العنوان ورطة الجنرال.. وولادة طالبان باكستانية
الكاتب أسامة عبدالحكيم
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2001
مشاهدات 81
نشر في العدد 1471
نشر في الصفحة 24
السبت 06-أكتوبر-2001
لا يختلف اثنان على أن الموقف الذي ورط النظام الحاكم في باكستان نفسه فيه أكثر من حرج، وأن الجنرال مشرف سيكون الخاسر الأكبر أيًا كانت نتائج الحرب التي تنوي الولايات المتحدة شنها على أفغانستان. في الواقع كانت الولايات المتحدة صريحة في مخاطبة مشرف لدرجة لم تعهدها أي دبلوماسية في العلاقات الدولية مهما كان الفارق في مستوى الطرفين المتخاطبين، وإذا كان السؤال المطروح على طاولة الحوارات السياسية بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول يتمثل في «هل أنتم معنا أم مع الإرهاب» فإنه اتخذ مع باكستان صيغة التهديد المباشر بإسقاط نظام الحكم فورًا إذا لم يقف إلى جانب أمريكا دون قيد أو شرط.
لم تترك أمريكا الخيار للجنرال مشرف ليمسك العصا من الوسط. هنا وجد النظام الحاكم نفسه أمام خيار صعب للغاية، وكان عليه أن يتخذ قرارًا فوريًا ربما كان الأصعب في حياته. «إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهاب.» هذا ما كان بدور في رأس الجنرال عندما اتخذ قراره بالوقوف إلى جانب أمريكا لأنه إذا كان مع الإرهاب فسيعرض بلاده لغارات انتقامية بحجة دعمها للإرهاب، وسيعرض نفسه للسقوط، وهكذا كان وأعلن مشرف موافقته على كافة المطالب الأمريكية التي تلخصت في الآتي:
1- تتعهد الحكومة الباكستانية بفتح حدودها البرية والجوية مع أفغانستان بوجه القوات الأمريكية والحليفة لها.
٢- السماح للجيش الأمريكي وحلفائه ولرجال المخابرات الأمريكية بإقامة قواعد لهم داخل الأراضي الباكستانية.
3- توافق الحكومة الباكستانية على تخزين المواد الغذائية والحربية والذخائر على الأراضي الباكستانية.
4- تتعهد الحكومة الباكستانية بتزويد الجانب الأمريكي بأي معلومات استخبارية عن بن لادن وجماعته وعن حركة طالبان وقادتها وأعضائها وأماكن انتشارها.
5- إغلاق الحدود مع أفغانستان ووقف أي دعم لها.
٦- إغلاق كافة معسكرات التدريب التابعة لحركة طالبان الموجودة على الأراضي الباكستانية.
مشرف برر اختياره «الأفضل الشرين» على حد قوله بأنه لمصلحة باكستان خاصة بعد أن هددته السفيرة الأمريكية في بلاده وندي تشمبرلين بأن «مصيره سيكون موضع بحث لدى الجانب الأمريكي في حال رفضه الموافقة على المطالب الأمريكية، وعلى العكس من ذلك ففي حال موافقته سيتم مساعدة باكستان وسيرفع الحظر الاقتصادي المفروض عليها»! معروف أن باكستان تعاني حظرًا اقتصاديًا وتقنيًا غربيًا منذ أن قامت بتجاربها النووية في صيف عام ١٩٩٨م، وما إن أعلن مشرف قبوله بالمطالب الأمريكية حتى رفعت الولايات المتحدة فعليًا الحظر المفروض على كل من الهند، وباكستان في خطوة وصفها السناتور الأمريكي سام براونباك- عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي-بأنها «برهان للشعب الباكستاني على أنه من الأفضل له أن يكون على علاقة جيدة بالولايات المتحدة».
وتابع مشرف قوله إن عدم الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة «سيؤدي إلى إدراج اسم باكستان على لائحة الدول المساندة للإرهاب وبالتالي تعرضها لضربات انتقامية من الجانب الأمريكي مما قد يهدد وجودنا، كما أننا سنفقد حقنا في كشمير إلى الأبد».
ولم ينس مشرف تشبيه موقفه بموقف الرسول محمد عندما عقد صلحًا مع كفار قريش في الحديبية، ولكنه لم يذكر أن هدف الصلح كان عقد هدنة مع عدو وليس تحالفًا ضد إخوة يشاطرهم شعبه الدين واللغة والأعراف والتقاليد والحضارة!.
أما لماذا التركيز على باكستان في هذه المرحلة؟
هناك عدة أسباب حددت سياسة التعاطي الأمريكي مع باكستان في هذه المرحلة أبرزها:
1- باكستان أهمية قصوى في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة وخاصة في العلاقة مع طالبان: فلباكستان حدود مشتركة مع أفغانستان تتجاوز ٢٥۰۰ كلم، لذلك تخطط الولايات المتحدة لاستخدام هذه الحدود لضمان نجاح أي عملية برية ضد طالبان.
2- تعتبر طالبان من صنيع النظام الباكستاني، لذلك فأرشيف المخابرات الباكستانية غني جدًا بالمعلومات التفصيلية عنها، ولا غنى لأي عملية عن مثل هذه المعلومات.
3- شکلت باکستان رأس حربة في العمليات لعسكرية الناجحة ضد الاتحاد السوفييتي السابق على الأراضي الأفغانية، لذلك تريد الولايات المتحدة الاستفادة من الخبرات العسكرية المتراكمة في شن الهجمات عبر الحدود مع التركيز على نفس نظام حرب العصابات الذي كان يستعمل سابقا دون إسقاط خيار الحرب التقليدية.
