; حسني مبارك والمهلة الخطيرة | مجلة المجتمع

العنوان حسني مبارك والمهلة الخطيرة

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 557

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 19-يناير-1982

     منذ أن تسلم الرئيس المصري حسني مبارك مهام منصبه في أعقاب اغتيال سلفه السادات يوم (٦) أكتوبر الماضي- والمراقبون يجمعون على أن الرجل الذي ورث تركة ثقيلة سيظل واضعًا عينه على (٢٥) أبريل القادم موعد الانسحاب الثالث والأخير من سيناء ضمن اتفاقيات كمب ديفيد، وإذا ما استطاع مبارك أن يستعيد سيناء فسيكون قادرًا ضمن السيناريو الأميركي لعودته للصف العربي، وتوسيع نطاق محادثات كمب ديفيد، الأمر الذي أكده كل من وزير الخارجية الأميركي الجنرال أليكساندر هيغ وزعيم حزب العمل الإسرائيلي شيمون بيرز الذي يحتمل أن يخلف بيغن في الانتخابات القادمة.

     وقد دأب الإعلام المصري وبعض وسائل الإعلام الغربية والعربية تؤكد على أن الرئيس الجديد يحتاج لمهلة من الوقت يعيد فيها ترتيب التركيبة السياسية المصرية والوضع الداخلي؛ لكي يتمكن من ثم إقامة دعائم حكم جديد.

مسوغات:

     وبالطبع فإن إقناع الشعب المصري وخاصة أحزاب المعارضة يحتاج إلى مسوغات مقنعة بأهمية هذه المهلة وضرورتها، فالقضية تتعلق أساسًا بأرض الوطن المرهونة بانسحاب إسرائيل منها ضمن اتفاقيات كمب ديفيد؛ أي أن القضية «وطنية»، لا تحتمل أي خلاف أو تأجيل، وما لم يتحقق الانسحاب فإن عملية التسوية وما ترتب عليها من تطبيع العلاقات بين الطرفين- قد تنسف من أساسها بعد تقديم تضحيات كبيرة.

     وإسرائيل كعادتها تحاول ابتزاز النظام، وخلق ذريعة لعدم الانسحاب، وذلك بالاحتجاج على مواقف المعارضة لبعض جوانب التسوية، خاصة وأن معظم أحزاب المعارضة توافق «على الاعتراف بإسرائيل، وبحدودها الآمنة، وبالعلاقات الطبيعية».

     وهناك الوضع القابل للانفجار في أية لحظة؛ بسبب الوضع الاقتصادي، وبسبب عملية الاغتيال وطريقة تنفيذها التي فاجأت الجميع، وفي هذا الجو هناك ما أسماه النظام «الإرهاب»، قاصدًا الجماعات الإسلامية الرافضة ليس لاتفاقيات كمب دايفيد وإجراءات التطبيع فحسب، بل رافضة للنظام بمجمله.

     وهناك الوضع الدولي الحساس الذي يتطلب من مصر أن تظهر «موحدة مستقرة» لتستعيد مكانتها العالمية والعربية، والعجيب أن هذه المسوغات قد اقتنع بها المعارضون جميعًا، فيما عدا المعارضة الإسلامية، التي أدركت أنها هي المقصودة، وأنها المستهدفة بعبارة السلطة «الإرهاب»، وظلت على رأيها المبدئي الرافض لاتفاقيات الكمب، وسياسات التطبيع، وسياسات النظام الجديد الذي رأت أنه لا زال يسير في سياسة خلفه.

المعارضة تقع في الشباك:

     إذن ماذا سيفعل مبارك لتحقيق هذه المهلة عمليًا؟ لا شك أن مبارك يعلم علم اليقين أن السبب الحاسم في مقتل سلفه هو سياساته القائمة على التسليم المطلق للمخطط اليهودي الأمريكي، وما ترتب عليه من خلق للحريات السياسية الذي تتوج بحملة الاعتقالات الواسعة التي شملت مختلف تشكيلات المعارضة قبل اغتياله بأشهر قليلة، ومن هنا كان على مبارك أن يبدأ بالمعارضة فيعمل على كسبها لجانبه، وهذا ما حدث بالفعل فكانت الخطوة الأولى التي اتخذها أنه أعاد الجسور بينه وبين المعارضة، ونجح في هذا الأمر نجاحًا يدعو إلى العجب.

