العنوان الصائم بين جناحي: «العلم والعمل » (۲)
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1964
نشر في الصفحة 38
السبت 06-أغسطس-2011
جناحان لا يستغني عنهما الصائم ولا يستطيع أن يطير إلا بهما معًا... ألا ترى أنه علم فريضة الصيام فعمل بما علم.. وصام، وعلم عظم أجر القيام .. فقام، وبالجناحين يستقيم التحليق إلى الصراط المستقيم بعيدًا عن «المغضوب عليهم» الذين علموا فلم يعملوا، «والضالين» الذين عملوا بلا علم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلىى الله عليه وسلم،فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا » «الطبري». ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ﴾ (التوبة: ٣٣)،فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: «يهدي إلى الحق في الاعتقادات، «وإلى طريق مستقيم» أي: في العمليات»(ابن كثير).
يقول ابن القيم في مدارج السالكين: «والعلم تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عصبتهم وورثتهم، وهو حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياضة العقول ولذة الأرواح وأنس الأقوال والأعمال والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد والهدى والضلال»، «به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد .. وبه تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام ... ».
حينما يطير الطائر ويسبح في الفضاء ويقترب من حياة الناس وشوارعهم ومبانيهم وأسواقهم .. يجد عزوفًا عن العلم والقراءة إلا من رحم الله لأسباب؛ كثيرة منها تقلص بركة الوقت بالإنشغال بأسباب الرزق لإنتشار الفقر، أو لطمع الغنى، أو بالإنشغال بألوان اللغو واللهو والباطل بما يسفح دم الأوقات!
ملاءمة كل حال
ومع اختلاف درجات أحوال النفس؛ فالعلم هنالك يلائم كل حال«فهو الصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة،والكاشف عن الشبهة .... » »مذاكرته تسبيح، ومدارسته تعدل الصيام والقيام والحاجة إليه أعظم منها إلى الطعام والشراب».
لعل الصائم يتذكر وهو يتلو القرآن في شهر القرآن أن الله ما أمر رسوله أن يسأله المزيد من شيء في الدنيا إلا في العلم ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ﴾ (طه: ١١٤ ).
ويرحل بفكره إلى قرون سابقة ومسافات بعيدة، وكأنه يرى من بعيد رحيل كليم الرحمن موسى عليه السلام في طلب العلم هو وفتاه، حتى مسهما النصب في سفرهما، ولم يظفر إلا بثلاث مسائل فقط، وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم به.
طلب العلم
وفعل مثله فقهاء الأمة ومحدثوها حين طافوا البلاد في سبيل الله والعلم به، وتحري نقله وإثباته.. ومنهم البخاري يرحمه الله الذي بوب »باب العلم قبل القول والعمل»،وقول الله تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (محمد : ۱۹)، فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (سورةفاطر:28) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت) وقال : ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِير﴾ (الملك:10)، وقال: ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (الزمر:9)، وقال النبي ﷺ: »من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وإنما العلم بالتعلم، وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حكماء فقهاء ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
اقتران الإيمان بالعمل
ولا يزال الله سبحانه يقرن الإيمان بالعمل الصالح في آيات عدة، والآيات والأحاديث تقرن الإيمان بالاستقامة.
﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ﴾ ( سورة النساء ١٢٤).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا فَمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾النساء:﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَملٗا﴾ (الكهف: 30)، ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾(فصلت:۳۳).
وعن سفيان بن عبدالله الثقفي رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك »قال أبو معاوية: بعدك»؟ قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» (رواه أحمد).
بصيرة نافذة
وكان الصحابة لا يتعدون الآيات حتى يعملوا بها، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنة قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن». واختص الله سبحانه الصحابة عن سائر الأمة بخاصية البصيرة وهي التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهي أعلى درجات العلماء، في قوله تعالى: ﴿ قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾(يوسف: ١٠٨)،
وفيها معنيان:الأول: أي أنا، وأتباعي على بصيرة. والثاني: أنا أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرة.
رفعة وعلو
يستطيع جناح العلم أن يرفع صاحبه﴿ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِير﴾ (المجادلة :11)ولكن المداومة التحليق وبلوغ المراد فلا بدمن جناح العمل الذي إذا انسلخ من جسد الطائر، وقع في الهاوية﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الأعراف: ١٧٥)، قال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام كان في مجلسه ثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه.
قال مالك بن دينار : بعث إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه؛ فاتبع دينه وترك دين موسى (القرطبى).
وفي تفسير الجلالين: خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها ، سئل أن يدعو على موسى وأهدي إليه شيء فدعا فانقلب عليه واندلع لسانه على صدره «فأتبعه الشيطان» فأدركه فصار قرينه.
لذا قال بعض الحكماء : «من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذاباً من أقبل عليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به».
المحاسبة على العلم
وسيسأل المرء عن علمه ماذا عمل به؟ كما في حديث رسول الله ﷺ: «لن تزولا قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه» (رواه الترمذي ــــ حديث حسن صحيح. وقال أبو الدرداء: «ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة، ويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات». وروى الإمام ابن عبد البر في جامع العلم وفضله عن الشعبي أنه قال: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به وكنانستعين على طلبه بالصوم».
وفي تفسير : « فنبذوه وراء ظهورهم»، أي تركوا العمل به. وإذا جمع الإنسان أقوالاً بلا أعمال كان كطائر أعرج ذي جناح واحد مقصوص... نبذته طيور السماء إلى العيش في الوحل.. قال بعض الحكماء : « إذا كانت حياتي حياة السفيه، وموتي موت الجاهل، فما يغني عني ما جمعت من غرائب الحكمة» وحين يتم العلم والعمل يحلق الطائر بعيدا عن الدنيا .
قال الثوري: «العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا ، فإذا طلبوا هربوا» ؛ أي الهرب عن الدنيا وليس على طلبها .. ليرتفع إلى درجة التقوى التي هي مقصد الصيام.. قال أبو الدرداء : «لا تكون تقيا حتى تكون عالما ..... »، ومنه أخذ القائل قوله : كيف يقال: متق، ولايدري ما يتقي ؟!.