; الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق «7».. التنصر في الجزيرة العربية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق «7».. التنصر في الجزيرة العربية

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

مشاهدات 62

نشر في العدد 794

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

  • البعثة العربية الأمريكية للتنصير فشلت فشلًا ذريعًا في تنصير أي فرد من أفراد المسلمين في الجزيرة العربية.
  • د. هارسون يقول: «إننا نضع الأسس للحصول على موطئ قدم لنا في الصحراء الداخلية الجرداء بين الرجال العجاف نصف الجياع من البدو الذين لا يقهرون»!!

إن إدخال النصرانية وسيادتها في الجزيرة العربية، وسلخ هذه الجزيرة عن إسلامها هدف من أهداف النصرين، لأن النصرانية -كما يزعمون- حقًا تاريخيًا في الجزيرة العربية كما لليهود حق تاريخي في فلسطين، سواء بسواء. 

يرجع هذا على التاريخي فيما يرعون إلى تلك الزيارة التي قام بها القديس بولص إلى البلاد العربية ثم عاد منها إلى دمشق، دون بيان المنطقة التي زارها، ولا للمدة التي أقام فيها في علم المنطقة العربية، ولا بيان لما إذا كان قد مارس الدعوة إلى النصرانية فيها أم لا، ولا بيان فيما إذا كان قد تبعه أحد على دعوته من أهل هذه المنطقة أم لا، فقد أكد كل من صموئيل زوير وجمس كانتيل وهما الرائدات في البعثة الأمريكية للتغير هذا السبب فقالا: 

«وإن من بين الدوافع للعمل في الجزيرة العربية أولًا: الأسباب التاريخية... إن المسيح حقًا في استرجاع الجزيرة العربية، وقد أكدت الدلائل التي تجمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة على أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في بداية مهدها، وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هناك، ولهذا فإن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية».

والمعروف تاريخيًا أن أول دخول للنصرانية إلى الجزيرة العربية كان في عهد شابور الثاني شابور الثاني الفارسي سنة 379 عندما تعرض السطوريون في بلاده إلى الاضطهاد، فهاجروا عبر الخليج العربي - آنذاك في الجزيرة العربية واستقروا في عمان، ثم أخذوا ينتشرون على السواحل الشرقية للخليج العربي حتى بلغوا الأحساء أما في الجنوب فقد كان على يد الأحباش الذين كانت لهم علاقة وثيقة باليمن، وقد كان أولى اتصال هذه المنطقة بالنصرانية يعود إلى سنة 356م حين أرسل الإمبراطور الروماني قسطنطين أول بعثة تنصيرية إليها.

ويجدر بنا أن ننبه الأجيال الحاضرة واللاحقة إلى خطورة ادعاء الحق التاريخي للنصارى في الجزيرة العربية، لأن ادعاء الحق التاريخي لليهود في فلسطين بدأ خافتًا ضئيلًا ثم لم يلبث أن كبر مع الزمن فأصبح أبدًا حضورًا. 

ومن هنا فأننا لا نستغرب اجتماع خمس بعثات تنصيرية على العمل في الجزيرة العربية، ولا نرى أن هذا الاجتماع كان من قبيل الصدفة، وقد كانت أكبر هذه البعثات وأهمها البعثة الأمريكية التي أخذت اسم «الإرسالية العربية الأمريكية» وكان يرأس هذه البعثة الدكتور لانستك أستاذ اللغة العربية في معهد اللاهوت في نيو برونويك في ولاية نيوجرسي الأمريكية ويساعده فيها: صموئيل زوير، وهو من أبرز وأنشط أعضاء البعثة، وجيمس كانتين، وفيليب فيليبس، وفي عضو في هيئة الإرساليات الأجنبية التابعة لكنيسة الإصلاح الهولندية في أمريكا.

ولقد كانت مهمة هذه البعثة العمل على تنصير الشواطئ الشرقية للجزيرة العربية، بينما تولت البعثات الأخرى العمل على تنصير الشواطئ الجنوبية للجزيرة عن طريق تأسيس مراكز تنصير، حتى إذا ما تم لما ذلك انطلقت منها إلى داخل الجزيرة وقد أفصح عن هذه الخطة الدكتور بنيت -أحد أعضاء هذه البعثة- حين قال: «إننا نهدف إلى احتلال الأجزاء الداخلية من الجزيرة العربية بأن نعمل من الساحل قاعدة لنا»

وقد رأينا فعلًا البعثة العربية الأمريكية للتنصير تؤسس أول مركز لها في البصرة التي تعتبر بوابة الجزيرة العربية سنة 1892 وثم أسست المركز الثاني لها في البحرين، وكان ذلك سنة 1893م، وأسست في العام نفسه مركزها الثالث في مسقط، أما مركز الكويت فقد أسسته سنة 1903م ، ثم تلاه مركز قطر الذي تم تأسيسه سنة 1945م. 

بينما كانت البعثة الإنجيلية المتحدة للتنصير تزاول نشاطها في أبو ظبي، وبعثة كيت فولكنز التابعة لكنيسة إسكتلندا الحرة تمارس نشاطها في اليمن وأخذ المنصرون في البعثات المختلفة يتطلعون إلى الدخول إلى قلب الجزيرة العربية لتأسيس مراكز التنصير فيها.

ولما تم استدعاء بعض أطبائهم لمعالجة بعض أفراد الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية مرة بعد مرة في الرياض والأحساء، وسمح لهم بتقديم بعض الخدمات الطبية لبعض أهالي الدمام والقطيف والأحساء ظنوا أن الصحراء قد فتح أذرعها لاستقبالهم، وكتب حينئذ الدكتور هارسون يقول: «وإننا نضع الأسس للحصول على موطئ قدم لنا في الصحراء الداخلية الجرداء بين الرجال العجاف نصف الجياع من البدو الذين لا يقهرون... إن الناس يتزاحمون حولنا، وهم بحاجة إلينا أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد المعارضون يناصبوننا العداء، وفي واحدة من هذه الرحلات مستقبلًا سنحصل على الإذن الذي نريده لبناء أول صرح تنصيري في معقل الإسلام». 

وبذلك ظهر أن الدكتور هارسون لا يفرق بين الاستماع إلى المشورة الطبية والاستماع إلى المشورة الدينية، وعلى أن من يستمع إلى مشورته الطبية لا بد وأن يستجيب لمطلبه الديني، ظهر بذلك أحرق الرأي فاسد القياس.

لقد استعانت الأسرة السعودية بالخبرة الطبية لأطباء البعثة العربية الأمريكية، ولكنها وقفت بكل صلابة في وجه نشاطهم التنصيري، ولم تسمح لهم، بل كانت مشددة منعهم عن ممارسة هذا النشاط ضمن حدودها، وهكذا فشلت 

عهود التنصرين في الدخول إلى قلب الجزيرة العربية بل فشلت في اختراق حدود المملكة العربية السعودية.

ز- فشل عملية التنصير في الجزيرة العربية:

إن تقويم عملية محاولة التنصير التي قامت بها البعثات التنصيرية المختلفة في الجزيرة العربية أمر يطول أولًا، ولا يجوز أن ينشر على الملأ لئلا يستفيد منه العاملون على القضاء على الإسلام تاليًا، ولذلك فأننا سنكتفي بإيراد ما تعتقد أنه لا حظر في نشره. 

تستطيع أن تؤكد أن البعثة العربية الأمريكية للتنصير قد فشلت فشلًا ذريعًا في تنصير أي فرد من أفراد المسلمين في الجزيرة العربية كلها، وأنها أضاعت سدى جهدًا مضنيًا بذله رجالها مدة خمسة وثمانين عامًا -أي منذ عام 1891م الذي أسست فيه أول مركز لها في البصرة- كما ضاعت من قبل جهود البعثة المتحدة للتنصير وهذا ما جعل مؤتمر الكنيسة الإصلاحية يتخذ قرارًا عام 1973م يوقف دعمها لعملية التنصير في الجزيرة العربية. وإن على كل بعثة من البعثات العاملة في الجزيرة العربية أن تدير شؤونها بنفسها، وأن تمضي في الطريق الذي ترتأيه.

وتعتقد أن الكنيسة الإصلاحية لم تصدر هذا القرار في مؤتمرها المذكور إلا لأنها تبنت استراتيجية جديدة في التنصير تجمع بين الأهداف السياسية والدينية. هذه الاستراتيجية لا تبعد كثيرًا عن المخطط الذي بسطناه في هذه السلسلة من مقالاتنا، وأن أظهرت للعيان أنها تريد أن تتبنى أسلوب الحوار مع المسلمين للوصول إلى نقاط مشتركة يمكن أن يتم اللقاء عليها والانطلاق منها الإنسان، وبدأت أمانة سر المجمع الفاتيكاني لغير النصارى تعد العدة بالاشتراك مع الجنة الحوار مع إتباع العقائد المختلفة لعقد لقاءات بين النصارى والمسلمين، وكونت لذلك لجنة بدأت أول نشاطاتها بالحوار الأول الذي أقيم في جنيف سنة 1969م وطرحت فيه مسألة الردة، وعقد اللقاء الثاني في برمانا في لبنان سنة 1972م، وعقد اللقاء الثالث في أكرا من غانا سنة 1974م وفي العام نفسه عقد لقاء آخر في تونس دعا إليه مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، وفي عام 1975م عقد لقاء هونغ كونغ، وفي عام 1976م عقد لقاء طرابلس من ليبيا، وفي العام نفسه عقد لقاء جنيف الثاني، وقد تم في هذا اللقاء رفض الجانب النصراني إيقاف عمليات التنصير بين الأقليات المسلمة، وفي عام 1977م عقد لقاء قرطبة الثاني وكان موضوعه «قيمة محمد نبي الإسلام» وفيه اعتبر محمد نبيًا من الدرجة الثانية وليس كإبراهيم وموسى عليهما السلام. وفي العام نفسه أقيم لقاء آخر في بيروت من لبنان، وفي عام 1978م أقيم اللقاء في القاهرة، وفي عام 1980م أقيم لقاء تونس الثاني وفي جميع هذه اللقاءات يخرج المسلمون بخسائر يظنونها مكاسب، وشكوك تلقي في دروبهم، ربما اعترضت طريق الإيمان في صدور المسلمين في يوم من الأيام. وقد بدأت الجهات العلمية تعد الدراسات اللازمة لذلك، فقد نشرت جريدة عكاظ في عددها 7356 أنه قد قام مركز البحوث الأمريكي التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية بتكليف الباحث الأمريكي «آرثر كريس» الأستاذ السابق بالجامعة الأمريكية ببيروت بإعداد بحث عن دور الدعوة الإسلامية في المجتمع المصري خلال العشر سنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه تقوم مجموعة من الباحثين الأمريكيين بإجراء بحوث مماثلة في إحدى عشرة دولة عربية وإسلامية منها المغرب وإيران وإندونيسيا بتكليف من جامعة شيكاغو والغرض من هذه الأبحاث كما صرح الباحث آرثر كريس هو التعرف على ما أسماه بـ طرق الدعوة الإسلامية وأساليبها فيما وصف بأنها محاولة للوصول إلى طريقة علمية للتفاهم مع المسلمين والمسيحيين بعد أن لوحظ في الآونة الأخيرة أن هناك اهتمامًا كبيرًا بالنهوض بالدعوة الإسلامية في دول عربية وإسلامية.

ولعل أهم الأسباب التي أدت إلى فشل المنصرين في الجزيرة العربية ما يلي:

1- إن الديانة النصرانية لا تقوم على أساس فكري، بل تقوم على أساس عاطفي، بينما يقوم الإسلام على الأساسين معًا، العقل والعاطفة وكانت هذه نقطة الضعف في الديانة النصرانية التي جعلتها تنهزم أمام ما ربى الإسلام المسلمين عليه من أنماط التفكير العقلي. خاصةً وأن الجزيرة العربية في هذا العصر بالذات كانت قد أخذت تستعيد ذاتها وتفكيرها الإسلامي السديد والابتعاد عن منطق العواطف في قبول أو رفض الأمور الدينية، ونبذ الخرافة وكل ما يمت إليها بصلة بعد أن سرت في أرجائها دعوة الشيخ المجدد محمد ابن عبد الوهاب.

2- إن الدعوة إلى التنصير لا تنجح إلا في مجتمعات الحرمان، حيث يصبح كثير من الناس أسرى حبة الدواء، أو أسرى لقمة العيش أو أسرى الجهل، والمرء أضعف ما يكون عند حاجته هذه الحاجة ليظهروا بثوب ملاك الرحمة، الذي تسيره إرادة المسيح.

وحين قدم المنصرون إلى الجزيرة العربية كان شعب الجزيرة في نهاية هذه المرحلة، إذ لم تلبث أن تدفق عليهم البترول حاملًا معه المستشفيات التي تذرى بمستشفيات المنصرين، والمدارس التي تبذ مدارس المنصرين وناشرًا الرفاهية والرخاء في كل بيت، فكانت هذه المفاجأة الضربة القاضية للمنصرين ما أن صحوا منها حتى قرروا الانسحاب من الميدان ليدخلوه بعد ذلك بلعبة جديدة وسلاح جديد.

وما بقي منهم في الميدان بقي يعمل بصفته الفردية ولا الدولية، يظن أنه يفلح، وما عمله في الحقيقة إلا كخط في الرمال، لا تلبث الرياح أن تمحوه.

الرابط المختصر :