مؤتمرًا متخصصًا.
ومن هنا جاء التساؤل
ماذا أراد مؤتمر التنمية البشرية وماذا أنجز؟
لعله أراد أن يخرج بخطة متكاملة لتنمية الموارد البشرية فحال دون ذلك مجموعة من العوامل والأسباب الجوهرية أبرزها:
•فقدان الرؤية الشاملة أو التصور الواضح المحدد لمقومات بناء الإنسان.
إن تنمية البشر أو الارتقاء بمستواهم العقلي والعلمي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي إلخ يحتاج إلى رؤية متكاملة. ولا يصلح له خليط متنافر من الآراء والثقافات أو قصاصات من أوراق خبراء نموًا شعوبهم في شروط وظروف تختلف عن شروط وظروف أمتنا.
لم يكن المؤتمر يملك معيار التغيير ولا مقياس الانقلاب في الأعماق وبفقدان هذا المعيار يعجز المؤتمر- نظريًا وعمليًا- عن إيجاد إطار عام لتنمية الموارد البشرية.
وينبغي أن ينعقد الإجماع على أن بناء الإنسان لا يتم إلا بالتغيير الحقيقي والعميق.
ولا تغيير إلا بمعيار دقيق يرفض ويقبل يعدل ويحور يمحو ويثبت وفق النظرة الشاملة والتصور السليم.
ولنأخذ نموذجين من آثار المؤتمر يثبتان فقدانه للرؤية الصحيحة المتكاملة.
•عن مهمة التربية قال المؤتمر:
«يؤكد المؤتمر على أن مهمة التربية هي النظر إلى الإنسان ككائن تكمن فيه طاقات هائلة ووظيفتها تحرير هذه الطاقات»
كلام عائم غائم ليس فيه المحتوى المحدد ولا التصور العلمي.
ما مهمة التربية؟
النظر إلى الإنسان
وما هو الإنسان؟
كائن فيه طاقات هائلة!
وما وظيفة التربية؟
تحرير هذه الطاقات!
تعمیم وألغاز وأغراب
أما كيف تكون النظرة إلى الإنسان وما هي القواعد التربوية المجمع أو المتفق عليها والتي تصلح مقياسًا للنظر إلى الإنسان.
أما كيف تحرر هذه الطاقات
- بالمعيار الشيوعي
- أو بالمعيار الرأسمالي
- أو بالمعيار العسكري الدكتاتوري
- أو بالمعيار الفوضى المطلق.
كل ذلك لا جواب عليه ولا تحديد له.
ومن المهم جدًا تحديد المعيار في هذه القضية لأنها قضية لا تخضع لأسلوب المعامل والمختبرات.
قضية تدخل في صميم «العلوم الإنسانية» وفي هذا المجال تختلف المدارس والاتجاهات اختلافًا يصل مرتبة التناقض الكامل.
•ونموذج آخر مشابه:
«يؤكد المؤتمر على أن أسس النظام التربوي يجب أن تنبع من احتياجات الوطن العربي من أجل بناء الإنسان المعاصر.»
نفس التعويم والألغاز والأغراب الإنسان العربي التقدمي المعاصر.
إن هذا الشعار حوله من الخلاف الجوهري- لا الشكلي- ما لا يستطيع أحد أن يتجاهله.
البعثيون يفسرونه تفسيرًا خاصًا
والشيوعيون يفسرونه تفسيرًا خاصًا
والمتأمركون يفسرونه تفسيرًا خاصًا
أم أن هناك اتفاقًا خفيًا بين هؤلاء- داخل المؤتمر- قد تم دون أن ندري. خاصة وأن عناصر من هذه الاتجاهات الثلاثة قد مثلت في المؤتمر؟
المهم. أن هذا الموقف العائم الغائم نتيجة تلقائية لفقدان الرؤية الصحيحة الشاملة.
•وفقدان الرؤية نتيجة لاستبعاد الإسلام وتصوراته وقيمه.
ومن الملاحظ أن الخطة التي طبقت في المجال العسكري والجهادي «استبعاد الإسلام من الصراع مع الكيان الصهيوني» يريدون أن تطبق في مجال التنمية.
