العنوان الجهاد الأفغاني والمؤامرات الدولية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988
مشاهدات 67
نشر في العدد 859
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 22-مارس-1988
المجاهدون الأفغان لن يسمحوا لأي دولة بالتدخل في قضيتهم.
ما إن انتهى مؤتمر القمة الروسي-الأمريكي الذي انعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن مؤخرًا، حتى صرح الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أن بلاده تعتزم الانسحاب الكامل من أفغانستان في شهر مارس المقبل، تاركة مصيرها وتحكمها قواها الوطنية.
على أن مثل هذه التصريحات التي نادى إليها الزعيم الروسي في المحافل الدولية عقب فراغه من مؤتمر القمة، تحتمل معاني كثيرة، من جملتها أن الروس باتوا في حكم المؤكد أنهم على يقين بأن أفغانستان ليست إلا محرقة للجندي الروسي مهما كانت قوته ونوعية تدريباته العسكرية الحديثة، وأنه لا فائدة مرجوة من مكوثه قوة محتلة لأفغانستان هو الخاسر الوحيد فيها. أضف إلى ذلك أنه يناور سياسيًا لإفساح المجال للحكومة الأفغانية والحكومة الأمريكية لأن تلعب الفصل الأخير للمسرحية بدون أن تخسر روسيا هيبتها وتفقد على الساحة الدولية ماء وجهها الذي اكتوى بضربات المجاهدين الذين أخلصوا الجهاد لله تعالى، وذلك لضمان عدم ضياع أفغانستان - حسب تصورهم - بأيدي المجاهدين، الذين باتوا يشكلون الثقل العسكري والسياسي في المنطقة، بفضل عدم إلقاء المجاهدين للسلاح طيلة 8 سنوات متتابعة، والتي أظهروا فيها تفوقهم القتالي بدون كلل ولا ملل، ولا يزالون يتمتعون بمعنويات عالية يومًا بعد يوم، بسبب إفشالهم للمخطط الروسي الذي يرمي إلى جعل أفغانستان جزءًا لا يتجزأ من الكتلة الشيوعية.
ولقد أثبت المجاهدون الأفغان بأيديولوجيتهم الإسلامية، أنه وإن كانت روسيا دولة عظمى، بل وأعظم دولة لامتلاك ترسانة السلاح المتطور الحديث، إلا أنهم لن يتخلوا عن ذلك الطريق الذي رسموه لأنفسهم، لمحاربة الروسي المعتدي وحكومة أفغانستان الموالية له، ولن يتركوا السلاح حتى يخرج الروسي صاغرًا مرغمًا، وحتى إعادة كل شبر من أرض بلادهم إلى حريتها واستقلالها، ولتشكيل حكومة إسلامية وطنية ذات ولاء وانتماء خالصين للإسلام ولأرض أفغانستان وشعبها الذي هُضم حقه سنوات طوال.