4- العمل بكل الوسائل على ضرب القدرات النووية الباكستانية ولا يستبعد تكرار تجربة قصف السفارة الصينية في بلجراد أثناء الغارات الجوية على صربيا السنة الماضية، ثم الاعتذار والتعويض، كما لا يستبعد استخدام طائرات أمريكية الصنع من قبل الهند أو الكيان الصهيوني لتحقيق الهدف ذاته.
5- وجود عشرات معسكرات التدريب على الأراضي الباكستانية لمنظمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية.
6- باكستان الدولة الوحيدة الآن التي تعترف بطالبان وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسي.
موقف الجماعات الإسلامية
فور إعلان مشرف قراره أعلنت الأحزاب الدينية الرئيسة في باكستان معارضتها لهذه الخطوة، فقد أعلنت الجماعة الإسلامية- التنظيم الإسلامي الرئيس على الساحة الباكستانية- معارضتها واصفة قرار مشرف «بالخاطئ والخطير، ويسهم في تقسيم الشعب الباكستاني ويحرضهم على بعضهم البعض». أما مولانا فضيل الرحمن- رئيس جماعة علماء الإسلام. فقد هدد بأن جماعته ستكون مضطرة للمقاومة في حال استخدمت الولايات المتحدة أراضي باكستان أو مجالها الجوي في حملتها ضد أفغانستان. ومعلوم أن جماعة علماء الإسلام تتمتع برصيد شعبي كبير إذ حضر مؤتمرها الأخير الذي عقد في أبريل الماضي ما يزيد على مليوني مندوب. وأعلن الشيخ مولانا سميع الحق، أمير مجلس الدفاع الأفغاني الذي يضم مجموعات دينية وسياسية باكستانية كبيرة، عزمه القيام بتمرد شعبي في حال قيام الحكومة بالمشاركة في الحرب.
لم تكن الأحزاب الإسلامية الوحيدة التي تعارض التوجه الرسمي، فقد شاركتها الموقف أحزاب وتنظيمات شعبية ونقابات وبعض كبار ضباط الجيش وجهاز الاستخبارات السابقين.
من هنا فمن المتوقع أن يواجه مشرف أزمة داخلية تتمثل في رفض أغلبية الشعب الباكستاني مشاركة بلادهم في الحرب على جارة يشاطرونها الدين والنسب والرابط القبلية الأخرى (وفق استطلاع لمعهد جالوب الدراسة الرأي العام أعلن ٦٣% من الشعب الباكستاني تأييدهم لحركة طالبان). ولا يستبعد أن تتطور الصدامات مع الجيش والشرطة إلى حال عنف تغذيها الهند- العدو الرئيس الباكستان وربما الولايات المتحدة نفسها لتقسيم باكستان إلى دول عدة وإلغاء وجودها-وهذا هدف التحالف الروسي-الهندي القديم المتجدد. ومن عوامل الخوف من نشوب حرب أهلية في باكستان وجود عشرات الآلاف من قطع السلاح المنتشرة بين السكان ووجود ملايين اللاجئين الأفغان الذين يعتقد أنهم سيهبون لنصرة إخوانهم.
كما يخشى من انقسام في الجيش وقوات الشرطة: خاصة وأن ضباطًا كبارًا حذروا مشرف من أن الارتماء في أحضان أمريكا لن يفيده مذكرين إياه بموقفها مع نواز شريف الذي فقد منصبه على يد مشرف ذاته عندما نفذ طلبات أمريكا وقام بوقف النار وسحب المجاهدين الكشميريين من مواقعهم بعد إنزالهم خسائر فادحة بالقوات الهندية على سفوح جبال الهمالايا في كشمير عام ۱۹۹۹م. المصادر العسكرية الباكستانية تشير إلى أن أكثر من ٢٠% من أفراد القوات المسلحة من قبائل البوشتون، وأن أكثر من ۲۰% كذلك من نسبة السكان في باكستان تعود إلى قبائل البوشتون، وهي القبائل التي تنتمي إليها طالبان، فهل يسكت أولئك على ما يجري؟
مصير الأسلحة النووية
يخشى المراقبون أن ينفلت زمام الأمر من يد الحكومة الباكستانية مما قد يؤدي إلى قيام انقلاب عسكري جديد ووصول أنصار طالبان إلى الحكم في إسلام أباد. هذا الأمر في حال حدوثه سيقلب موازين القوى رأسًا على عقب وسيشكل كابوسًا للغرب خاصة إذا استطاع هؤلاء الوصول إلى الترسانة النووية. لذلك حرصت الحكومة على طمأنة حلفائها على سلامة وأمن الأسلحة النووية ووسائل إطلاقها، ويقدر الخبراء عدد الرؤوس النووية الباكستانية بأربعين رأسًا قادرة على ضرب أهداف في مدى متوسط (٣٠٠٠-٣٥٠٠ كلم).
خيرًا يجدر بالملاحظة أن طالبان هي حركة الطلبة العلم الشرعي الأفغان الذين درسوا في المعاهد العلمية الباكستانية، هذه المدارس قامت بتخريج عشرات آلاف الطلبة الباكستانيين كذلك يشاركون طالبان نفس الأفكار فهل نشهد ولادة طالبان باكستانية؟ وهل يستطيع الجنرال الخروج بسلام من مأزق وضع نفسه فيه بمحض إرادته؟