وبذلك ينحي الإسلام عن جبهة المواجهة الخارجية ويقصى من عملية البناء الذاتي.
إن تنمية الإنسان في أي أمة لا تنفصل عن معتقدات الأمة وقيمها وتصورها العام للحياة وأهداف الكدح والسعي فيها.
فالإنسان ليس كقطعة الأرض التي تنمى بالسماد والبذور والماء.
الإنسان ينمى بالعقيدة والباعث وشحنات الكفاح المرتبطة بتحقيق هدف أسمى.
والتصور الإسلامي له مميزات خاصة في تنمية الموارد البشرية فهذا التصور فرض استعمال العقل واستثمار طاقاته على جميع المسلمين واعتبر المتحجرين والجامدين عصاة شاذين عن موكب العمل والخير.
هذا التصور جعل العلم عبادة. والعمل قربى إلى الله والإبداع إحسانًا يرفع درجات المؤمنين.
وجعل المسئولية الفردية دينًا والإحساس بالوقت شعيرة من شعائر الإسلام.
هذه حوافز ذات دفع عال في تنمية الإنسان تضاف إليها الحوافز العادية في المسكن والملبس والصحة. وتلبية كافة الغرائز الأخرى بطريقة مشروعة.
ونحن نعجب لمؤتمر يعقد في هذا البلد ويملك هذا التصور لتنمية الموارد البشرية. ولكنه يعرض عنه.
•ومن العوامل التي جعلت المؤتمر عاجزًا عن تحقيق شيء ذي بال: الموقف المتناقض للمثقفين العرب.
إنهم يرفعون شعار الحرية. وهو شعار يرتاح له كل حر إلا أن موقف المثقفين من قضية الحرية لا يشرفهم أبدًا.
يقولون: إنهم تركوا بلادهم لأن الحرية قد كبتت فيها وهذه مسألة وصفية لا أكثر.
بمعنى أن الحرية معدومة فعلًا. لكن هل يقبل من المثقف أن يكون كل كفاحه- في أمر الحرية- وضعيًا تسجيليًا
إننا نسجل على المثقفين العرب المهاجرون والمقيمون أنهم:
•سكتوا على المظالم التي أنزلها الطغاة بالفكر والأمة.
•وسايروا السلطة الغاشمة مسايرة لا يمكن أن تفسر باتقاء المتاعب.
•وانتقلوا إلى مرحلة تالية من الملق والزلفي حيث فلسفوا انحراف السلطة وعداوتها للحرية.
إن الحرية لا تتجزأ وهؤلاء الذين تركوا أمتهم تواجه الطغيان بمفردها يدق عون اليوم ضريبة التخاذل.
* بقيت ملاحظتان:
•الأولى: أن الطابع الأمريكي واضح على المؤتمر وموقف غير مفسر وغير مفهوم من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن يؤثر خريجي الجامعات الأمريكية بالتصدي لموضوع حيوي وكبير كهذا؟
أین خريجو الجامعات الأخرى في العالم العربي وفي العالم كله.
إن رؤساء الجامعات في العالم العربي- مثلًا- يشكون من الإهمال الذي لا قوه في المؤتمر فقد احتكر البحوث والحديث أناس طابعهم أمريكي.
•الملاحظة الثانية: أن المؤتمر وصى بإنشاء مركز للدراسات العليا القومية ورشح الكويت لذلك.
والذين يتابعون تطور الأمور يعلمون أن هذا التفاف حول هدف نودي به من قبل وهو: إنشاء جامعة أمريكية في الكويت على غرار الجامعة الأمريكية في بيروت تصبغ الخليج بالصبغة الأمريكية فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا.
ونود أن نعلم الذين يجددون هذه المحاولات أن الجامعة الأمريكية في بيروت أصبحت وكرًا للتجسس والتخريب والتآمر.
فهل يريدون تحويل الكويت إلى «لبنان أخرى» بكل تناقضاتها وولاءاتها المشبوهة. ومصائبها؟