; قمة التنازلات.. ماذا نحن فاعلون إزاءاها؟ | مجلة المجتمع

العنوان قمة التنازلات.. ماذا نحن فاعلون إزاءاها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1409

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 18-يوليو-2000

قبل سفره إلى كامب ديفيد لحضور الاجتماع الثلاثي مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات كتب إيهود بارك -رئيس وزراء الكيان الصهيوني- مقالًا في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أكد فيه خمس قضايا تعتبر الخطوط الحمر التي لا يستطيع أن يتخطاها في المفاوضات وهي:

  1.  الفصل بين الفلسطينيين والمحتلين الصهاينة بحيث لا يسمح للفلسطينيين بالعودة إلى المناطق المحتلة.

  2.  لا عودة لخطوط عام 1967م. 

  3.  مدينة القدس ستبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.

  4.  أن يبقى المستوطنون تحت السيادة الإسرائيلية حتى لو عاشوا في مناطق تحكمها السلطة الفلسطينية.

  5.  أن الاحتلال لا يعترف بأي مسؤولية أخلاقية أو قانونية عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المشردين في العالم، مستبقًا بذلك أي حديث عن التعويضات.

باراك أكد أيضًا أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه في كامب ديفيد سيعرض على استفتاء شعبي، ومن المعروف أن باراك فقد قبل سفره تأييد أغلبية الكنيست التي كان يحكم من خلالها بعد انسحاب ثلاثة أحزاب من الائتلاف الحاكم، وهكذا فإنه مع غياب الأغلبية اللازمة لتأييد سياسته وباحتكامه إلى الاستفتاء الشعبي يستطيع باراك أن يتنصل عن أي اتفاق حتى بعد التوقيع عليه.

لقد خاطب باراك المحتلين الصهاينة قبل سفره إلى كامب ديفيد ووعدهم بعدم تخطي الخطوط الحمر، كما وعدهم بأن يجلب لهم مستقبل أمن وسلام.

ولكن ماذا عن الجانب الفلسطيني؟ 

ذهب رئيس السلطة الفلسطينية مجردًا من أي دعم شعبي، محملًا بعبء قمع القوى المجاهدة والمخلصة، ومنعها من أداء واجبها الجهادي، ذهب متعلقًا بأهداب سراب الوعود الأمريكية المعسولة التي لا تلبث أن تتبخر على أرض الواقع، لأن الانحياز الأمريكي للصهاينة لا يحتاج إلى دليل، ولأن الولايات المتحدة هي الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني.

ذهب عرفات متخاذلًا بعد أن تم على ما يبدو التوصل بالفعل إلى التسوية المقترحة عبر الاتصالات والمباحثات السرية التي أدمنتها السلطة الفلسطينية، ولم يبق سوى التوقيع على صك التنازلات.

وبالطبع لا نتوقع أن يخرج أحد الأطراف ليقول إن القمة قد فشلت لأن لكل طرف مصلحة في إنتاجها، ولكن المتوقع أن نواجه سيلًا من حملات التضليل التي تقلب الهزيمة إلى انتصار، والاستسلام إلى مكاسب وإنجازات.

لقد دخلت السلطة الفلسطينية المفاوضات وهي في أضعف حالاتها لتواجه أخطر القرارات المصيرية، فكيف يتسنى لها الصمود؟ ومن أين تستمد صلابة المقاومة، وهي التي تتصدى للمجاهدين والمخلصين وتعتقلهم في سجونها؟

المطلوب الآن من السلطة الفلسطينية -إسرائيليًّا وأمريكيًّا- أن تقبل بدويلة وفق المواصفات الصهيونية – الأمريكية.. دويلة منزوعة السيادة والإدارة.. وأن تفرط في القدس والمسجد الأقصى، مكتفية ببضعة أمتار من قرى العيزرية وأبو ديس وبيت ساحور، وممر أمن للمصلين يوصلهم إلى ساحة المسجد الذي لم تتوقف المؤامرات الساعية لهدمه. 

المطلوب من السلطة الفلسطينية أن تقبل بتوطين الفلسطينيين في أراضي دول أخرى، وأن يبيع الفلسطينيون حقوقهم في أراضيهم مقابل  دولارات معدودة لا يدفع منها الصهاينة سنتًا واحدًا.

ثم إن المطلوب من السلطة الفلسطينية -إسرائيليًّا وأمريكيًّا- أن تكون بعد ذلك كله رأس الحرية التي تشق طريق التطبيع مع الصهيونية في الوسط العربي الإسلامي.

تلك هي قمة كامب ديفيد وأهدافها ومراميها.

لقد أدرك البعض خطورة ما تذهب إليه السلطة الفلسطينية وجسامة التنازلات التي تقدمها حتى سمعنا مسؤولين في دول أجرت مفاوضات مع الصهاينة يذكِّرون عرفات بأن القدس ليست مسألة فلسطينية فحسب، وإنما هي شأن عربي - إسلامي.

وهذا صحيح...

لكن هذه الحقيقة تترتب عليها حقائق أخرى وهي: الإقرار علنًا بالمسؤولية العربية الإسلامية عن استرداد فلسطين القدس والأقصى، وأن سلطة عرفات لا تمثل الأمة وليست مفوضة بتوقيع صكوك التنازل، وأن كل تنازلات السلطة الفلسطينية باطنة عربيًّا وإسلاميًّا.

إن خطورة الحال الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية تستدعي تحركًا سريعًا من كل البلدان العربية والإسلامية لوقف مسلسل التنازلات التي تقدمها السلطة الفلسطينية.

لقد اختار الطرفان: الأمريكي والصهيوني، معسكر كامب ديفيد مكانًا للقمة لترسيخ معاني كامب ديفيد الأولى التي عُقدت بين الرئيس المصري السابق أنور السادات ومناحم  بيجن بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، والتي كانت أول اختراق لوحدة الصف العربي الإسلامي، وأول اعتراف بالكيان الصهيوني.. فتح مجال التطبيع معه.

والأولى بحكومتنا اليوم أن تنادي لقمة جديدة في الخرطوم التي عقدت بها القمة العربية بعد هزيمة 1967م وانطلقت منها شعارات: «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل»... تلك الشعارات التي لم تلبث أن ذهبت مع الريح لأنها لم تجد من يتعهدها.

إن أمتنا في حاجة اليوم إلى استرجاع تلك الشعارات وتحويلها إلى سياسات فاعلة، وإلا فإننا نحذر من أن ما يصيب فلسطين والقدس اليوم يمكن -لا سمح الله- أن يصيب دولًا أخرى في المنطقة غدًا.. ولنتذكر أن الكيان الصهيوني لم يبلغ شعاره المعروف: «من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل».

ومن المؤلم أن نجد زعامات في المنطقة جاءت عبر انقلابات عسكرية وتخطيط عربي لتعين الكيان الصهيوني على تحقيق هذا الهدف.. ومن هنا فإن الأمل كبير في أن تقوم الشعوب بدورها بعد أن استشعرت الخطر الداهم.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (سورة الحج 39، 40).

الرابط المختصر :