    إذ بالرغم من أن رئيس مجلس الشعب د. صوفي أبو طالب كان قد حدد مراد السلطة من أحزاب المعارضة بالموافقة على قرارات السلطة «القومية» والاستئناس برأيها في بعض المسائل الداخلية إلا أن هذه الأحزاب: العمل، والتجمع، والأحرار سارعت بالاستجابة لمطالب النظام، ووقعت في شباكه.

     وانضم إلى هذه الأحزاب الوفديون المستقلون، وبعض السياسيين المستقلين، وراح هؤلاء الساسة يتبارون في التعبير عن «الوحدة الوطنية» والإنجاز العظيم، فمثلًا صرح إبراهيم شكري زعيم حزب العمل «أن انسحاب إسرائيل النهائي من الجزء المتبقي من سيناء -وهو الأمر المقرر حدوثه في أبريل القادم- سوف يكون إنجازًا عظيمًا، ومن الممكن أن يكون بداية جديدة».

    وعندما سألت «المصور» خالد محيي الدين فيما إذا كان حزبه سيطالب الرئيس مبارك بالرجوع عن المعاهدة أجاب قائلًا:

«لا، مصر قدمت تنازلات كبيرة، ولا ينبغي -وأنا رجل عملي- أن نطالب الرئيس بمثل هذا المطلب الآن؛ نحن نطالب الرئيس مبارك أن يحرص على استرداد الأرض، وعدم الاستجابة للاستفزازات الإسرائيلية قبل الانسحاب النهائي من سيناء».

     سأظل أعارض المعاهدة، ولكن لأني عملي لا أستطيع أن أقول له لا تأخذ سيناء أما د. حلمي مراد فقد قال: «إنهم حريصون على تحقيق الانسحاب من سيناء، وهو لا يرفض المعاهدة، لكن يرفض التطبيع».

     أما الصحفي اللامع حسنين هيكل فقد أعلن أن اتفاقيات كمب ديفيد ثانوية، وأن الأهم منها هو الأمن الشامل لمصر وللأمة العربية.

     ومهما أوردت هذه الأحزاب من حجج خاصة لمشاركتها في مسيرة النظام السياسية إلا أنها بذلك -وكما لاحظ مراقبون مصريون- قد ساهمت في لجم الاندفاعة السياسية التي كانت يمكن أن تتحقق في أعقاب اغتيال السادات المسؤول الأول عن نتائج المعاهدة والتطبيع.

     ويبدو أن لعبة مكافحة «الإرهاب الديني» قد لاقت هوى لدى بعض هذه الأحزاب، خاصة ذات الطابع اليساري؛ فراحت تكيل الاتهامات للجماعات الدينية، وتقول فيها ما ليس فيها، مهيئة الجو للسلطة الحاكمة لتواصل حملاتها القمعية ضد المعارضة الدينية، بمختلف تشكيلاتها وفصائلها.

ليسوا خطرًا:

    وبعد أن اطمأن مبارك إلى العلاقة مع المعارضة كان قراره التالي الإفراج عن بعض المعتقلين، الذي لا يمكن تفسيره خارج ما جاء على لسانه تسويفًا لقرار الإفراج، حين جمع بعض مستشاريه، وسألهم: «هل في التصرفات المنصوبة إلى المتحفظ عليهم من السياسيين ما يشكل أي خطر على أمن مصر، أو تكون له أدنى صلة بأحداث الفتنة الطائفية أو بمخطط الإرهاب الذي نواجهه الآن؟» وأجاب الجميع «لا» وبناء على ذلك صدر قرار الرئيس.

     وإذا كان هناك ثمة تساؤل عن سبب الإفراج عن الأستاذ عمر التلمساني وسبعة آخرين من الإخوان المسلمين المعروفين بالعداء الشديد للاتفاقية وسياسات التطبيع، فيمكن الإجابة عليه في ضوء الحالة الصحية التي لا يحسد عليها هؤلاء المعتقلون، والتي أراد مبارك أن يقول بأنه «إنساني» ورحيم، بالإضافة إلى الكيد المتمثل بأن هؤلاء -كما روجت الصحافة المصرية زورًا وبهتانًا- مع النظام.

لا جديد:

     وإذا نظرنا إلى ما اتخذه النظام المصري الحالي من إجراءات في ضوء الفهم السابق لتبين أنه لم يأت بجديد، وأنه ليست هناك متغيرات في السياسة المصرية.

     فالتغيير الوزاري الذي يرأسه د. فؤاد محيي الدين أبقى المسؤولين عن الشؤون الخارجية والدفاع في مناصبهم، فيما غير الطاقم الاقتصادي المسؤول عن الانفتاح الذي جاء بطبقة المنتفعين المقربين من الرئيس الراحل.

