العنوان عطاء سيد قطب
الكاتب عبد الرحمن جميعان
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 64
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
الظلام الدامس ينسج خيوطه السوداء
القائمة الثقيلة على الناس، السماء تتلبد بالغيوم والسحب الكثيفة، الريح تصفر على
الأبواب وبين المنازل صفيرًا يقض المضاجع، البرد ينزل على البيوت بشدة على أسقف
تلك البيوت، ويكفهر الجو المظلم، ويعيش الناس في ضنك وضيق، يضرع الكل إلى الله
وحده أن يخلصهم من هذا الموت النازل، فيستجيب الله دعاءهم، وإذا بالشمس تطرد عنها
الغيوم والسحاب، وترسل خيوط نورها إلى تلك الأرض لتجففها، والناس ينظرون إليها
فرحين، وهي تفتح ثغرها باسمة مطمئنة، لتمد الناس بدفئها وحرارتها وترحمهم من
تلك المعيشة الضنكى.
وهكذا ظلام الجاهلية وليلها الأسود
الطويل، عندما يهوي بثقله على الدنيا، ليترك الناس في كرب وضيق، فلا يكادون يفتحون
الشفاء للنطق بكلمة الحق، ولا يتركون يتغنون مع حادي قافلة الحرية المفقودة، ويظن
الناس أن ذلك الليل الطويل لن يترك الصبح يسفر، وما ظنهم إلا خرصًا في خرص، وإلى
محض افتراء.
ولا تمر أيام بؤس وشقاء إلا وتنفرج
بأيام نعيم وسعادة، هذا ما يكون عندما تضرب الجاهلية أطنابها في الأرض، فيأتي
الدعاء ترفع تلك الأطناب، وكشف دماءهم لتزيد الشمس ضياء، ولهبها لهيبًا، أتدرون من
هم؟
إنهم الشهداء، شهداء الإسلام، أولئك
الذين يظن الطواغيت أن راحتهم في موتهم وأن شجرة الدعوة ستموت، ولكن ظنهم لا يلبث
أن يخيب عندما يروون تلك الشجرة تثمر وتقنع ثمارها بدماء الشهداء الأبرار. ويظن
الناس أن الدعاة قد ماتوا، وما علموا أنهم هناك في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وتمر ذكرى أحد هؤلاء- نحسبه كذلك ولا
نزكي على الله أحدًا- الذين كتبوا على صفحات التاريخ أسمى آيات الصدق والجهاد
والصدع بالحق، والذي ظل عطاؤه يتدفق تدفق الماء الزلال من البئر الصالحة، إنها
ذكرى «سيد قطب» التي نجدد فيها معاني الإسلام، ومعاني الجهاد بعطائه السامي، إنها
ذكرى ذلك الرجل الذي رفض كتابة كلمة واحدة في سجل الطواغيت، وكتبها في سجل الدعاة
الخالدين، وأصبح مشعلًا ينير طريق الحيارى والتائهين، ونجمًا في ظلام الجاهلية
الطويل، فإلى عطاء سيد.
التربية القرآنية أساس الدعوات
المتتبع لحياة «سيد قطب» ويدرس
الفترتين اللتين مر بهما «سيد» ليلحظ الفارق عظيمًا، والبون شاسعًا، ذلك أنه عاش
في حياته الأولى يقتات الفكر من الشرق والغرب، ويخلط الحق بالباطل، ولكن في فترته
الأخرى -أي ما بعد سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف- كان نير الفكر، واقد الذهن،
سليم العقيدة، فما الذي أثر في حياته حتى جعله يخرج لنا هذا الفكر النير للإسلام؟
لنترك سيد يجيبنا:
لقد من عليّ بالحياة في حظر القرآن
فترة من الزمان[1]،
ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي، ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر
وتباركه وتزكيه.. عشت أتملى- في ظلال القرآن- ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع
النظيف للوجود، ولغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني، وأقيس إليه تصورات
الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب.
فلابد إذن- من منهج الحركة
الإسلامية- أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش
فيها، ونستمد منها.
هذا ما يبصرنا به «سيد» وهذا ما تراه
من خلال حياته وحركته.
