العنوان ظاهرة خطيرة في المجتمع الإسلامي
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الأربعاء 04-فبراير-1976
مشاهدات 65
نشر في العدد 285
نشر في الصفحة 34
الأربعاء 04-فبراير-1976
أبرز ما يكشف عنه إعصار الحضارة الغربية في مظاهرها التي اجتاحت البلاد العربية والإسلامية تلك الأجيال الساذجة البسيطة التي تواجه الحياة في غير اهتمام كأنما هي لعبة أو تسلية أو ساحة لهو وركض، يلبسون ما يشاءون، ويأكلون كما يشاءون، ولا يرون لأمر من أمور الحياة نظامًا أو قانونًا، ولا يجعلون من وراء عملهم أو حركتهم مسائلة أو وجهة أو خوفًا من خبراء، كأنما ليس في الحياة إلا المتعة واللعب واللهو.
هذه النظرة اللاهية إلى الحياة، دون تقدير المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان إنما جاءت العرب والمسلمين نتيجة ذلك الإعصار الخطير الذي فرضته الحضارة الغربية في صورتها التي نقلت إلى بلادنا، ليست إلا ملبسًا مزخرفًا، أو أغنية طرية، أو فكاهة تافهة.
تلك هي الظاهرة التي سيطرت على المجتمع الإسلامي اليوم، فعزلت المسلمين عن المفهوم الحقيقي للحياة ورسالتها وأسلوب العمل فيها على النحو الذي جاء به الإسلام.
فالحياة الإنسانية في الحقيقة ليست لعبًا ولا لهوًا، وليست مراحًا يسرح فيه الناس كما يشاءون، ساعات لاهية أمام مسرحيات ليست من واقع الحياة، أو مراقص أو شراب وسهر حتى مطالع الفجر ثم نوم حتى ينتصف النهار، أو هي حركة بطيئة كسولة منفصلة عن حركات الليل والنهار، استهانة بها. هذه هي السذاجة التي أدخلت الحضارة الغربية التي تمر بأسوأ مراحل انحلالها المسلمين اليوم عازلة لهم عن مفهوم الإسلام للحياة ومسؤوليتها وتبعه السعي فيها فالحياة مسؤولية جادة وآذان يؤذن للوقت حينما يحل، يجعل المسلم مرتبطًا بالزمن ارتباطًا دقيقًا متصلًا، ويجعل وقته محسوبًا عليه وهو محاسب عليه.
هذا هو الشر الخطير الذي يجعل المسلمين في مجال السذاجة والغفلة، حيث تضيق ساحة الفكر والنظر، فتقصر على الأمور المعاشة والحدود الضيقة من الحياة، بينما جاء الإسلام لينقل المسلمين إلى الفكر والنظر ومعرفة أبعاد الحياة في اتصالها بأول الوجود وآخر الحياة على وجه الأرض وما بعد الحياة من حياة أخرى فيها الحساب والجزاء.
لقد جاء الإسلام ليخرج الناس من ضيق المحدود المادي إلى الآفاق الواسعة الرحيبة، ليجعل الناس قادرين على فهم الحياة في أوسع منطلقاتها، معرفة عميقة، لا يخدعهم بها أصحاب المطامع الذين يعملون على حبس الناس في المفاهيم المحدودة الضيقة، فلا يكون لهم من مشاغل أو هموم سوى مطاعمهم وملابسهم وكلمات ساذجة يشغلون بها أوقاتهم وأيامهم، بينما يضعهم الإسلام على آفاق العلم والفهم العميق للحياة، ودور الإنسان فيها، ومقدرة الإنسان على الانتقال من الأنانية إلى الغيرية ومن الأهواء إلى الأشواق، ومن الأمور المادية إلى القيم المعنوية.
إن أكبر ما أعطى الإسلام للإنسان: «الفكر والذكر».
وهذه هي نقلة البشرية بالإسلام من الوثنية والمادية والإباحية والأشياء الصغيرة التافهة.
