; باكستان.. هل هي في طريقها إلى الحكم العسكري من جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان باكستان.. هل هي في طريقها إلى الحكم العسكري من جديد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 932

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

 

الشعب الباكستاني ضحى بالغالي والنفيس من أجل ظهور باكستان

 

كم أريق من الدماء من أجل إقامة وطن مستقل للمسلمين في شبه القارة الهندية، بعد أن قضى الاستعمار البريطاني على الإمبراطورية المسلمة التي ظلت قرونًا؟!

وكم ضحى المسلمون من نفس ونفيس؛ حتى ظهرت دولة أطلق عليها اسم «باكستان» الأرض الطاهرة في تلك المنطقة من العالم المعروفة بالعجائب والأساطير والرجس من الأوثان؟!

ورغم كل هذه التضحيات الجسام جاءت نشأة باكستان وفق خطة وخريطة استعمارية، فبقي أكثر من مائة مليون مسلم تحت الحكم الهندوسي كرهائن، وبقيت أماكن ذات أغلبية مسلمة كمنطقة كشمير، وحيدر آباد تابعة للهند، وتم تشكيل باكستان بضم جناح شرقي إلى غربي لا تربطهما اللغة ولا الحدود الجغرافية والعوامل الطبيعية؛ مما أدى إلى انفصال الجناح الشرقي ونشأة بنغلاديش بتدبير من الهند، وبقيت باكستان عبارة عن الأقاليم الأربعة، متباعدة فيما بينها وذات- نوازع عرقية، وعوامل تفرق بعضها من بعض.

وقد ظهر حديثًا كتاب في الهند لكاتب هندوسي تحت عنوان: «كيف يمكن القضاء على باكستان»؟ كما أن الشخص الذي كان قد اغتال الزعيم الهندي المهاتما غاندي مازال شقيقه يحتفظ برماد شقيقه البطل حسب زعمه؛ ليلقيه في نهر السند بعدما يتم سيطرة الهندوس عليه، هذا ما يتعلق من الناحية التاريخية. أما الوضع الراهن فالحكم الشيوعي في كابول والتسليح العسكري المتواصل للهند والوضع في الدول الأخرى المجاورة لباكستان، مازالت كل هذه الأمور تشكل تهديدًا مباشرًا لدولة باكستان، غير أن أخطر من كل هذه التهديدات هو الوضع السياسي المفكك داخل باكستان وتفاقم النوازع العرقية التي تقوض كيانها باستمرار.

في مثل هذا الوضع يبقى العامل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ باكستان من محنتها الراهنة هو تمسكها بالإسلام، ووفاؤها لتعاليم الدين الحنيف الذي كان رائد نشأتها، والذي حرك الجماهير من أجل تكوينها وبروزها إلى حيز الوجود، غير أن الشيء الذي يبعث على الأسف هو انتقال باكستان من حكم عسكري إلى آخر، وتردد الحكومات المتعاقبة بين اتخاذ الإسلام منهجًا للحكم، والارتماء إلى أحضان الدول الاستعمارية الكبرى، وإرغام الشعب الباكستاني على النهج العلماني الغريب عليه.

إن الحكومة الحالية في باكستان التي جاءت في أعقاب مقتل الرئيس الراحل محمد ضياء الحق، وتم تشكيلها بعد الانتخابات العامة التي أجريت، ولم يحصل فيها أي حزب على أغلبية ساحقة من المقاعد تؤهله للتفرد بالحكم، لم يمر على هذه الحكومة أكثر من تسعة شهور إلا وبدأت تظهر في الأفق بوادر عودة الحكم العسكري إلى باكستان من جديد، ويمكن حصر المؤشرات الرئيسية في التطورات التالية:

1- ازدادت هوة الخلافات بين الحكومة الباكستانية المركزية التي تقودها رئيسة الوزراء بنازير بوتو وبين حكومة ولاية بنجاب المحلية- أكبر ولاية في باكستان من ناحية السكان، وأكثرها تأثيرًا في الوضع السياسي- التي يقودها السيد نواز شريف، وهو من أنصار الرئيس الراحل، ومن زعماء التحالف الجمهوري الإسلامي، وقد بلغ التنافس بين الحكومتين المحلية والمركزية أشده بعد سلسلة من الاعتقالات لشخصيات سياسية كبيرة من كلا الطرفين.