الثبات
- ألا ما
أعظمها من كلمة لو وعاها الدعاة، ولا يعيها إلا ذلك الصنف من الدعاة، وإلا ذلك
الطراز من الذين يرعاهم إليه برعايته، ويوفقهم بفضله- وكان سيد من هذا الصنف-
نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- كان ثباته كالطود العظيم، راسخًا كأنما أوتاد
قد ضربت عليه، صلبًا أصلب من الفولاذ، ألا تراه عندما طلبت أخته منه أن يعتذر في
سبيل التخفيف عنه أبى عليها، وفضل حبل المشنقة على حبل الود مع عبدالناصر.. إنه
الثبات الذي ما كان إلا لطول صحبة سيد للقرآن. وتراه يوضح هذه الحقيقة لنا فيقول: "لابد
مما ليس منه بد.. لابد أن نثبت أولًا، ولابد أن نستعلي ثانيًا".
ويؤكد هذه الحقيقة عندما يوضح أن
واجب الدعاة أن ”يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا
بالإيمان على الفتنة، وأن يصدقوا الله في العمل والنية”.
ويعد هذا الموت وهذا الثبات انتصارًا
على الطواغيت وعلى الماديات: «إن الناس جميعا يموتون وتختلف الأسباب، ولكن الناس
جميعًا لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا
التحرر.. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت،
وتنفرد دون الناس في المجد».
ويعتبر تنازل المؤمنين عن ثباتهم
خسارة كبرى للبشرية جمعاء.
الفكر الإسلامي الصائب ومصطلحاته
من أهم ما يميز «سيد» -رحمه الله-
تبلور مفهوم الإسلام في عقله، واستطاعته تسطير هذا الفكر وتنظيره للدعاة، ولقد
استرسل سيد كثيرًا في هذا الفكر وغاص في أعماقه، وأبى إلا إخراج درره، فنراه قد
أطنب كثيرًا في هذه الأمور المهمة التالية: العقيدة وصلة الألوهية والعبودية،
وبالعكس، واستفاد كثيرًا من كتاب العلامة المودودي: المصطلحات الأربعة، وركز
كثيرًا على هذه القضايا المهمة في كتبه وخلال ظلاله فلنصحبه مع كلماته:
”العبودية لله وحده هي شطر
الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلا الله، والتلقي
عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كيفية هذه العبودية هي شطرها الثاني المتمثل
في شهادة أن محمدًا رسول الله.. ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله. وأن محمدًا
رسول الله قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها”.
ولفظة «الكبير» ولفظة «المتعال»
كلتاهما تلقي ظلها في الحس، ولكن يصعب تصوير ذلك الظل بألفاظ أخرى، إنه ما من خلق
حادث، إلا وفيه نقص يصغره، وما يقال عن خلق من خلق الله كبير، أو أمر من الأمور
كبير، أو عمل من الأعمال كبير حتى سيتضاءل بمجرد أن يذكر الله، وكذلك «المتعال»..
تراني قلت شيئًا؟ لا.. ولا أي مفسر آخر للقرآن وقف أمام «الكبير المتعال».
ويقول عن الجاهلية: «إن الجاهلية هي الجاهلية على مدار الزمان، إن
الجاهلية ليست فترة تاريخية، ولكنها وضع واعتقاد وتصور وتجمع عضوي على أساس هذه
المعوقات، والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد، ومن تأليه غير
الله». ويركز على قضية التوحيد، ويشن حملة كبرى على أصحاب القبور والمشركين حتى في
قضية الذبح:
«وما يزال أناس بعد أن جاءت
عقيدة التوحيد وتقررت، يجعلون نصيبًا من رزق الله لهم موقوفًا على ما يشبه آلهة
الجاهلية، ما يزال بعضهم يطلق عجلاً يسميه «عجل السيد البدوي» يأكل من حيث يشاء لا
يمنعه أحد، ولا ينتفع به أحد، حتى يذبح على اسم «السيد البدوي» لا على اسم الله.
وما يزال بعضهم ينتظرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله، ولا باسم الله
ولكن باسم ذلك الولي».
ولا نستطيع الاستطراد أكثر من ذلك
ومن أراد أكثر فليرجع إلى المعالم، الخصائص، آية الكرسي، مقدمة الرعد والأنعام،
والفاتحة وغيرها، وقبل أن أختم هذه النقطة، أنقل من معالم الشهيد كلمة جيدة، يقول
عن وظيفة الإسلام: إنه لا يمكن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض،
ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، لم تكن هذه وظيفته يوم جاء، ولن تكون
هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل.. إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية،
لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام
وإما جاهلية، وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية، يقبله الإسلام ويرضاه.
الاستعلاء
حكى لنا سيد باصطلاح كانت الرياح قد
سفت عليه من رمالها، فأجلاه لنا ناصعًا خالصًا، وكان اصطلاحًا باليًا كساه سید
ثوبًا جديدًا، إنه الاستعلاء على الدنيا وإيثار ما عند الله عليها.
لقد استعلى سيد على ملذات هذه الحياة
الدنيا، واستعلى على مطامع الطواغيت، واستعلى على المراكز العالية، وآثر أن يعيش
في قمة الإسلام السامقة معذبًا، تسيل الدماء من وجهه، على أن يعيش في سفح الجاهلية
الهابط مستشارًا لعبدالناصر الطاغية، وآثر أن يعيش ممزق الثياب من السياط على أن
يخيط في كل يوم ثوبًا جديدًا، إنه الاستعلاء.. «الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة
عن منهج الله، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض
التي لم يضعهما الإيمان وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان».
وسيد كان مريضًا ضعيف القوى، قليل
العدة، فاقد الناصر، لكنه كان يمثل الاستعلاء في ذلك كله، «الاستعلاء مع ضعف
القوة، وقلة العدد وفقر المال»؛ ذلك أن الاستعلاء الذي «لا يتهاوى أمام قوة باغية
ولا عرف اجتماعي ولا تشريع باطل»، ولكن هل كان سيد وحيدًا في المعركة؟ لا لأنه
يدرك بأن «الله لا يترك المؤمن وحيدًا يواجه الضغط وينوء به الثقل ويهده الوهن
والحزن»؛ ولأنه يعلم بأن المؤمن «هو الأعلى سندًا ومصدرًا، وإدراكًا وتصورًا».
وهكذا عاش سيد مستعليًا عزيزًا،
زاهدًا بما في أيدي الزعماء طامعًا فيما عند الله..
تدعيم القول بالعمل
لكتب سيد- رحمه الله- محبة خاصة في
قلوب هذا الجيل، ذلك لأنه يكلمهم في واقعهم ويشرح لهم إسلامهم بأسلوب آدمي جيد،
وأمر آخر هو الذي جعل الإقبال على كتبه يزداد، ألا وهو تطبيق ما يقوله.
كثير من الكتاب يتكلمون في معاني
الجهاد، والتضحية، والإيثار والصبر، ولكن قليل منهم هو المجاهد، والمؤثر والصبور،
لذلك تجد الدعاة في منأى عن كتبهم، ولكن «سيد» كان يترجم ما يقول ترجمة «كاملة»..
فيتكلم في سجل الثابتين، ويتكلم عن التنظيم والحركة، فإذا هو قائد منظم، وداعية
موجه، ويتكلم عن الاستعلاء فإذا به يصعد ويرتقي من علو إلى أعلى.
ولا نريد أن نضرب نماذج، لأن هذا أمر
مشاهد محسوس.
وهنا توقف القلم عن الاستمرار، وخشيت
النفس من الاندحار، فإن بقي في النفس كلمة، وإن بقي للقلم مداد، فإنني أقول: للمتحاملين: أن يتقوا
الله في هذا الرجل، وأن لا يحملوا كلامه أكثر مما يحتمل، وأن ينزلوا كلامه أحسن
المنازل، وأن يتلطفوا في إبراز أخطائه.
وأقول للمعظمين الذين أنزلوا «سيدًا»
منزلًا هو لا يرضاه لنفسه فرفعوه إلى مكان عال قد لا يتصف به إلا الصديقون أقول
لهم:
أنصفوا الرجل، وضعوه في منزلته يخطئ
ويصيب، ولا تأنفوا ويأخذكم الكبر، والعزة بالإثم عند تبيان خطأ من أخطائه.
ولقد مات سيد فلم ينفعه مدح
المادحين، ولا ينقص من قدره ذم الذامين، ولكن ينفعه الدعوة الصالحة، وذكر أعماله
الحسنة والسؤال له بالمغفرة والرضوان، وأن يجمعنا الله معه وجميع المسلمين تحت ظل
عرشه يوم لا ظل إلا ظله، اللهم آمين.