     ومظاهر التغيير الاقتصادي والاجتماعي التي تتحدث عنها الصحافة المصرية بحماس لا تطول بنية النظام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإنما تفتقر على محاولة محاصرة مظاهر «التدهور الأخلاقي» المحسوبية، والرشاوي التي ترافقت مع الانفتاح على الغرب الأميركي والأوروبي في عهد السادات، وأفرزت ظاهرة المقاول عثمان أحمد عثمان، وشكل سيد مرعي، وجيهان السادات وغيرهم، كما أن تلك الفترة أدت إلى بروز نمط جديد من القيم يغلب عليها الطابع الاستهلاكي الذي يفسر انحسار القيم، وتجلي مظاهر الفساد في مفاصل النظام والإدارة.

    ويرى المراقبون أن مبارك يتابع سياسة سلفه، ولكن دون السلبيات التي حملتها الجماعات المحسوبة على السادات، وفي هذا الضوء يمكن فهم خطوات النظام المتتالية: إطلاق المعتقلين السياسيين، فتح الحوار مع المعارضة السياسية، إعادة النظر في قرار عزل الأنبا شنودة، التقرب من بعض الزعامات الدينية غير السياسية، إعادة المعزولين إلى مناصبهم السابقة والسماح بمناخ نقدي في الصحافة.

     وعليه فإن هذه الترتيبات «للداخل» لا يمكن فهمها إلا في ضوء استثمارها لمتابعة سياسة كمب ديفيد، خاصة وأن جميع القوانين السابقة التي تحد من الحريات وقانون الطوارئ الذي أعلن بعد اغتيال السادات لا زالت سارية قانونيًا، كما أن قرار الإفراج عن المعتقلين لم يتضمن النص على حفظ القضية مما يفسح المجال لإعادة فتح الملفات من جديد والتحقيق مع أصحابها.

    وكما أوضحت المجتمع في عددها السابق فإنه يتوقع أن يستمر نظام حسني مبارك بقمع المعارضة الإسلامية؛ لأنها معارضة مبدئية، وتلقى التأييد الشعبي، وإذا ما سارت الأمور على هوى مبارك، وعادت سيناء في الموعد المقرر، فإن ذلك سيجعل موقفه قويًا إلى حد إصلات السيف أمام كل معارض، وما يجعلنا نرجح هذا الاحتمال هو اعتبار مبارك من سلفه الذي راح ضحية «الحرية الضيقة» التي أعطاها للمعارضة كجزء من ثمن ظهوره بمظهر الحاكم «الديمقراطي»، والتي من خلالها أفلتت المعارضة من يديه، وشبت على الطوق، خاصة المعارضة ذات البعد الشعبي والإسلامي.

رؤيا مستقبلية:

     ومما يزيد هذه الرؤيا تأكيدًا انسياق النظام مع مخطط السياسة الأمريكية في المنطقة- المتمثل في دفع اتفاقيات كمب ديفيد إلى الأمام، وضم أطراف أخرى لها بحيث يمكن التوصل إلى شكل من أشكال التحالف السياسي العسكري الاقتصادي في المنطقة، والكفيل بالحفاظ على المصالح الحيوية والإستراتيجية الأميركية.

     ولعل مهمة وزير الخارجية الأميركي التي أنهى جولته الأولى منها في نهاية الأسبوع الماضي خير دليل على ذلك؛ إذ أبدى أنه يحاول أن يضغط على مصر للموافقة على شروط «إسرائيل» ومفهومها للحكم الذاتي للفلسطينيين، وإنهاء ذلك قبل موعد الانسحاب من سيناء.

    وإزاء هذه الرؤية لمسار السياسة المصرية فإن المطلوب من المعارضة المصرية بجميع فئاتها مراجعة مواقفها مهما كانت مسوغاتها الخاصة للدخول في «الوحدة الوطنية» التي هندسها الرئيس مبارك وأركان حكمه، ولعل أخطر ما في هذه الوحدة من وجهة نظر السياسة الداخلية تفريغ زخم المعارضة في معارك ثانوية قد تكون نتائجها خطيرة، وعلى المعارضة الإسلامية بالذات أن تكون واعية لمغزى اللعبة، وأن تعمل قبل فوات الأوان على توحيد صفوفها، وعدم الاستجابة لاستفزازات بعض تشكيلات المعارضة العارضة والانتهازية مهما ملكت من وسائل إعلامية داخلية أو خارجية.

    وإذا كان هناك من شك أو تشكيك في هذه الرؤيا فإن الأيام القادمات وحدها التي ستكشف ما هو آتٍ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل