العنوان اليمن: اتفاق جديد أم نكسة أخرى؟
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1993
مشاهدات 65
نشر في العدد 1034
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 19-يناير-1993
المصير الغامض للوحدة اليمنية: صراع السلطة واتفاق التنسيق (الحلقة
الأخيرة)
الاتفاق الجديد: توحيد الحزبين وتقاسم السلطة
مرة جديدة،
تتداول الأوساط السياسية والصحفية في اليمن أخباراً مؤكدة عن توصل الحزبين
الحاكمين إلى اتفاق "جديد" بينهما حول التنسيق التام في الانتخابات
النيابية المتوقعة في أبريل القادم. أما الأكثر إثارة في هذا الاتفاق فهو ما
يتناول مسألة توحيد الحزبين (المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني) في
إطار حزب جديد!
ما هي خلفيات الاتفاق الجديد؟ وما التفاصيل التي يتضمنها هذا
الاتفاق؟
يمكن القول إن
العلاقة بين الحزبين الحاكمين في اليمن قد وصلت إلى الحضيض في أحداث الشغب العنيفة
التي شهدتها عدد من المحافظات اليمنية في 9، 10، 11 ديسمبر الماضي.
ورغم أن الأزمة
السياسية بين شريكي السلطة في صنعاء قد تم تخطيها عقب لقاء الحديدة في نوفمبر
الماضي، إلا أن العلاقات بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض
سرعان ما انتكست بعدما اتضح أن اتفاق الحديدة غير قابل للتنفيذ، وتفاقم التوتر من
جديد، وزادت الأزمة الاقتصادية من حدة الموقف، ولا سيما بعد أن انتشرت موجة
إضرابات متتابعة أعطت انطباعاً بانفلات الأمور في البلد، وعجز الدولة عن تقديم
حلول حقيقية للمشاكل الاقتصادية والأمنية التي تعصف بالبلد!
وعندما انفجرت
أحداث الشغب الأخيرة، كانت وقائعها انعكاساً للخلاف بين شريكي السلطة، ولا سيما
بعدما ردد المتظاهرون شعارات صريحة مسَّت رئيس الجمهورية بالاسم، كما تعرض عدد من
مقرات حزب الرئيس إلى هجوم المتظاهرين، مما أعطى إشارات واضحة عن الجهة التي تقف
وراء الأحداث!
ورغم نجاح
القوات المسلحة في ضبط مظاهر الشغب ثم تصفيتها، إلا أن انكشاف حقيقة الهدف من
أعمال العنف واكتظاظ العاصمة بحشود "الميليشيا" المسلحة، جعل كل طرف
يقرع أجراس الإنذار لأتباعه، حيث عاشت "صنعاء" أسبوعاً، بعد انتهاء
المظاهرات على برميل من البارود يوشك على الانفجار في أي لحظة!
وتداولت الأوساط
السياسية والشعبية أخباراً عن حشود مسلحة في المعسكرات وحول العاصمة وفي البيوت
والمنازل، بل إن أحد أعضاء مجلس الرئاسة اليمني بعث برسالة للرئيس يطالب فيها
بالسماح بإدخال مجموعات مسلحة من قبائل الضالع ويافع -التي ينتمي إلى الثانية
منها- إلى العاصمة بحجة سماعهم بأخبار عن حشود مسلحة حول العاصمة، ولولا أن
الرسالة منشورة في الصحافة المحلية لما صدق أحد مثل هذا الطلب الغريب!
الصلح المفاجئ وتأثير العوامل الخارجية
ونظراً لطبيعة
الأوضاع العسكرية المعقدة في اليمن، فإن شريكي السلطة يعرفان خطورة اندلاع أي صدام
مسلح بينهما ويقال: إن نجاح الرئيس علي صالح في استنفار القوات الموالية له في
الوقت المناسب قد جعل شركاءه يرون بأعينهم أن نتيجة أي معركة لن تكون القوى
المتجابهة فيها متساوية، ولا سيما بعد انكشاف مواقع الميليشيات التي تم إدخالها
سراً إلى صنعاء!
ويبدو أن العامل
الخارجي المؤثر في الأوضاع الداخلية، ولا سيما العلاقة بين الحزبين الحاكمين قد
نجح في نزع فتيل الأزمة، وتوجيه الأمور نحو استئناف الحوار لإيجاد صيغة جديدة
للعلاقات الثنائية والدخول في معركة الانتخابات القادمة على أرضية متماسكة!
وبشكل مفاجئ،
بدأت تتسرب أنباء عن توصل الحزبين الحاكمين إلى اتفاق جديد، وأُذيعت تصريحات لعدد
من أبرز المسؤولين تدعو شريكي السلطة إلى تسوية العلاقة بينهما؛ لأنها هي السبب
الرئيسي لانهيار الأوضاع في البلد!
وفي الوقت نفسه،
ألقت الأوضاع المتردية في الصومال المجاور بظلالها على اليمن، وراح الناس يراقبون
بدهشة نزول قوات أمريكية إلى مدينة "عدن" العاصمة الثانية؛ لتسهيل
استخدام ميناء عدن ومطارها من قبل قوات "إعادة الأمل" في الصومال.
ورغم أن الوجود
الأمريكي في "عدن" ظل محدوداً، إلا أن عدم الإعلان الرسمي عنه منذ
البداية أثار مخاوف قوى سياسية جديدة، كما بدأت عدد من الصحف تتناول المسألة على
سبيل المقارنة بين خلافات الفصائل الصومالية وخلافات الحزبين الحاكمين في صنعاء.
تفاصيل بنود الاتفاق وتداعياته
وفي الأسبوع
الأخير من ديسمبر الماضي تسربت تفاصيل الاتفاق الجديد بين الحزبين الحاكمين، والذي
يدور -أساساً- حول التنسيق في المعركة الانتخابية القادمة بصورة تامة ثم الاتفاق
على استمرار تقاسم المفاصل الرئيسية للسلطة.
وقد أوردت صحافة
المعارضة اليمنية تفاصيل الاتفاق الذي لم يتم التوقيع عليه رسمياً بعد، مع العلم
أن من شروط الاتفاق التوقيع عليه في محاضر وبحثه ليكون ملزماً للطرفين وضمان عدم
سقوطه كما حدث في مرات سابقة.
وفيما يلي أهم بنود الاتفاق:
التنسيق التام
في معركة الانتخابات القادمة، والمشاركة فيها بقائمة موحدة، ويمثل النواب الفائزون
بعضوية البرلمان الحزبين معاً؛ بصرف النظر عن نصيب كل حزب منهما.
استمرار التقاسم
في مفاصل السلطة الرئيسية، وبمعنى آخر استمرار سيطرة الحزبين على أهم مراكز المسؤولية
في الشؤون المدنية والعسكرية مثل: رئاسة الجمهورية - رئاسة الوزراء - مجلس النواب
- وزارة الدفاع ورئاسة الأركان.. إضافة إلى عدد آخر من أهم الوزارات التي تم
الاتفاق على تقاسمها بصورة نهائية مثل المالية والتربية والتعليم، والداخلية
والنفط والخارجية.
توحيد الحزبين
على مراحل متتابعة، واعتماد منهج سياسي جديد له!
كما يُتوقَّع أن
يتم التوقيع على الاتفاق رسمياً من قبل زعامة الحزبين ثم دعوة الأحزاب الأخرى
للحاق بهما، على أن يتم منحها شيئاً من المكاسب غير الرئيسية في السلطة.
وبشكل عام، يعد
الاتفاق -في حالة الالتزام به- انتصاراً لوجهة نظر الحزب الاشتراكي، وهو الذي بنى
استراتيجيته على عدم المشاركة في الانتخابات النيابية إلا بقائمة مشتركة مع حزب
المؤتمر تضمن له البقاء في السلطة وبحجم يفوق شعبيته الحقيقية.
