; العالمية والعولمة وما بينهما؟؟ المستقبل للإسلام.. فمن يبدأ الخطوة الأولى؟ | مجلة المجتمع

العنوان العالمية والعولمة وما بينهما؟؟ المستقبل للإسلام.. فمن يبدأ الخطوة الأولى؟

الكاتب ناوات محمد أمين

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1565

نشر في الصفحة 40

السبت 23-أغسطس-2003

العالمية معلم بارز من معالم الدولة الإسلامية، فهي تأبى العنصرية الذميمة والإقليمية الضيقة التي تحد من عالميتها، وتناقض أهدافها «لأنها لا تقوم على أساس حدود أرضية، وفواصل جغرافية، وهي دولة الفكر والعقيدة، تذوب فيها فوارق الأجناس والأوطان، والألسنة والألوان، ويوحد بين أبنائها الإيمان وتجمع بينهم قبلة واحدة، وشريعة واحدة، وآداب واحدة». 

عالمية الإسلام تمثل الأفق الإسلامي، لأن الإسلام دعوة للعالمين منذ المرحلة المكية، أي قبل التمكين، وبناء الدولة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أُمر بالصدع بالأمر وبمعالم دعوته قال: «الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو».. وهكذا اتضح الخط الأول

أما الخط الثاني فهو: «إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة»، ولذا فعالمية الإسلام «تستند إلى حقيقة بيولوجية أساسية يقررها القرآن الكريم ألا وهي أن كل الشعوب والقبائل ينتمون إلى أب واحد، وأم واحدة، فيقول سبحانه وتعالى﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ  (الحجرات: 13)، ويقول﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآء (النساء: 1)، فبين شعوب الأرض كلها صلات رحم، لأنهم ينتسبون إلى ﴿نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ إلى آدم عليه السلام وزوجه التي خلقها الله تعالى «منه» أي من آدم».

ويبين الأستاذ سيد قطب يرحمه الله ميزة عالمية الإسلام بقوله لقد جاء الإسلام ينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية، لتلتقي في عقيدة واحدة، ونظام اجتماعي واحد» «الظلال».

إذن فعالمية الإسلام تستوجب على الدول الإسلامية المعاصرة إيجاد صيغة عصرية واقعية تجمع الشمل وتوحد الصف والكلمة وتجعل منهم قوة يحسب لها حساب، وترجع إلى الساحة السياسية وتدافع عن الحقوق المهضومة للمسلمين، وتنصر المستضعفين أو تبدأ بصياغة «مؤتمر الدول الإسلامية» صياغة عملية تنظيمية بحيث يجعل من الدول الإسلامية كتلة قوية واحدة، لا ترضى بالتبعية المذلة، ويجاهد في سبيل استقلال سياسته وقراراته ومواقفه.

ووحدة أمة العقيدة لا يحصرها مكان ولا زمان، ووحدة أخوة العقيدة لا يحدها جنس، فالتوحيد والتوحد واجبان على هذه الأمة، وتشتد دواعي الوحدة الإسلامية يومًا بعد يوم، ففي حين يشتد التمزق والتفتت في العالم الإسلامي، نجد الدول الأخرى تجتمع وتتوحد في كتلة واحدة «سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا» باسم العولمة التي هي أحد أشكال الهيمنة الغربية الجديدة

وفكرة التمركز حول الغرب أو حول «أمريكا»، وفرض المركز لبرامجه وشرائعه على الأطراف الأخرى قسرًا فكرة استعمارية نهبية في ثوب جديد، والغرب أراد أن «يعيد الكرة في مرحلة ما بعد التحرر الوطني فأفرز أشكالًا جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزرعها خارج حدوده مثل «العولمة، العالم ذو القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، الإدارة العليا، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة، الكونية»، وكلها مفاهيم غير بريئة تكشف عن سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث».

اختلاف جذري: يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: «إن النظام الأمريكي يجب أن يكون سائدًا، إن أي شيء أقل من هذا لا يعتبر مقبولًا ولا يمكن التسامح مع أي تحدٍ خاصة من قوى الشر العالمية مثل القوميين، والشعوبيين، ودعاة الأصولية الإسلامية».

أما الروائي الأمريكي هيرمان مليفيل «1819 – 1891»، فقال في السابق: «نحن رواد العالم وطلائعه، اختارنا الرب، والإنسانية تنتظر من جنسنا الكثير، بات لزامًا على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة». 

أما الرئيس الأسبق توماس جيفرسون فكان يقول: «الأمريكيون شعب الله المختار لهم الحكم والهيمنة اختيارًا أو قوة أو قهرًا».

ويدعي بعض منظري السياسة الأمريكية زورًا وبهتانًاأن أمريكا تفعل ما تفعله بحق الشعوب الأخرى «بتحالف مع الله» تعالى الله عما يفترون

يقول جوهان جالتونج من السياسي الأمريكي ومؤلف كتاب «السياسة الخارجية للولايات المتحدة.. والمظهر اللاهوتي»: «إن الولايات المتحدة متحالفة مع الله.. والبلدان الأخرى متحالفة مع الولايات المتحدة، وهكذا يتصف هذا التحالف بعلاقات خضوع المحيط للمركز، خضوع الدول لأمريكا، وخضوع أمريكا لله»!!!