لقد دعا الإسلام إلى الفكر والذكر وبذلك أعلن أن البشرية أصبحت قادرة على أن تدخل مرحلة المعنويات والأشواق العليا، وتعرف خالقها- تبارك وتعالى- وتصل إلى ذلك عن طريق البيان، فكان القرآن هو البيان المعجز، أعلى آيات البلاغة والدعوة الكبرى إلى النظر في الكون والتأمل والذكر والفكر. ذلك هو الارتفاع فوق طفولة البشرية بالنظرة الشاملة ذات الأبعاد التي ترتبط بالأزل والأبد، وبالدنيا والآخرة، وتستمد أول منطلقها من الحق تبارك وتعالى ثم تعود إليه بعد جولتها.
ولقد كانت معجزة الإسلام: هي القرآن معجزة بيان وفكر وذكر وأصالة، فهي ميراث النبوة كله، وعلامة رشد وارتفاعها فوق المادية.
ومن هذا المنطلق أصبح المسلم أعلم الناس بواقعه وحياته وهدف حياته ورسالته التي وكل الله أمرها إليه، داعيًا للحق، حاملًا الأمانة مدافعًا عن البيضة، مجاهدًا في سبيل ربه وفي سبيل كلمة التوحيد، بائع نفسه وماله وكل ما يملك رضاء لربه الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
ونحن نأسف اليوم حيث نرى أن محصلة التمدن الغربي الذي وقع بالعالم الإسلامي كله قد نقل الناس إلى سذاجة الطفولة البشرية، ومحدودية الحياة، حتى لم يعد يرى الناس تحت أقدامهم وقد شغلتهم تفاهات الحياة وتكالبوا على فتاتها وبانت سعادة اللحظة العابرة عندهم ذات أهمية أکبر دون تقدير لما وراءها وما بعدها من حسرات السنوات والعمر، كما غلبت النزعة المادية الجشعة والأنانية الفردية، حتى أنكر الابن أباه، والرجل أهله، واندفعوا في سبيل تحصيل لذات معارضة والغلو في معطيات مادية تافهة، أصبحت عندهم هي المثل الأعلى ورمز التقدم والارتفاع.
ومن ثم غلبت على الآداب: الأساطير والخرافات القديمة وتجددت، وغلا الاهتمام بالخيالات والأوهام، واندفع الناس للبحث عن تغييب الواقع وراء أغنية طائرة أو قصة خادعة، أو سهرة فارهة، يقول: أريد أن أنسى الواقع، وما ذلك إلا لون من المخدر الذي يتجاهل به الإنسان سير الأمور، وما هذه الغيبة إلا محاولة لتأجيل النظر في أمور، سوف تعود من بعد وقد تراكمت وتضاعفت. بينما الإسلام يطلب إلينا أن نواجه الواقع وألا نغيب أنفسنا وراء أهواء قد تحجبنا ساعة أو ساعات ثم تعود أشد قسوة، كذلك يطلب الإسلام إلينا ألا نغير واقع حياتنا بالخداع أو التعديل أو الإضافة «كما يفعل لابسو الشعر المستعار أو الذين يعملون على تجميل بشرتهم» فإن ذلك كله إنما هو محاولة لانتقاص التطور الطبيعي للحياة وابتعادًا عن الواقع الذي يجب على المسلم أن يواجهه في صراحة وأن يتكيف له ويصلحه بالوسائل الصحيحة.
ولا ريب أن المسرحية والأغنية، وتلك الفنون المتصلة بالقصة والسينما وغيرها هي من باب تغييب العقل ساعة أو ساعات عن واقع الحياة، أو محاولة إسعاد النفس بالوهم والمخدر، ثم إذا الأمور تعود مرة أخرى إلى طبيعتها وقد تضاعف الإحساس بالواقع الذي هرب منه صاحبه.
تلك صورة الخطر الذي يواجه المجتمعات الإسلامية اليوم نتيجة ذلك الانفصال عن أصالة الإسلام وطابعه الاجتماعي جريًا وراء دائرة الحضارة الغربية المنهارة التي تمر بأسوأ مراحل أزمتها واضطرابها خروجًا من مقدرتها العلمية إلى انحرافها الأخلاقي والعقائدي ودخولها في مرحلة الصراع والتمزق والاغتراب والغثيان.