العنوان سورية: نظام «فاشل» لا يتعلم من تجارب غيره!
الكاتب محمد فاروق الامام
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011
مشاهدات 76
نشر في العدد 1948
نشر في الصفحة 22
السبت 16-أبريل-2011
- كأن ما شهدته تونس ومصر كان في كوكب آخر.
- يتعامل مع الانتفاضة الشعبية بعقلية الثمانينيات من القرن الماضي.. وكأن الزمن توقف عند تلك الفترة!
- انكشف ألاعيبه الساذجة في ظل الاتصالات.. ولم تعد تنطلي حتى على الأطفال الذين يتقدمون الصفوف.
- العاصفة هبت ولن توقفها عصا أمن غليظة مهما ألهبت ظهور الجماهير التي أفلتت من عقالها.. فلا خوف بعد اليوم.
لا يريد النظام في دمشق تصديق أن مشكلة سورية تكمن في مصادرة حريتها، وليس في إقالة محافظ أو وزير، ولا يزال هذا النظام يلعب بعيدًا عن الميدان، غير مدرك أن إقالة وزارة وتشكيل وزارة جديدة أمر تختلف أقنعة الوجوه فيه، لكنها تتوافق في المضمون والمحتوى.. وقد سبق أن مارس نظام «بن علي» في تونس اللعبة نفسها، عندما كلف الاقتصادي «محمد الغنوشي» بتشكيل حكومة جديدة مبقيًا على معظم رموز النظام البائد فيها.. وسار على الخطى ذاتها نظام «حسني مبارك» في مصر عندما كلف وزير الطيران «أحمد شفيق» بتشكيل حكومة جديدة جاءت بشخصيات فاسدة من النظام نفسه.
وقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكومتين جاءتا لاستغفال جماهير الشعب والاستهتار بعقولهم ظنًا منها أنها بذلك ستمتص نقمة هذه الجماهير وتوهن من عزائمهم.. ولم تنطل على الجماهير لعبة هذه الأنظمة الفاشلة فرفعت سقف مطالبها التي كانت تنادي بالإصلاح والتغيير إلى المطالبة برحيل الرئيس.
وأمام تشبث هذه الأنظمة بالحكم بوسائل ملتوية، رفعت الجماهير سقف مطالبها منادية بإسقاط النظام، وقد تحقق لها ذلك؛ فسقط النظام الدكتاتوري في تونس بعد ۲۳ يومًا من انطلاقة ثورة الشباب، وسقط النظام الدكتاتوري في مصر بعد ١٨ يومًا من انطلاق ثورة الشباب.
ألاعيب مكشوفة:
واليوم، يمارس النظام السوري اللعبة نفسها، وكأن ما حدث في كل من تونس ومصر كان في كوكب آخر غير كوكب الأرض ويتعامل مع الانتفاضة الشعبية بعقلية الثمانينيات من القرن الماضي، وكأن الزمن توقف ولم يتحرك كما خطط النظام في دمشق وأراد لسورية ولشعبها هذه المراوحة في المكان لأربعين عامًا!
لقد انكشفت ألاعيب النظام السوري وحيله الساذجة التي لم تعد تنطلي -في ظل ثورة الاتصالات والإنترنت- على أطفال سورية وهم يتقدمون صفوف الانتفاضة، وجل الشهداء والجرحى والمعتقلين منهم، كما تنقل وسائل الإعلام العربية والعالمية التي تمكنت من اختراق أسوار تعتيم النظام السوري.
وقد باتت فبركاته ممجوجة عبر وسائل إعلامه الخشبي التي لا يستمع إليها أو يقرأها أو يشاهدها أو يصدقها إلا أنصاف الرجال وغوغاء النظام ورعاعه، وظهرت حقيقتها حين فضح النظام واحدًا من أبرز أعضاء ما يسمى بـ«مجلس الشعب» «البرلمان» وهو الشيخ «يوسف أبو رومية»، الذي قال في مداخلة له بجلسة يوم الأحد ٢٧ مارس الماضي؛ إن «حوران» ليست المحافظة التي تقبل أن تغدر أو تخون هذا البلد العزيز، فهي معروفة بوطنيتها وأصالتها وعروبتها، وبتاريخها ومواقفها الوطنية المجيدة.
وأشار «أبو رومية» -في مقطع فيديو تم تداوله عبر موقع «يوتيوب»، ووصل إلى الفضائيات العربية والأجنبية التي كررت تداوله على شاشاتها إلى «رعونة العميد عاطف نجيب المسؤول عن الأمن السياسي في درعا، الذي استدعى قوات الأمن بطائرات الهيلوكوبتر، ونزلوا فورًا لإطلاق النار على المواطنين في درعا؛ فأردى ما أرداه من قتلى، وجرح من جرح»، موضحًا أن «نجيب كان قد منع سيارات الإسعاف من نقل الجرحى إلى المستشفى، فاتخذوا من الجامع العمري مستشفى للجرحى، وكان الأطباء يستغيثون بالمآذن وأنا أسمعها في أذني، وكنت موجودًا في درعا».
وأخيرًا، وجه الشيخ «أبو رومية» كلامه إلى رئاسة المجلس قائلًا: «أرجو من مقام الرئاسة أن تبلغ هذه الرسالة إلى السيد الدكتور بشار الأسد»، وأشار إلى أن «الحوارنة كانوا ينتظرون فعلًا قدوم الرئيس «الأسد» إلى درعا لتعزية أهل القتلى»، وأوضح أنه «لو كان الأمر هكذا، لما حصل أي شيء في «حوران» رغم عدد القتلى والجرحى».
وما جاء على لسان النائب الشيخ «أبو رومية» ينفي مزاعم النظام بأن «من افتعل الأحداث في درعا هم من المندسين أو العصابات»، ويؤكد أن فبركة وجود أسلحة وأموال في الجامع العمري هي من تلفيق الفرع السياسي في درعا.
كان على «بشار» أن يستمع لصوت العقل الذي جاء على لسان الشيخ «أبو رومية» ويذهب إلى درعا ويعزي في وفاة أبنائها، ويأمر باعتقال مسببي الأحداث، ويستمع إلى طلبات المحتجين الذين كانوا يرفعون شعار «بدنا نريد» حرية.. شعب حوران موجوعان ليس جائعًا، ولهذا الشعار مغزى ومعان كبيرة تخص الشعب السوري وبلده كله من أقصاه إلى أقصاه، وليست فقط مطالب اجتماعية ومعيشية تخص درعا وحدها.
كما كان عليه أن يصيخ السمع إليها بقلبه وعقله، ويسارع إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تحول دون تفجر شلالات الدم كما حدث في تونس ومصر، حتى لا يذهب بعيدًا في أتون نفق ليبيا واليمن الدامي، ويختصر الطريق والمسافات ويطوي الزمن، لأن اللعب على أوتار الزمن ليس في صالح النظام ولا في صالح سورية وشعبها.
لكنه لم يفعل!
وكان عليه أيضًا أن يأمر بإلغاء قانون الطوارئ وكل الأحكام التي ترتبت على إعلانه، وإطلاق سراح السجناء من أصحاب الرأي، وإلغاء القوانين الاستثنائية، وفتح أبواب الوطن لعودة المهجرين والمنفيين وحل «مجلس الشعب» والجبهة الوطنية التقدمية، وتشكيل وزارة مؤقتة من خارج النظام تحظى برضا الجماهير؛ تشرف على انتخاب هيئة تأسيسية تقوم بإعداد دستور عصري وقانون لتشكيل الأحزاب، وتتفق على نظام حكم جديد، وطرح هذه القوانين على الجماهير السورية للتصويت عليها، والالتزام بما تقرره هذه الجماهير...
ومن ثم دعوة الجماهير لانتخابات برلمانية بموجب قانون انتخابي جديد يلبي أمانيهم وتطلعاتهم، ويكفل النزاهة والحيادية والشفافية بمراقبة من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والمنظمات العربية والدولية ذات الاختصاص.. وبعد ذلك، يتقدم الرئيس «بشار الأسد» باستقالته ليتسنى انتخاب رئيس جديد للبلاد عبر صناديق الاقتراع دون إقصاء أو شروط تعجيزية، بحيث يضمن الشعب وصول الأنسب والأحق إلى قيادة البلاد لأربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.
لو فعل «بشار» ذلك لدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ولكتب اسمه بماء الذهب.. ولو فعل ذلك لقام في سورية نظام ديمقراطي يكون قدوة وحديثًا على ألسنة الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكنه لم يفعل، وباعتقادي أنه لن يفعل، والوقائع على الأرض تشير إلى ذلك وتؤكده.
مسرحيات مستهلكة:
النظام الفاشل في دمشق لا يريد -كما قلنا- الاتعاظ بما قامت به أنظمة الاستبداد والقمع في كل من تونس ومصر، وهو يسير على خطاها خطوة خطوة.. يوزع الاتهامات جزافًا: مرة على المندسين، ومرة على عصابات مسلحة مجهولة، ومرة على عملاء للصهيونية، ومرة على أصوليين إسلاميين يريدون جر البلاد إلى فتنة طائفية، ومرة إلى مؤامرات أعداء سورية لدعمها المقاومة الفلسطينية واللبنانية.. ثم يجيش طلبة المدارس وعمال المؤسسات والمصانع وموظفي الدولة والاتحادات المهنية وشبيبة الثورة وأعضاء حزب البعث الشمولي في مسيرات ترفع صور الرئيس «بشار الأسد»، وحناجر الكل -كرهًا أو طواعية- تصدح بشعار ممجوج؛ «بالروح بالدم نفديك يا بشار الله.. سورية.. بشار وبس».
هذه المسرحيات المستهلكة لن تفيد النظام في شيء أو تمد في عمره، فالعاصفة هبت ولن توقفها عصا أمن غليظة مهما ألهبت ظهور الجماهير التي أفلتت من عقالها، فلا خوف بعد اليوم، فالنظام الحاكم ليس عصيًا على الشباب السوري الذي استلهم العزيمة والإصرار من أشقائه شباب تونس وأشقائه شباب مصر، ولن يكون أقل منهم مصابرة ومجالدة وفداء وتضحية حتى تحقيق أهداف ثورته في إسقاط النظام ورحيل رموزه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل