العنوان الحرب كالسلم لا يمكن أن تكون من طرف واحد
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1263
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 19-أغسطس-1997
يتساءل كثيرون عن الأساس القانوني لشرعية الأعمال الفدائية التي يقوم بها فلسطينيون ضد المدنيين الإسرائيليين، وقد أجاب على هذا السؤال شيخ الأزهر قائلًا: إنها تدخل ضمن نطاق الدفاع الشرعي.
صحيح أن الأصل في القانون الدولي أن أعمال القتال توجه فقط للمقاتلين في صفوف العدو، ولا يجوز أن توجه للمدنيين، ولكن هذه القاعدة تحمي المدنيين في الجانبين، فلا يجوز أن يحتمي بها المدنيون الإسرائيليون، ويُحرم المدنيون الفلسطينيون من حمايتها.
يوجد في قوانين الحرب أصل مهم يجب ألا نهمله وهو المعاملة بالمثل؛ أي أن ضرورات الحرب تجيز للمدافعين استعمال أساليب الحرب التي يرتكبها العدو، ولو كان في ذلك إخلال بالمبادئ العامة، وذلك بصفة استثنائية مؤقتة ليعلم المعتدي أن الشذوذ سيقابله مثله، والقرآن الكريم نفسه -يقول-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (سورة البقرة: 194)، وتطبيقًا لهذا المبدأ فإن العدو الإسرائيلي إذا اعتدى على المدنيين فإن ذلك يجيز للمجاهدين الفلسطينيين أن يعاملوه بالمثل؛ لأنهم يكونون في حالة دفاع شرعي.
هذا ما قاله شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي في تصريحه الذي نشرته جريدة «الحياة» بتاريخ 4 أغسطس 1997م، ويؤيده كل من يعرف القوانين العصرية أو الشرعية.
ولا شك أن الفلسطينيين في حالة حرب يدافعون فيها عن أرضهم ووطنهم وحرياتهم، وللمجاهدين بمقتضى قانون الحرب أن يواجهوا العدو بمثل ما يرتكبه ضد المدنيين الفلسطينيين، والمماثلة هنا لا تعني المطابقة والتشابه، فإذا كان العدو يستعمل الطائرات والدبابات والبلدوزر لهدم البيوت، والحصار لتجويع المدنيين، وليس عند المجاهدين هذه الأسلحة، ولم يبقَ لهم إلا أن يفجروا أنفسهم وسط الميادين والشوارع، فلا يجوز إنكار ذلك عليهم.
إن حالة الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا شك فيها، كل ما هنالك أنها في نظر العرب حرب دولية؛ لأن الفلسطينيين لهم دولة معترف بها من جميع الدول العربية، وهي عضو في جامعة الدول العربية، قبل وجود إسرائيل وهذه الدولة الفلسطينية فرض عليها العدو الإسرائيلي الحرب، إنها تدافع عن كيانها وأرضها وشعبها، ومن حقها في مجال الدفاع أن تلجأ لمواجهة ما يرتكبه العدو الإسرائيلي من أعمال عدوانية والرد عليها، وكلما اعتدى الإسرائيليون على المدنيين الفلسطينيين في بلادهم فإنه يجوز لكل فلسطيني أن يقاومهم بكل الوسائل بما في ذلك ضرب المدنيين بالوسيلة الممكنة لهم تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل الذي هو أساس العلاقات الدولية سواء في حالة الحرب أو في حالة السلم.
إن إسرائيل تنكر وجود الدولة الفلسطينية، وتحاول عدم الاعتراف بها، وأقصى ما تستطيع ادعاءه هو أن العرب «طائفة» أو «أقلية» ثائرة، وأن هذه حرب أهلية، وليست حربًا دولية، والمتفق عليه أن الثوار المقاتلين يتمتعون بصفة المحاربين في الحرب الأهلية.
يدل على ذلك أن هناك ما يسمونه «عملية سلمية» تستلزم مباحثات ولقاءات ومفاوضات، بل واتفاقات، لكن الإسرائيليين لا يلتزمون بها كلما استطاعوا ذلك بكل تبجح، إنهم يستبيحون لأنفسهم المحادثات أو وقفها، والاستمرار في العدوان على المدنيين الفلسطينيين بواسطة الجيش والشرطة أو المستعمرين «الذين يسمونهم مستوطنين» أو غيرهم من أعضاء المنظمات المتعددة، والحكومة تقتل الفلسطينيين وتطاردهم بهدم منازلهم حتى يضطروا لمغادرة وطنهم لإخلاء الأرض منهم، ولتمكين المهاجرين الذين يستقدمونهم من الخارج لاحتلالها، وهذا العدوان يوجب على كل فلسطيني، بل على كل مسلم أن يقاومه ولو اقتضى ذلك إهدار دماء هؤلاء المعتدين ومن يساندهم ويؤيدهم من المدنيين، ويمدهم بالسلاح والحماية عن طريق حكام مجرمين يمثلونهم، ويفوضونهم في ذلك ولا يستنكرونه.
ولا يجوز أن ننساق وراء أجهزة الإعلام الممالئة لإسرائيل التي تصف كل ما تقوم به إسرائيل من عدوان على الفلسطينيين بأنها «إجراءات أمن» في حين يصفون مقاومة الفلسطينيين تارة بأنها أعمال إرهابية، وتارة بأنها أعمال انتحارية؛ لأن الحالة هي حالة حرب فعلية وقانونية يستخدم فيها كل جانب ما لديه من سلاح، وبعض «المجاهدين» لا يجدون إلّا أرواحهم، فهم يجودون بها في عمليات فدائية استشهادية.
إن شريعتنا لا تجيز الانتحار مثل القوانين الوضعية، لكن الفدائيين المدافعين عن شعبهم ووطنهم هم مقاتلون مضطرون لكي يلقوا بأنفسهم للهلاك طلبًا للشهادة من أجل ضرب العدو كما يضربهم مقاتلوه، فلا يجوز وصف أعمالهم بأنها انتحارية، لأنها «فدائية» استشهادية مثل أعمال «الكوماندو» في الحروب الدولية بين الجيوش النظامية.
أشارت جريدة «الحياة» إلى أن «شيخ الأزهر» كان يرد على سؤال عن مطالبة بعض «حاخامات إسرائيل» بتدخل رجال الدين الإسلامي لوقف أعمال التفجير في داخل المدن الإسرائيلية، وكان رده أنه حمل رجال الدين اليهود المسؤولية عما يجري لأنهم يحرضون على ظلم الفلسطينيين «بل وعلى قتلهم وإبادتهم».
إن من نسميهم «حاخامات إسرائيل» كانوا يريدون من شيخ الأزهر أن يقول للعرب إن شريعتنا لا تجيز ضرب المدنيين، ولا تجيز الانتحار، فرد عليهم بأنها تجيز، بل توجب الدفاع الشرعي عن الوطن والأُمّة والكرامة.