كما أن الاتفاق
على التوحيد التدريجي انتصر ضد رأي الرئيس علي صالح الذي كان يطرح مبدأ الدمج
الفوري بين الحزبين، الأمر الذي كان يعد وسيلة سوف تثير الخلافات بقوة في صفوف
الحزب الاشتراكي، وربما تؤدي إلى انشقاقه. أما على المدى البعيد فإن التوحد
التدريجي يوفر للاشتراكيين فرصة للسيطرة على الحزب الجديد بحكم الخبرات التنظيمية
التي يمتلكونها، بينما يفتقد كثير من أعضاء المؤتمر إلى مثل تلك الخبرات بحكم نشأة
حزبهم في أحضان الدولة منذ البداية.
ومن الضروري
الإشارة إلى أن مثل هذا الاتفاق يعد أيضاً تدعيماً للتيار العلماني في حزب الرئيس،
والذي يعد نفسه رديفاً للحزب الاشتراكي في مواجهة التيار الإسلامي.
أما أخطر
الانعكاسات السلبية لمثل هذا الاتفاق فتتمثل في مسألتين هما: الانتخابات والوحدة
الوطنية.
فأما
الانتخابات، فلا شك أن اتفاق الحزبين يحولهما إلى حزب حكومي شبيه بتلك الأحزاب
التي تحكم بعض دول العالم الثالث باسم حزب الأغلبية، مستفيدة من كل إمكانيات
الدولة والجهاز الحكومي وتراث خبير بتزوير إرادة الشعوب لصالح الحكام.
وأما الوحدة
الوطنية فالخطورة عليها تتمثل في تكريس تقاسم المناصب في البلد على أساس مناطقي،
الأمر الذي يوفر -مستقبلاً- فرصاً سهلة لإثارة النعرات المناطقية في حالة تجاوز
أسلوب التقاسم واعتماد مبدأ الكفاءة في اختيار المسؤولين!
توقعات مستقبلية للعلاقة بين الشريكين
في ضوء الواقع
الذي تعيشه اليمن صارت العلاقة بين الحزبين الحاكمين -سلباً أو إيجاباً- تنعكس
بآثار ضارة على حاضر البلد ومستقبله!
ورغم أن الاتفاق
الجديد يكاد يكون مكتملاً، إلا أن المواطنين يتداولون أخباراً عن انشغال اللجنة
الرباعية المشكلة من الحزبين بوضع برنامج سياسي للحزب الجديد! برغم كل ذلك إلا أن
الأساس الخاطئ الذي تقوم عليه العلاقة بين الحزبين منذ بداية الوحدة سوف يبقى
عاملاً يهدد استقرار البلد ويوفر -باستمرار- مناسبات لخلافات خطيرة في المستقبل،
ولو كان الطرفان ضمن حزب واحد، فقد أثبتت تجربة الماضي أن أخطر الصدامات المسلحة
قد انفجرت بين أجنحة الحزب الاشتراكي التي فشلت في التعايش رغم إيمانها بفكرة
سياسية واحدة.
بل إن الراجح أن
توحد الحزبين سوف يزيد من مستوى حساسية العلاقة بين فئات وجماعات ارتبطت مصالح
حياتها بحزب ما، وسوف يدخل الحزبان في دوامة جديدة من عمليات تقاسم المناصب
الحزبية!
غموض حول تفجيرات عدن
صنعاء - المجتمع
لم تظهر -حتى
منتصف الأسبوع الماضي- أي تفصيلات رسمية حول قضية التفجيرات في بعض الفنادق الكبرى
في عدن باستثناء تصريحات قليلة عند وقوع الحوادث ليلة 30 ديسمبر الماضي أو عند
استسلام "طارق الفضلي" الذي تتهمه سلطات الأمن المحلية في محافظة
"أبين" بمسؤوليته عن حادثة محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها أحد زعماء
الحزب الاشتراكي هناك.