وننقل بعضًا آخر من كلامه في هذا الصدد كي يتجلى مقصدهم من السياسة المعولة الموجهة للأمة المسلمة بأنواع شتى التي تطلب أن نرضخ لها، فيقول كما ينقل عنه الأستاذ إسحق أحمد فضل الله: «البلاد أمريكا لأنها الأكثر قربًا من الله فإنها بالتالي ممثل الله في الأرض.. ومعها من صفات الله ثلاثة أشياء «العلم بكل شيء، والقدرة الكلية، والإحسان»، وذلك يعني واقعيًاالمراقبة الإلكترونية للعالم كله، ولكل الذين نشك بأنهم سوف يصبحون أشرارًا، ويعود للولايات المتحدة وحدها تقرير من الذي يدخل من طبقة الأشرار هذه، ولا حاجة لأن تكون هناك محكمة استئناف طالما أن الولايات المتحدة تحتكر إصدار الأحكام»!!

ويمضي قائلًا: «ولا يجوز لأي مؤسسة دولية أن تكون فوق الولايات المتحدة.. وينطبق هذا الأمر على الأمم المتحدة.. على الأقل لأن هذه المنظمة هي إحدى وسائل الولايات المتحدة لممارسة نفوذها على العالم». 

وعند ترتيب الأمم أمام عتبات أمريكا، يقول جالتونج: ثم يحيط بأمريكا الحلفاء الذين يتصفون باثنين على الأقل من الصفات الآتية:

أ - الاقتصاد المطلق.

ب - الإيمان بالرب اليهودي المسيحي وحده.

جـ - الديمقراطية.

هذا هو مقصد العولمة الأمريكية، وهذا هو هدفها أن تغدو سيدًا للدنيا، وتنقاد الأمم لها دون أي اعتراض، هنا يظهر سؤال: هل العالمية الإسلامية مثل «العولمة» الأمريكية؟ 

الحقيقة أن الحديث عن العولمة لا يقتصر على الجانب السياسي، إذ لا مجال لإنكار الطفرة العلمية والتكنولوجية التي تخدم الإنسان، واختراع الوسائل الأخرى الكثيرة التي  هي سلاح ذو حدينتستعمل سلبًا وإيجابًا، فإذا كانت العولمة هي المخترعات فقط، فلا مشكلة في قبولها وتسخيرها في سبيل الخير، وإسعاد البشرية، وترسيخ القيم الإنسانية العليا، ولكن كما ذكرنا سالفًا هي هيمنة جديدة استعمارية

أما عالمية الإسلام فتأتي من أنه دين عالمي، فرسولنا أرسل للبشر كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107)، وكذا القرآن عالمي ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا الفرقان: 1).

ويلاحظ هنا أن الإسلام وإن كانت دعوته عالمية الهدف والغاية والوسيلة، فهو يراعي الاختلاف بين البشر، ولم يجبر أحدًا على ترك منهجه، ولم يطمس حضارة من الحضارات، هنا يتجلى الاختلاف بين عالمية الإسلام كدين ودولة، ومفهوم «العولمة» المعاصر، فبينما تقوم الأولى على رد العالمية لوحدة الجنس البشري والقيم المطلقة وتحترم خصوصية الشعوب وتفردها وثقافاتها المحلية، ترتكز الثانية على عملية النفى والاستبعاد لثقافات الأمم والشعوب، ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية، وتهدف عبر العولمة  لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر.

أين العالمية؟

هذه العولمة يستحيل أن تكون عالمية بهذا الفهم لأنه «إذا جاءت حضارة من الحضارات واجتاحت العالم بقوتها وفرضت نمطها في الثقافة والمثل والقيم وطريقة العيش فهذه الحضارة لا يمكن أن تكون عالمية ولكن هذا ما يسمى خطأ بالعولمة، لأن العولمة من المفروض أن تعني شيئًا عالميًا، وهذا الذي يفرض الآن باسم العولمة ليس عالميًا وإنما هو الرؤية الغربية والنظام الغربي والهيمنة الغربية، كل هذا يفرض على الحضارات الأخرى».

وينقل فهمي هويدي عن دمحمد عابد الجابري قوله في هذا المجال: «إن العالمية تفتح الثقافات الأخرى على العالم مع الاحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي، أما العولمة فهي نفي الآخر، وإحلال الاختلاف الثقافي محل الصراع الأيديولوجي».

أما دجندي رقوة فيرى أن «العولمة هي محاولة لجعل الأمم عالمًا واحدًا ليس للناس فيه إلا توجه واحد من مصدر واحد، هو المصدر الذي يريد أن يهيمن على العالم أجمع»، ويستمر قائلًا: «نحن مقابل ذلك نقدم العالمية لأن ديننا دين عالمي لكننا نقدم مفاهيمنا وقيمنا إلى العالم دون ظلم أو تعسف أو اعتداء أو تعصب أو استعمار». 

إذن هذه العالمية كي تتحقق تحتاج منا جميعًا، خاصة العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، إلى تجنيد كل الإمكانات لتحقيق وحدة إسلامية تتسم بالقوة، وتنشر هذا الخير في ربوع العالم.

الرابط المختصر :