2- تجمع مئات الألوف من الباكستانيين حول ضريح الرئيس الراحل بمناسبة ذكرى استشهاده بتاريخ 17/ 8/ 1989م أعاد الثقة إلى قلوب أنصاره، وبأن الشعب مازال يكن الوفاء لخطواته التي كانت من أجل تطبيق الإسلام.

3- فوز ممثلي الاتحاد الجمهوري الإسلامي بأغلبيات ساحقة في دوائر انتخابية كانت فيها منافسة شديدة بين حزب الشعب وحزب التحالف.

وهناك من يشك في نوايا الحكومة الباكستانية نحو القضية الأفغانية في مرحلتها الراهنة، وحول استمرارية العمل في البرنامج النووي الباكستاني الذي يثير سخط الولايات المتحدة، وحول جدية رئيسة الوزراء في مكافحة المخدرات؛ لكون إعلاناتها متعارضة مع فتح البارات، وانتشار المشروبات الكحولية في المجتمع، وحتى في الطائرات التي كانت ممنوعة في عصر الحكومة السابقة، كما أن محاولة رئيسة الوزراء لتبرئة ساحة أخيها الذي يعيش في المنفى في سوريا، وكان قد أدين بتهمة اختطاف الطائرة الباكستانية، وحكمت عليه المحكمة بالإعدام أيضًا، تعطي المعارضة فرصة لإثارة الجماهير ضد الحكومة، خاصة بعد زيارة زوجته اللبنانية لباكستان مؤخرًا.

ومن الجروح التي لا تزال تنزف دمًّا، المأساة العرقية في ولاية السند بين المهاجرين وبين أهل السند وباتان، والتي تؤدي كل شهر إلى مقتل عشرات من المسلمين بعضهم بأيدي البعض الآخرين، وكانت مدينة كراتشي- ومازالت مسرحًا- للأحداث الدامية في السنوات الأخيرة.

علمًا أن الحكومة الحالية قائمة بالتعاون مع حركة المهاجرين، وأي خلاف بين الحزبين سيؤدي إلى انهيار الحكومة تلقائيًا لعدم امتلاك حزب الشعب أغلبية المقاعد في البرلمان.

هذه وغيرها من المؤشرات تعطي الشعور لدى المحللين السياسيين بعودة الحكم العسكري إلى باكستان من جديد؛ لأن انشغال الحكومة في مثل هذه الأمور تحول دون الإيفاء بالوعد الانتخابي، وبالتالي يؤدي إلى سخط الشعب، ويعطي المبرر للقادة العسكريين للتدخل ووضع الحد للفوضى والانتشار.

ونحن بدورنا، وبما نكن لباكستان من عواطف الحب والتقدير، وما نتمنى لها من التقدم والازدهار تنصح قادتها السياسيين بإدراك مسؤولياتهم تجاه هذا البلد الغالي، ونذكرهم أن بقاء باكستان مرتبط بولائها للإسلام، وأن كرامة الشعب الباكستاني مرهونة بحبه للعيش في ظل الشريعة الإسلامية، وأن أي نهج علماني وأية محاولة لنشر الفساد الاجتماعي وإبعاد الشعب عن تعاليم دينه، لا يؤدي إلا إلى الدمار، كما نرى من الواجب أن نقول: إن أي تراجع في القضية الأفغانية سوف يهدد مستقبل باكستان، وأن جارة باكستان الكبرى بالمرصاد لتوريط باكستان فيما لا يحمد عقباه ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

الرابط المختصر :