وفي صنعاء ترددت
أخبار مؤكدة عن لقاء تم بين الرئيس علي عبد الله صالح و"طارق الفضلي"
بعد استسلام الأخير لقوات الأمن ولجنة وساطة نقلته إلى العاصمة كشرط لاستسلامه وفك
الحصار عنه في جبال "المراقشة".. وحيث كان "الفضلي" قد رفض
تسليم نفسه إلى أجهزة أمن المحافظة التي يهيمن عليها الحزب الاشتراكي كغيرها من
محافظات اليمن الجنوبية والشرقية.
وتقول مصادر
موثوقة: إن "طارق" نفى في لقائه مع الرئيس مسئوليته عن حوادث
"عدن" و"أبين"، وأنه طالب رئيس الوزراء وأحد قادة الحزب
الاشتراكي الذي شارك في اللقاء بإثبات التهم المنسوبة إليه وإلى جماعته التي سماها
الإعلام الحزبي الاشتراكي بفرع تنظيم الجهاد العالمي!
وما يزال
"طارق" مُحتجزاً أو مُقيماً تحت الحراسة في العاصمة صنعاء بانتظار جلاء
الأمور الغامضة التي رافقت الحوادث الأخيرة.
وكانت
"عدن" قد شهدت انفجارين يوم الثلاثاء 29 ديسمبر الماضي في أكبر فندقين
في المدينة؛ حيث راح ضحيته عدد من القتلى والجرحى، كما تضاربت الأخبار التي نشرتها
الصحافة اليسارية حول أسماء المتهمين، وبينما التزمت الصحافة الرسمية الصمت حتى
بدا الأمر وكأنه صراع ثنائي بين الحزب الاشتراكي وبين ما أطلق عليه فرع الجهاد في
اليمن!
كما شنت أجهزة
الأمن -التي يهيمن عليها الاشتراكيون- حملة اعتقالات عشوائية للشباب المسلم في
"عدن" و"أبين" و"شبوة" و"لحج"، حيث تمت
مداهمة المنازل عند الفجر للبحث عن المطلوبين.. لكن جملة المعتقلين لم تكن بالصورة
المبالغ فيها التي نشرتها الصحافة الخارجية؛ ففي "عدن" نفسها لم يتجاوز
عدد المعتقلين العشرين فرداً من شتى الاتجاهات الإسلامية.
ويبدو أن
التهييج الإعلامي الذي مارسته صحافة الحزب الاشتراكي وبعض الصحف العربية كان يهدف
إلى تبرير الإجراءات القمعية والاعتقالات العشوائية والممارسات التي تتنافى مع
شعارات الحرية التي تملأ البلد عن طريق تصوير الأمر وكأن مؤامرة ضخمة قد تم
اكتشافها!
كما مست تلك
الإجراءات العديد من الأبرياء الذين تم اعتقالهم بدلاً عن إخوانهم أو أبنائهم، وقد
تعرض مندوبو محافظة "عدن" إلى مؤتمر الوحدة والسلام إلى الاحتجاز أثناء
عودتهم من صنعاء، كما صادرت نقطة تفتيش كل أدبيات المؤتمر التي كانت مع العائدين
وتم تقطيعها وإحراقها، ولا يمكن تقديم معلومات دقيقة عن الحوادث بسبب الموقف
الرسمي المتحفظ تجاه ما تذيعه الصحافة الاشتراكية حول الانفجارات والمتهمين
والأسلحة المضبوطة!
لكن أجهزة الحزب
الاشتراكي في "عدن" توجه اتهامات قوية إلى تنظيم "الجهاد"
بأنه يقف وراء الحوادث ويستهدف تصفية قيادات الحزب الاشتراكي وإثارة القلاقل في
البلد!
طارق الفضلي.. سيرة ذاتية