وركزت الحكومة الروسية المعتدية على أن مفاوضاتها للانسحاب من أفغانستان لا يتم إلا عبر مشاركة أكثر من دولة من دول المنطقة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الباكستانية، إلى جانب الحكومة الأفغانية العميلة التي يتزعمها الدكتور نجيب الله، وهم يرمون من وراء ذلك إلى إسقاط كل الأوراق من أيدي المجاهدين، واعتبار أن المجاهدين الأفغان لا يمثلون الشعب الأفغاني في إحلال السلام في البلاد، مما يترتب عليه توجيه طعنة عنيفة قاتلة للأحزاب الإسلامية السبعة التي تتزعم حركة الجهاد والتحرير طوال 8 سنوات، وكذلك يترتب عليه إسقاط كل اعتبار للمجاهدين، إن على الساحة الدولية، وحتى على الساحة الأفغانية. وهذا ما تخطط له روسيا بالتعاون مع الولايات المتحدة منذ سنوات، لأن الروس يعرفون أن مفاوضاتهم للمجاهدين مباشرة تدلل على اعترافهم بهم من جهة، ويؤكد ذلك على صحة حركة المجاهدين الشاملة ضد الروس المحتلين، وأن الحكومة المستقبلية ستسقط بأيديهم، كونهم يشكلون القاعدة الجماهيرية الساحقة، إلى جانب ما يتمتعون به من قوة عسكرية تخولهم إسقاط أي بديل آخر لحكم أفغانستان من جديد. فإلى أين وصلت القضية الأفغانية في المحافل الدولية؟ إن مبعوث الأمم المتحدة للوساطة في حل القضية الأفغانية، السيد دييجو كوردوفيس، سيغادر الأمم المتحدة بزيارة رسمية، يزور خلالها دول المنطقة لدراسة الأوضاع، ولتحقيق حل حاسم بعد التطورات الدبلوماسية الأخيرة التي حصلت عليها الأمم المتحدة من الزعامتين الروسية والأفغانية، وذلك بإنهاء الصراع الذي دام 8 سنوات، وسيتنقل المبعوث الرسمي بجولته المكوكية خلال إسلام آباد وكابل، لنقل رسالة الأمم المتحدة إلى زعماء تلك الدول، وذلك للتحضير لآخر جولة ممكنة للمباحثات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف. ويتوقع كوردوفيس بأن ثمة تساؤلات كبيرة قد تؤدي إلى الانسحاب من أفغانستان ولو بمشاركة جميع الأطراف المتنازعة. وفي مقابلات مختلفة مع صحيفة النيوزويك الأمريكية، صرح كل من الرئيس الباكستاني محمد ضياء الحق ورئيس الوزراء محمد خان جونيجو أنه ينبغي أن يشارك في المفاوضات المقبلة بعض من أعضاء حكومة كابل الموالية للاتحاد السوفياتي، وأنه يجب أن يكون لهم مكان في الحكومة الأفغانية الجديدة، شريطة انسحاب الروس الكامل من أفغانستان.
أما ما أدلى به أحد كبار المسؤولين السوفيات، وهو مسؤول في وزارة الخارجية السوفياتية، حول الحلول المطروحة للقضية الأفغانية، فهو الآتي: إن الاتفاق على حل لمسألة النزاع والصراع في أفغانستان بات في عداد التنفيذ الممكن، وذلك عقب توقيع اتفاقية مشتركة تقوم بها كل من حكومة باكستان والحكومة الأفغانية.
ويستطرد ذلك المسؤول: وعلى ضوء ما يتم في وثائق الاتفاقية الموقعة من جانب الطرفين، يكون على الحكومة السوفياتية والحكومة الأمريكية أن تعترف ببنودها وتضمن تلك المعاهدة. في حين أدلى الدكتور نجيب الله بتصريحات للواشنطن بوست الأمريكية، مفادها أن الحكومة الائتلافية التي ستتولى حكم أفغانستان، ينبغي أن تُشكل من جميع الأحزاب السياسية الأفغانية، وعلينا أن نعمل على تحقيق السلام العادل للشعب، وحل مشاكلنا عن طريق الحوار.
وماذا إذن عن موقف المجاهدين من هذه المؤامرة الكبرى؟ وماذا عساهم فاعلين تجاهها؟ أما المجاهدون فقد رفضوا عن طريق متحدثهم الرسمي ورئيس الأحزاب الإسلامية السبعة، الشيخ يونس خالص، الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة الباكستانية، وذلك بإفساح المجال أمام الأطراف الشيوعية بالمشاركة في الحكومة الأفغانية الائتلافية المؤقتة.
وجاء في صحيفة «دون» الباكستانية التي تصدر من مدينة كراتشي بتاريخ 16 كانون الثاني الماضي، أن المجاهدين قد صرحوا ببيان مشترك موحد، يرفضون فيه فكرة إلقاء السلاح وإيقاف العمليات الجهادية ضد الروس، حتى لا يبقى في أفغانستان جندي روسي واحد.
وأضاف مصدر مسؤول صدر عن قيادات المجاهدين أنهم لن يسمحوا لأية دولة بالتدخل في حل القضية التي تعنيهم، ولن يسمحوا كذلك بالتخلي عن تلك الانتصارات والمغانم التي حصلوا عليها طيلة 8 سنوات من الجهاد المتواصل، وأنهم يرفضون الدخول بأية حكومة ائتلافية. وعلل المصدر ذلك بأن المجاهدين يؤمنون إيمانًا تامًا بأنهم في حالة حرب لا سلام في أفغانستان، حرب بين الإسلام من جهة وبين الكفر والإلحاد من جهة ثانية، وأن ليس بين هاتين الفكرتين أية حلول وسطية. هكذا - يقول المجاهدون - ما يحثنا على عدم الاعتراف بأية حلول مطروحة تفرضها المؤتمرات الدولية علينا، لإعزاز جانب الحكومة الأفغانية العميلة التي هي عبارة عن دمية بيد الروس.
موقف الجماعة الإسلامية في باكستان ما هو موقف الجماعة الإسلامية يا ترى؟
للجماعة الإسلامية في باكستان موقف بارز في تأييدها للمجاهدين الأفغان، وذلك بتقديم الممكن من المساعدات المادية، إلى جانب تبنيهم حالة الدفاع عن حقوق المجاهدين وحقوق المهاجرين الأفغان الذين انتشروا في طول باكستان وعرضها، وهذا ما يلمسه قادة الجهاد السبعة.
وفي الأيام القليلة الماضية جاء على لسان أمير الجماعة الإسلامية، الشيخ قاضي حسين أحمد، الذي زار مدينة كراتشي يوم 16 كانون الثاني الماضي، أن ليس ثمة طريق لإجراء المفاوضات من أجل القضية الأفغانية، ما لم تكن وجهًا لوجه بين المجاهدين من جهة وبين الحكومة السوفياتية المحتلة للبلاد من جهة ثانية، وبهذا فقط نضمن حلًا عادلًا وشاملًا للمشكلة الأفغانية. وأوضح أمير الجماعة بأن الاتحاد السوفياتي والمجاهدين الأفغان الذين يجاهدون من أجل الحصول على استقلال بلادهم وحريتها من يد الغاصب الجاني، هما في الحقيقة الطرفان الواجب عليهما دخول حلبة المفاوضات المباشرة، في حين أن على الدول الأخرى كحكومة كابل والحكومة الباكستانية والولايات المتحدة الأمريكية أن تبقى محايدة، في الوقت الذي يكون لها دور واضح على سير تلك المباحثات.
وفي معرض حديثه لنادي الصحافة في كراتشي، أجاب أمير الجماعة على بعض التساؤلات حول اجتماعه الأخير بالسفير السوفياتي في إسلام آباد، السيد عبد الرحمن وزيروف، أجاب بأنه خاطب السفير السوفياتي، بأن على بلاده أن تُحجم عن تصريحاتها حول الضمانات الدولية في عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان. وذلك مما يجعل أمريكا أحد الأطراف في حل القضية. ومن ناحية أخرى صرح أمير الجماعة أن المجاهدين الأفغان الذين استمروا بجهادهم التحرري العادل طيلة 8 سنوات ضد القوات الروسية الغازية، هم في وضع قوي متميز يجعلهم وحدهم القادرين على ضمان أن تكون حكومتهم القادمة حكومة مستقلة، غير منحازة، لا سيما إلى الولايات المتحدة.
الجهاد باقٍ فعلى الرغم من المحاولات الدائبة المستمرة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لاحتواء حركة المجاهدين وتفوقهم المستمر على القوى الروسية، وإسقاط ذلك الرصيد الضخم الذي انتزعه المجاهدون بالقوة، للانفراد بالسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، وغيرها وغيرها من المكائد والمؤامرات الدولية، وبرغم كل تلك المحاولات والمؤامرات المكشوفة، إلا أن المجاهدين لا يزالون يضغطون وبشدة بهجومهم على القوات الروسية الأفغانية المشتركة، بل ويضاعفون من حملاتهم على الحاميات العسكرية والمراكز الحساسة، ويتجلى ذلك في حصارهم الذي ضربوه على قلعة خوست الاستراتيجية للقوات الروسية الأفغانية. وهذا يعد تأكيدًا ودليلًا من المجاهدين على متابعة الجهاد وطريقه حتى إخراج القوات الغازية لبلادهم، ليقينهم أنه لن ينفع مع الروس أية مفاوضات وأن الروس لا يفهمون إلا لغة المدفع والرشاش والبندقية، ولو تكلف ذلك آلاف الشهداء من زهرات أبنائهم. وفعلًا كانت لغة سهلة النطق والتركيب، واضحة المعاني، لهذا فما وجد الروس أية صعوبة بمعرفتها وفهمها، ففهموا أن في أفغانستان أسودًا ومغاوير يحرصون على الموت حرص روسيا على الحياة. وفي خضم بحر الاجتماعات والقرارات الدولية المتلاطم، صرحت الصحيفة الباكستانية «دون» الناطقة باللغة الإنجليزية، وذلك نقلًا عن مصادر موثوقة، بأن حوالي 1000 جندي روسي وحكومي أفغاني قد لقوا مصرعهم في المعركة التي دارت رحاها بين المجاهدين والقوات المعادية، والتي دامت 6 أسابيع في الحامية العسكرية في قلعة خوست الاستراتيجية. وأضافت الصحيفة تقول - عازية ذلك إلى الإذاعة الأسترالية - إن الإذاعة حصلت على معلومات مفادها أن القائد العسكري للمجاهدين الأفغان، الشيخ جلال الدين حقاني، أصيب بجروح في تلك المعركة. ونقل المصدر المذكور عن مصادر دبلوماسية غربية أن حوالي 20,000 جندي روسي-أفغاني يتقدمون لخوض عملية عسكرية مضادة لفك الحصار الذي يفرضه المجاهدون. جاء ذلك عقب تصريحات نجيب الله التي أشار من خلالها إلى أن حصار خوست لا بد له من كسر وتحطيم. أما صوت أمريكا فقد صرح هو الآخر بأن مجموعة من المجاهدين الأفغان أسروا 11 طيارًا حكوميًا و3 رجال من سلاح الجو الروسي، قبضوا عليهم بعدما أسقطت طائرتهم في شرق أفغانستان. وجاء على لسان جماعة الحزب الإسلامي الذي يتزعمه المهندس حكمتيار أن رجال سلاح الجو قد قُبض عليهم بالقرب من «خوست»، ونقلت تلك المصادر عن المجاهدين أنهم أسقطوا للعدو 4 طائرات شمال كابل العاصمة. وفي معرض رده على بعض التساؤلات أجاب الزعيم الأفغاني نجيب الله، بأن على الملك المخلوع ظاهر شاه أن يلعب دوره لتوطيد أركان الإسلام والأمن في البلاد. وهذا مما يدلل على الروح الانهزامية للحكومة الأفغانية الحالية، أمام ضربات المجاهدين المؤلمة. وبقي علينا أن نقول إن استمرار المجاهدين لحمل السلاح بوجه ملاحدة الروس، ومواصلة طعنه وضربه إلى أن يتخلى الروسي بنفسه راغمًا صاغرًا، هو السبيل الوحيد لإفشال كل المخططات التآمرية، وهو السبيل الوحيد الذي يحقق الفوز والظفر للمجاهدين. وهذا ما يتمناه المسلمون لهم من سويداء قلوبهم: بل كلهم يتمنون لهم النجاح ويرجون لهم الخير والفلاح، لهذا الشعب الباسل المجيد، الذي هو في طليعة الشعوب الإسلامية في الذكاء والحمية وكرم المحتد وشدة البأس.